الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون دولية

بعد نحو نصف قرن.. مجازر “الخمير الحمر” ذكرى أليمة لا تمحوها الأيام

كيوبوست- مدى شلبك

في سبعينيات القرن الماضي، إبان نشوب الحرب الباردة، التي حولت العالم إلى ساحة حرب بالوكالة لصالح المعسكرَين المتصارعَين على حكم العالم؛ الرأسمالي والاشتراكي، اندلعت واحدة من أبشع المجازر بحق البشرية في كمبوديا، على يد الخمير الحمر، واستمرت المجازر لأربع سنوات (1975م- 1979م)، متسلحةً بشعارات مثالية براقة!

ظهور الخمير الحمر

ظهر حزب الخمير الحمر (الخمير لفظ يشير إلى المزارعين الكمبوديين)، خلال الستينيات، وتمركز وجود عناصره في مناطق الأدغال والجبال النائية في شمال شرق البلاد، إلا أنه سيطر على كمبوديا في منتصف السبعينيات.

فلما وقع انقلاب يميني عام 1970م أطاح بالحكم الملكي لصالح تأسيس الجمهورية الكمبودية، تحالف حزب الخمير الحمر مع الأمير المخلوع نورودوم سيهانوك؛ ما أكسبهم تأييداً شعبياً، لأن الأمير كان يتمتع بشعبية بين الكمبوديين سكان المدن.

زعيم الخمير الحمر بول بوت- Bettmann/Corbis

ونتيجة للانقلاب، اندلعت حرب أهلية استمرت خمس سنوات، تمكن خلالها حزب الخمير الحمر من السيطرة تدريجياً على الريف، وأخيراً على العاصمة الكمبودية “بنام بنه” عام 1975م، وطرد الانقلابيين الموالين لأمريكا، وبمجرد انتهاء الحرب تخلَّى الحزب عن الأمير سيهانوك، وتولى زعامة البلاد رئيس الحزب الشيوعي الديكتاتوري بول بوت، الملقب بـ”الأخ رقم واحد”.

الإبادة الكمبودية

أراد بول بوت تطبيق نمط حياة في كمبوديا، التي أطلق عليها اسم “كمبوتشيا الديمقراطية”، عايشه أثناء مكوثه في المنطقة الشمالية الشرقية النائية من كمبوديا؛ حيث تعيش قبائل كمبودية تُمارس نمطَ حياة جماعياً قائماً على الزراعة والاكتفاء الذاتي، متحررةً من أية حاجة إلى العوامل الخارجية كالمال والدين.

وعند تمكُّنه من السلطة سعى “الخمير الحمر” لإنشاء مدينة زراعية فاضلة، متأثراً بمبادئ الشيوعية الماوية؛ لذلك أعلن يوم سقوط العاصمة بتاريخ 17 أبريل 1975م “عام الصفر”، أي عام البداية، واعتمد هندسة اجتماعية جديدة للشعب الكمبودي، قائمةً على تقديس الزراعة، وتطبيق نوع راديكالي متشدد من الشيوعية الزراعية، فتم إخلاء المدن، وأُرسل سكَّانها إلى الأرياف ليباشروا العمل في الزراعة ضمن ظروف عمل قاسية؛ فمنهم مَن مات من المرض والإرهاق، كما عزل كمبوديا عن العالم، علماً بأن الخمير الحمر كانوا يمثلون كمبوديا في الجمعية العامة للأمم المتحدة، حتى بعد الإطاحة بهم عام 1979م!

أخلى الخمير الحمر المدن وأُرسل سكَّانها إلى الأرياف ليباشروا العمل في الزراعة ضمن ظروف عمل قاسية- Documentation Center of Cambodia

بينما شرع الحزب في تعذيب وقتل كل مَن اشتبه في معاداته حكمَ الخمير الحمر، والمتعلمين كالأطباء والمعلمين وغيرهما، وكل مَن اشتبه في أنه مثقف لمجرد ارتدائه نظارة أو تمكنه من لغة أجنبية؛ في محاولة للقضاء على الطبقية، والتعافي من التلوث من الأفكار الخارجية.

وراح ضحية المجازر التي ارتكبها الخمير الحمر نحو 1.7 مليون إلى 2 مليون شخص، وتعرضت جميع الأديان في كمبوديا إلى الحظر تحت طائلة الموت. وتم تدمير المعابد البوذية والكنائس والمساجد…

تعرَّض الضحايا إلى التعذيب حتى الموت في المدارس التي تحوَّلت إلى سجون

وفي الغالب لم يكن الموت سريعاً غالباً؛ فقد تعرَّض الضحايا إلى التعذيب حتى الموت، في المدارس التي تحوَّلت إلى سجون؛ أشهرها مركز “تول سيلينغ” سيئ السمعة، الذي بقي على حاله كشاهد على بشاعة تلك الجرائم، واستُخدم المركز كمقر لاستجواب الأَسرى بطرق وحشية، والتقط عناصر الخمير الحمر صوراً لضحاياهم، بينما دُفن القتلى في مقابر جماعية أُطلق عليها “حقول القتل”.

صور لضحايا المجازر داخل سجن تول سيلينغ الذي تحول إلى متحف- Shutterstock

وكان نظام الخمير الحمر مدعوماً من قِبل الصين، التي ساءت علاقاتها مع الاتحاد السوفييتي في ذلك الوقت؛ نتيجة الصدام الأيديولوجي، والتقارب الصيني- الأمريكي لاحقاً خلال السبعينيات.

اقرأ أيضاً: مستقبل العلاقات بين الولايات المتحدة والصين: تعاونية أم تصادمية؟

من جهتها، ندَّدت الولايات المتحدة، التي كانت متورطة آنذاك في حرب فيتنام المجاورة لكمبوديا، بممارسات الخمير الحمر، إلا أنها شجَّعت الصين على دعم بول بوت، وفقاً لاعتراف مستشار الأمن القومي للرئيس جيمي كارتر؛ زبيغنيو بريجنسكي: “لقد شجعت الصينيين على دعم بول بوت.. كان بول بوت رجساً، لا يمكننا دعمه أبداً، ولكن الصين تستطيع ذلك”، كما أضاف أن الولايات المتحدة غمزت بشكل شبه علني الصين وتايلاند لتقديم الدعم للخمير الحمر.

نهاية الخمير الحمر

كانت منطقة شرق آسيا مشتعلة؛ فخلال الإبادة الكمبودية كانت فيتنام تخرج من حرب أهلية دامية، وعندما توحدت فيتنام التي كانت منقسمة إلى شمالية موالية للاتحاد السوفييتي وجنوبية موالية للولايات المتحدة، شن بول بوت حرباً استباقية ضد فيتنام، التي ردت عليه بغزو كمبوديا عام 1979م؛ ما أدى إلى الإطاحة ببول بوت والخمير الحمر من السلطة، بعد معارك عنيفة.

وهرب بول بوت وعناصر من الخمير الحمر إلى الأدغال شمال البلاد، إلا أنهم ظلوا نشطين، وسيطرت القوات الفيتنامية على كمبوديا لأواخر الثمانينيات، بينما عاد الأمير نورودوم ليحكم كمبوديا في عام 1993م في ظل ملكية دستورية.

اقرأ أيضاً: “ضد الموت”.. مسيرة ذكَّرت واشنطن بضحايا حرب فيتنام

وفي عام 1997م، حوكم بول بوت ضمن محاكمة اعتبرت شكلية؛ من قِبل خصومه في حزب الخمير الحمر، الذين فرضوا عليه الإقامة الجبرية في مكان سكنه في الأدغال، وتوفي في العام التالي، ولاحقاً اندثر الخمير الحمر.

بينما شكلت الأمم المتحدة محاكمة في عام 2009م، اعتبرها البعض متأخرة، لتقديم القادة الباقين على قيد الحياة من الخمير الحمر إلى العدالة. وفي عام 2012م حُكم على كاينغ جوك إيف -المعروف باسم دوتش- بالسجن مدى الحياة؛ لإدارته سجن تول سيلينغ، وفي 2018م أُدين خيو سامفان ونون تشيا، اثنان من كبار مسؤولي الخمير الحمر، بالإبادة الجماعية، علماً بأنهما حوكما عام 2014م بالسجن مدى الحياة؛ لارتكابهما جرائم ضد الإنسانية.

اقرأ أيضاً: هل تستطيع الولايات المتحدة أن تستعيد مصداقيتها في آسيا؟

جرى تجسيد الإبادة الكمبودية في عدة أفلام؛ بما في ذلك فيلم “The Killing Fields” عام 1984م، الذي استند إلى كتاب “وفاة وحياة ديث بران”، للصحفي سيدني شانبرج، وعرض الفظائع المرتكبة على يد الخمير الحمر، إضافة إلى فيلم “First They Killed My Father”، واستند إلى كتاب يحمل نفس الاسم للكاتبة الكمبودية لونج أونج، وفيه سردت قصة نجاتها خلال الإبادة الكمبودية، وخسارتها والدَيها وشقيقتَيها.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة