الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

بعد 84 عاماً من البث.. ماذا تركت “بي بي سي” العربية لمستمعيها؟

كيوبوست- مدى شلبك

بعد 84 عاماً من البث الإذاعي باللغة العربية، أعلنت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، وقف البث الإذاعي بعشر لغات؛ من ضمنها اللغة العربية، وبهذا تنتهي رحلة أول إذاعة أجنبية أطلقتها الهيئة، وتنتهي معها مقدمة نشراتها الإخبارية التي تبدأ بالعبارة الشهيرة “هنا لندن” مع دقات ساعة “بيغ بن”.

وأثار خبر وقف البث الإذاعي باللغة العربية، مشاعر حزن انتابت أجيالاً عاصرت الإذاعة، وأحبت مذيعيها عبر أصواتهم لا وجوههم، وآخرين كانت الإذاعة تذكِّرهم بآبائهم أو أجدادهم، وهم يلصقون آذانهم على سماعات الراديو استعداداً لتلقي نشرة أخبار الإذاعة العريقة.

وقالت الهيئة، عبر بيان أصدرته، إن قرار وقف البث الإذاعي جاء بسبب التضخم وارتفاع التكاليف التي أدت إلى خيارات صعبة، وأضافت أن خطط الخدمة العالمية تدعم إنشاء “منظومة حديثة وقيادة رقمية”. وهو قرار سيذهب ضحيته أولاً نحو 382 موظفاً في خدمتها العالمية.

اقرأ أيضاً: الراديو.. رحلة قرن وأكثر

سبب التدشين

بحلول منتصف ثلاثينيات القرن الماضي، أصبحت الحاجة إلى إنشاء محطات إذاعية بريطانية ملحَّة؛ رداً على استغلال دول المحور (ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية) تكنولوجيا الراديو لإضعاف صورة بريطانيا وفرنسا في المنطقة العربية، عبر إطلاق إذاعة “باري” الناطقة بالعربية والتابعة لإيطاليا، عام 1935م، والتي كانت تبث محتوًى معادياً لبريطانيا وسياستها في فلسطين تحت الانتداب تحديداً، وداعماً للقومية العربية؛ في محاولة لاستمالة الرأي العام العربي.

علماً بأن الحكومة البريطانية كانت تدير محطة الإذاعة الفلسطينية منذ عام 1936م من العاصمة الفلسطينية القدس، والتي كانت تبث بثلاث لغات؛ العربية والإنجليزية والعبرية، في محاولة لتطبيع التوافد اليهودي إلى فلسطين، إلا أن وزارة الخارجية البريطانية ضغطت من أجل تقديم خدمة إذاعية باللغة العربية ولغات أخرى تابعة لهيئة البث البريطانية (بي بي سي)، كما فضلت أن تكون الخدمة دعائية وخاضعة لسيطرة الحكومة، إلا أن هيئة البث البريطانية أصرَّت على أن تكون الخدمة الإذاعية باللغة العربية قائمة على نفس معايير المؤسسة؛ بما في ذلك الاستقلالية والدقة.

أول مذيع في الـ”بي بي سي عربي”  المصري “أحمد كمال سرور”- BBC

أول نشرة إخبارية

بعد سلسلة من الجدالات بين وزارة الخارجية البريطانية وهيئة الإذاعة البريطانية، حول معايير العمل، حُسمت المعركة لصالح الأخيرة، وأعلن جون ريث، أول مدير عام للـ”بي بي سي”، انطلاق البث بتاريخ 4 يناير 1938م، مؤكداً أن الإذاعة ستكون دائماً “موثوقة ودقيقة ومثيرة للاهتمام”.

بينما بثت أول نشرة إخبارية في الإذاعة بصوت المذيع المصري صاحب الصوت الذهبي “أحمد كمال سرور” (1910م- 1972م)، الذي حصد شعبية واسعة بين المستمعين العرب، وكان أول خبر تبثه الإذاعة، إحدى جرائم الاستعمار البريطاني؛ إعدام عربي فلسطيني شنقاً في عكا بأمر من محكمة عسكرية، بعد اعتقاله خلال أعمال شغب في جبال الخليل، وبحوزته بندقية وبعض الذخيرة.

اقرأ أيضاً:  التلفاز.. الجهاز الذي تنافس على ابتكاره عديد من العلماء

وإضافة إلى سرور ضمت الإذاعة مذيعين ومذيعات عرب ذوي كفاءة وثقافة عالية وأصوات مخملية، يشهد لهم أنهم حافظوا على سلامة اللغة العربية؛ كالفلسطيني حسن الكرمي، الذي أعد وقدم برنامجه المعروف “قول على قول” لمدة ثلاثين عاماً متتالية، وعيسى الصباغ، أحد أوائل المذيعين في “بي بي سي” العربية، و مذيع الأخبار ماجد سرحان، والمذيعة الأردنية مديحة المدفعي؛ وهي أول صوت نسائي ينطلق من القسم العربي لقراءة نشرات الأخبار.

المذيعة الأردنية مديحة المدفعي- BBC

إضافة إلى الفنان المصري محمود مرسي، الذي عمل في هيئة اﻹذاعة البريطانية حتى وقع العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956، فاستقال من عمله وعاد إلى بلده، بسبب عدم مهنية الإذاعة في ذلك الحدث، وانحيازها إلى دول العدوان.

اقرأ أيضاً: بريطانيا العالمية في عصر تنافسي

أما ساعات البث فقد زادت ببطء، فاقتصرت على 65 دقيقة يومياً، وفيها نشرة إخبارية واحدة في البداية، ثم زادت مدة البث لتصبح ساعة و25 دقيقة تضم نشرتَين إخباريتَين في عام 1940م، وفي عام 1942م وصلت مدة البث إلى ساعتَين، وامتدت مع نهاية الحرب العالمية الثانية إلى 3 ساعات، في حين اتسم الطابع العام لأسلوب الإذاعة بالكلاسيكية والرصانة، ولغة عربية رزينة، كما عهدنا الـ”بي بي سي” حتى يومنا هذا.

مقدم برنامج “قول على قول”.. الفلسطيني حسن الكرمي- BBC

الإذاعة ما بعد الاستعمار

منذ أواخر الأربعينيات من القرن الماضي، ومع تضاؤل النفوذ البريطاني وتدهور مواردها الاقتصادية، تمسَّكت بريطانيا بالبث باللغة العربية في ظل بزوغ مظاهر الحرب الباردة، وخوفها من تضرر مصالحها بشكل أكبر في المنطقة بحال انتصار الاتحاد السوفييتي، وفي الخمسينيات زادت ساعات البث العربية، في الوقت الذي تقلَّصت فيه ساعات البث بلغات أخرى.

وشهدت الإذاعة مرحلة حيوية خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، كعامل جذب للمستمع العربي؛ فقد استضافت رؤساء دول وكتَّاباً مشهورين، مثل الأديب المصري نجيب محفوظ، ومغنين وفنانين من جميع أنحاء العالم العربي، وزارت فيروز هيئة الإذاعة البريطانية عام 1961م برفقة الأخوَين رحباني؛ عاصي ومنصور. وتلتها زميلتها صباح والموسيقار المصري محمد عبدالوهاب في عام 1962م، وكوكب الشرق أم كلثوم.. وغيرهم.

مقابلة لنجيب محفوظ في إذاعة “بي بي سي” بالعربية

ومع هجمات 11 سبتمبر 2001م، ركزت الهيئة جهودها على العالم العربي وجنوب غرب آسيا، وبالتالي بقي الاهتمام بالبث العربي من قِبل الهيئة قائماً، ضمن ما يُعرف بـ”الحرب على الإرهاب”، إلا أنه مع تقوقع بريطانيا، وقلّة اهتمامها بالمنطقة العربية، وتركيزها على الاقتصاد الداخلي، كل ذلك أدى إلى تقليص بعض من قواها الناعمة، المتمثلة بالإذاعة، لتتجه على ما يبدو حسب البيان، إلى وسائل حديثة أكثر شعبية وأقل تكلفة، لمواءمة عصر مواقع التواصل الاجتماعي.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة