الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

بعد هزائم ساحقة.. “داعش الموزمبيقي يتقهقر أمام الجيش الرواندي”

الحلول الأمنية لا تكفي وحدها ما لم تُعضَّد بحلول سياسية للقضاء على فلول التنظيم المتطرف

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

بعد أيامٍ قليلة من استعادة القوات الموزمبيقية- الرواندية المشتركة مدينة موسيمبوا دا برايا الساحلية، معقل مسلحي تنظيم الشباب المتطرف المرتبط بـ”داعش”، برزت عدة أسئلة موضوعية حول مستقبل التنظيم في الساحل الشرقي لإفريقيا، وهل ستتسبب سلسلة الهزائم المتواصلة التي مُني بها إثر تدخل الجيش الرواندي، في هزيمة ساحقة ماحقة له؟ أم أن ذلك لا يعدو إخراجه من المدن والبلدات الكبرى التي كان يسيطر عليها ليعاود الكرّة مرة أخرى بعد إعادة تنظيمه صفوفه، أو انتظاره ريثما تنتهي مهمة القوات الرواندية الأكثر تنظيماً وتسليحاً وتدريباً مقارنةً بنظيرتها الموزمبيقية ضعيفة العدة والعتاد؟ وهل يُمثِّل التنظيم مهدداً لمستقبل الشركات العالمية الكبرى الموجودة هناك؟

بطبيعة الحال، فإن الوقائع التي تجري على الأرض ستوفِّر الإجابات النموذجية لكل هذه الأسئلة؛ إذ لم يكن أحد يتوقع أن تمثِّل هذه الحركةُ الصغيرة، التي خرجت من رحم جماعة “أنصار السُّنة” التي كنت تهتم ببناء المساجد وتدريس العلوم الدينية وتتبنى تفسيراً صارماً ومتشدداً لتعاليم القرآن لتعلن عن نفسها تحت اسم تنظيم الشباب عام 2007، تهديداً خطيراً ليس على الأمن والسِلم الدوليَّين، بل حتى للأمن الموزمبيقي الداخلي.

اقرأ أيضاً: مسيرة أردوغان إلى إفريقيا.. علاقة غامضة مع موريتانيا

سلسلة من الانتصارات

حسن طويل

يحاول الصحفي والمحلل السياسي المهتم بشؤون شرق إفريقيا، حسن طويل، تفسير ظاهرة تمدد “داعش” في موزمبيق وقراءة مستقبلها في المستعمرة البرتغالية السابقة التي تقع على ساحل المحيط الهندي بجنوب شرق إفريقيا؛ إذ يقول لـ”كيوبوست”: في الواقع لقد حقق التنظيم منذ تبنيه أسلوب الهجمات الإرهابية ثم العمل المسلح المنظم؛ سلسلة من الانتصارات على الجيش الحكومي الموزمبيقي، وصفها كثيرون بالمفاجئة والمدهشة؛ لكنها لم تكن كذلك بالنسبة إلى المهتمين والمراقبين؛ فالمستعمر البرتغالي لم يترك جيشاً بالمعنى الحرفي للكلمة، بل بعض قوات أشبه بوحدات شرطية صغيرة مزودة بأسلحة خارج سياق العصر؛ ولم تتمكن الحكومة الوطنية في مابوتو منذ استقلال موزمبيق حتى الآن، من تطوير جيش بمواصفاتٍ معقولة، لذلك فإن الهزائم المتلاحقة التي لحقت به من قِبل “داعش” كانت متوقعة، ولولا تدخل الجيش الرواندي، بتنسيق مع فرنسا، التي تهيمن على الجزء الأكبر من عمليات التنقيب في حقول الغاز الضخمة عبر شركة “توتال للطاقة”، بجانب ست شركات أوروبية وأمريكية أخرى؛ أهمها الأمريكية “أكسون موبيل”، لربما كان المسلحون يجوبون شوارع العاصمة الآن.

اقرأ أيضاً: هل ينجح “أسد خان” في وضع البشير داخل “قفص” الجنائية الدولية؟

انتصار ساحق ومرحلة تالية

يضيف طويل: تمكَّن التنظيم الذي يوالي “داعش” اسمياً، بينما يتمثَّل حركةَ شباب المجاهدين الصومالية حرفياً، من السيطرة على مدن بأكملها؛ خصوصاً مدينة بالما في إقليم كابو ديلغادو، أقصى شمال البلاد؛ حيث أصبح التنظيم المرتبط بـ”داعش” باسطاً ذراعَيه بوصيد مشروعات الغاز التي تبلغ قيمتها نحو 60 مليار دولار، منذ عام 2017، كما فرض هيمنته الكاملة على منطقة موسيمبوا دا برايا الساحلية ذات الأهمية الاستراتيجية، وبثَّ الرعب بين السكان المحليين، فشرَّد منهم نحو نصف مليون، وقتل الكثيرين، وألحق الدمار والتخريب بالعديد من المدن والبلدات والقرى.

ميناء موسيمبوا دا برايا.. 250 ميلاً شمال العاصمة مابوتو- وكالات

يواصل طويل حديثه إلى “كيوبوست”، قائلاً: الآن ومع وصول القوات الرواندية، بدأ العد التنازلي للتنظيم الإرهابي؛ لكن الحديث عن هزيمة نهائية ونصر حاسم لا يزال مبكراً، وهذا ما أشار إليه الكولونيل رونالد رويفانجا، قائد القوات الرواندية، عقب استعادة مدينة موكيمبوا دا برايا الاستراتيجية، من قبضة المتمردين، 8 أغسطس الجاري، بعد عامين من سيطرتهم عليها، فرغم قوله إنها آخر معاقل المتمردين؛ فإنه أعلن فقط عن انتهاء المرحلة الأولى من عمليات مكافحة التمرد، ما يعني أن القضاء عليه يتطلب مرحلة أخرى، ربما تُركِّز على ملاحقتهم ومطاردتهم بعيداً عن الساحل وشبه جزيرة أفونغي؛ المركز الرئيس لمنشآت الغاز التي تستثمر فيها كُبرى الشركات الأوروبية والأمريكية؛ إذ من المتوقع أن يُغيِّر التنظيم استراتيجيته إلى حرب الغوريلا عبر شن مزيد من الهجمات ضد المدنيين والمنشآت الاقتصادية، خصوصاً في القرى الريفية البعيدة، وهذا يتطلب جهداً عسكرياً واستخبارياً مضاعفاً، ودعماً من السكان المحليين لجهود الحكومة؛ ما يتطلب كسب جانبهم عبر تنمية مناطقهم وتوفير الخدمات الأساسية لهم، والكف عن تصنيفهم موالين للتنظيم، وملاحقتهم أمنياً.

اقرأ أيضاً: بعد إجراءات قيس سعيد.. أبواب إفريقيا مُغلقة أمام “فلول النهضة”

الحلول العسكرية لا تكفي

من جهته، قال المحلل والباحث السياسي المُهتم بالشؤون الإفريقية، عمر حسنين، لـ”كيوبوست”: إن الحلول الأمنية لا تكفي وحدها ما لم تُعضَّد بحلول سياسية وتنموية؛ فالمناطق التي يعيش فيها مسلمو موزمبيق، ويبلغ تعدادهم 4 ملايين شخص، أي ما يعادل 18% من إجمالي سكان البلاد البالغ 30 مليون نسمة، لا تزال تعاني فقراً مدقعاً وتهميشاً سياسياً وثقافياً كبيراً؛ ما يجعلهم مناصرين محتملين للحركات الإسلامية المتطرفة التي تسوِّق نفسها مُعبرةً عن مطالبهم وممثلةً لهم. وهذا بالضبط ما سهَّل لتنظيم الشباب السيطرة السريعة على الكثير من المدن والبلدات، وإلحاق هزائم ثقيلة بالجيش الموزمبيقي المتضعضع.

موزمبيقيون فارون من هجمات تنظيم الشباب على مدينة بِمبا الساحلية- وكالات

الواقع أن جُل مسلمي موزمبيق ينتمون إلى أهل السُّنة والجماعة، وبعضهم شيعة إسماعيلية وصوفية، لم يعرف التشدد طريقه إليهم، إلا بعد تمدد جماعة أنصار السُّنة غير المتشددة في أصلها، يضيف حسنين: لكنها بدأت في تفريخ بعض التيارات المتطرفة؛ خصوصاً بعد صعود تنظيمات القاعدة وداعش والشباب الصومالية وبوكو حرام، التي بدأت أنشطتها في دعوة المسلمين إلى عصيان القوانين السائدة، باعتبارها وضعية بشريِّة لا تُعبِّر عن القيم الروحية والإيمانية والشرعية للمسلمين، وبدأت في تطبيق ما سمتها بأحكام الشريعة، وسط سكان الريف، بينما قللتِ الحكومة في العاصمة مابوتو من ذلك، ولم تعره اهتماماً؛ حتى بعد أن بدأت الحركة تسيطر فعلياً على الكثير من البلدات، وتهاجم المدن، بدءاً من 2017.

اقرأ أيضاً: أحداث تونس في ميزان الاتحاد الإفريقي.. ترجيح ضمني لكفة الرئيس

أقنعة دينية لمطالب تنموية

عمر حسنين

بالنسبة إلى حسنين، فإن الشركات الغربية الناشطة في مجال التنقيب عن الغاز والياقوت، اللذين تزخر بهما موزمبيق، فإنها لم تتعرض إلى هجماتٍ من قِبل التنظيم، إلا في حالات نادرة؛ ما جعل بعض المراقبين يصنفونه بأنه لا يتبنى أجندة مناهضة للوجود الغربي مثلما يفعل “داعش” و”الشباب الصومالي” و”بوكو حرام”، فضلاً عن أن مسلمي موزمبيق لم يكن لديهم تاريخ من التطرف الديني.

ويبدو جلياً أن الأمر مُرتبط أكثر باكتشافات حقول ضخمة للغاز في مناطق المسلمين شمال شرق موزمبيق، ورغبتهم في الحصول على حقوقهم من عائداتها، وضمان عدم إقصائهم من مناطقهم، والعمل على تحقيق ذلك عبر تلبيس هذه المطالب أقنعة دينية بغرض الحصول على قاعدةٍ جماهيرية، ودعمٍ شعبي من المسلمين، من خلال مخاطبة وابتزاز عواطفهم الدينية.

اقرأ أيضاً: مسجد الأمة في غانا.. تمويه “أردوغاني” جديد للتغلغل في إفريقيا

السُّنة السواحيلية

مِفرزة من مقاتلي تنظيم الشباب يضعون راية “داعش” خلفهم- وكالات

والسخرية من التنظيم، واعتباره محض مجموعة نخبوية صغيرة متطرفة، مما سمَّتهم بالسُّنة السواحيلية من المتحدثين بلغة الكيمواني (لغة محلية ذات علاقة بالسواحيلية)، ووصفتهم بالأقلية متناهية الصغر في منطقة كابو ديلغادو الغنية بالغاز والياقوت، في شمال شرق البلاد، والتي ينتمي إليها الرئيس الحالي فليب نيوسي.

اقرأ أيضاً: إفريقيا الوسطى.. من الهيمنة الفرنسية إلى السيطرة الروسية!

ثم تناسلت الأخطاء بعد سيطرة التنظيم على الكثير من المدن والبلدات، باستدعاء الحكومة مجموعة فاغنر الروسية، من أجل حماية منشآت الغاز وتدريب قوات حكومية خاصة وقتال المتطرفين؛ لكن “فاغنر” تقهقرت أمام التنظيم بعد أن خسرت قرابة 10 من عناصرها على الأقل في أول مواجهة بينهما، 2019، نفس العام الذي شنَّ فيه المتمردون هجماتٍ متتالية على قاعدة “فاغنر” أودت بـ5 عناصر أخرى؛ الأمر الذي دفع الحكومة إلى طلب المساعدة من جنوب إفريقيا ورواندا. وبينما تقاعست الأولى لبَّتِ الثانية النداءَ، بتنسيقٍ مع الحكومتَين الفرنسية والبرتغالية، حسب التسريبات المتواترة.

صعود رواندي

عناصر فاغنر الروسية في موزمبيق- وكالات

يواصل حسنين: في أكتوبر من نفس العام، قضى التنظيم على نحو 32 عنصراً يتبعون شركات أمنية خاصة خلال كمينَين تم نصبهما في منطقتَي ماكوميا ومويدومبي. فضلاً عن قطع رؤوس 4 من موظفي الشركات العاملة في التنقيب عن الغاز؛ ما فاقم الخلافات بين الحكومة الموزمبيقية، وشركة فاغنر الروسية التي اضطرت إلى سحب 200 من عناصرها في 20 نوفمبر، 2019، قبل أن تعلن انسحابها بالكامل، مارس 2020، نفس الشهر الذي استولى فيه المتمردون على ميناء موسيمبوا دا برايا، الذي تمت استعادته 8 أغسطس الجاري، بواسطة الجيش الرواندي.

يشير حسنين إلى أن قرابة ألف عنصر من الجيش الرواندي بدأوا منذ يوليو الماضي الانتشار في شمال شرق موزمبيق، بطلبٍ من حكومتها؛ من أجل المساعدة في قمع الإرهابيين، وكانت الجيش الرواندي نجح بشكلٍ لافت في استتباب الأمن بجمهورية إفريقيا الوسطى؛ وها هو يحقق ذات الأمر في موزمبيق، ما يُعزِّز مكانة رواندا كقوة عسكرية واقتصادية صاعدة في القارة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة