الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

بعد مرور أكثر من عقد.. ماذا تبقى من ثورة الشباب في اليمن؟

كيوبوست

كان2011  عاماً استثنائياً في اليمن؛ لأول مرة منذ عقود تُختبر سلطة الرئيس السابق علي صالح، المعروف بالدهاء والقبضة العسكرية؛ لكن الأمر لا يتعلق بشخص فقط، وإن كانت هذه الحال للأسف عادةً؛ بل بشعب كامل رُبط مصيره بنتائج تلك الأحداث، ولا يزال إلى اليوم، بعد مرور أحد عشر عاماً، مصيراً مشؤوماً قاتماً ومحبطاً.

عند النظر بتمعُّن إلى أحداث ما عُرف بـ”ثورة الشباب” والسنوات التالية لها، يحاول البعض البحث عن المذنبين، بينما يحاول آخرون توقع المستقبل؛ البعض الآخر يركز على الوضع الإنساني الكارثي. وفي الحقيقة، يجب النظر إلى كل تلك الأمور بشكل متساوٍ وواقعي إذا ما أردنا الوصول إلى حل حقيقي للأزمة في اليمن.

اقرأ أيضاً:  120 عاماً من الصراع في اليمن.. ماذا تعلمنا من صراع أكثر من قرن في اليمن؟

في البداية، علينا ملاحظة أن جماهير ثورة الشباب في اليمن، وعلى عكس ثورات الربيع العربي في مصر وتونس، كانت موجَّهة من قِبل جماعات المعارضة بشكل لافت؛ هناك الكثير من المعارضين لنظام صالح، وبعض القضايا شديدة التعقيد؛ مثل الأحزاب السياسية، وفي مقدمتها حزب الإصلاح، ذراع الإخوان المسلمين في اليمن، وقضية صعدة وجماعة الحوثي، القضية الجنوبية، وأخيراً وليس آخراً قضايا الإرهاب. عندما تفاعلت كل هذه المكونات بعضها مع بعض، لم يكن توقع النتائج سوى ضرب من المستحيل؛ وبالتالي انقلبت الثورة إلى حلبة مصارعة ساخنة.

الجيش اليمني في مأرب.. -2021 AFP

خضع نظام الجمهورية لعدة تحديات مبكراً؛ في بداية التسعينيات أدى السخط المتزايد من الوحدة الفاشلة إلى حرب انفصال الجنوب، واستمرار دعوات الانفصال بعد ذلك. كما أدى السخط المتزايد من تهميش الهاشميين، حسب الادعاءات، إلى ظهور ونمو الحركة الحوثية.. بين الفريقَين، كان الشعب يطالب بالإصلاح الاقتصادي والقضاء على الفساد والديمقراطية، المطالب والشعارات ذاتها هي ما ظهر بقوة عندما انطلقت الثورة أواخر يناير2011 ، وأصبحت أكثر وضوحاً بعد خروج المظاهرات الطلابية في 11 فبراير.

شهدت البلاد سلسلة من الأحداث المزلزلة في عام 2011، بدايةً بجمعة الكرامة التي قُتل فيها ما لا يقل عن خمسين شخصاً من المدنيين، ثم انشقاق قائد الفرقة العسكرية الأولى، علي محسن الأحمر، وآخرين، عن النظام، ومروراً بالمبادرة الخليجية، ثم محاولة اغتيال صالح، ووصولاً إلى نقل السلطة إلى نائب الرئيس عبد ربه منصور هادي. لم تكن تلك الأحداث من صنع الشعب وحده؛ إذ لا يُخفى أبداً دور المعارضين والمنشقين والموالين، والذين قد تخدم أهدافهم، أو لا تخدم، تطلعات الشعب، على الأقل عندما يُنظر إليها حينها. أما اليوم فمن الواضح أنها لا تخدم تطلعات الشعب على الإطلاق.

اقرأ أيضاً:  اليمن.. الحوثيون والإخوان بعد ثماني سنوات على معركة دار الرئاسة

الحركة الحوثية

إن تمكن الحركة الحوثية من السيطرة على أغلب مناطق شمال اليمن هو المنعطف الأخطر في تاريخ الصراع. تمتلك الجماعة طموح السيطرة منذ التسعينيات؛ بحجة تعرضهم إلى التهميش من قِبل الحكومة، وبناءً على ذلك كونوا لأنفسهم حزباً سياسياً وبدؤوا حركة ثقافية لتعليم الأيديولوجية الزيدية الحوثية في معقلهم التاريخي صعدة، كما بدؤوا بتسليح أنفسهم.

خوفاً من إثبات حجة “التهميش” على ما يبدو، تم غض الطرف، أو ربما التسامح، مع أنشطة الجماعة في التسعينيات؛ لكن تحوَّل ذلك إلى نزاع مسلح من 2004 إلى 2010، ثم شاركت الجماعة في الثورة، ومؤتمر الحوار الوطني، وكان الغرض من إشراكها هو دمجهم في الدولة وضمان مشاركتهم السياسية على اعتبار أنهم مكون أساسي من المجتمع اليمني. استغلت الجماعة كل ذلك وخطفت الثورة بالقوة من خلال تمرد مسلح أدى إلى طرد الرئيس اليمني والسيطرة على شمال البلاد والزحف جنوباً.

الرئيس اليمني خلال مؤتمر الحوار الوطني- AFP

جماعة الحوثي حركة متطرفة؛ لا يمكن إشراكها في حكم البلاد، لكن مقابل هذا المنطق هناك حجة يقولها آخرون؛ خصوصاً الخبراء الأجانب وصناع القرار الخارجيين، هي أن الجماعة جزء من نسيج المجتمع، وأن إشراك الهاشميين في الدولة هو ما أدى إلى نجاح ثورة سبتمبر في الستينيات وانتهاء الصراع حينها. يجادل هذا الرأي بأن وضع المعتدلين من الحوثيين مع المعتدلين من المكونات الأخرى على طاولة الحوار هو الحل الوحيد للأزمة؛ نظراً إلى تجربة ثورة سبتمبر.

لكن هذا الرأي يغفل بعض الحقائق المهمة جداً؛ أولاها أن الحوثي جماعة مسلحة، ثانياً أنها حركة دينية تدَّعي أنها أحق بالحكم من أي طرف آخر، ثالثاً أن فكرة تقاسم السلطة، التي حدثت في الستينيات، قد فشلت، والدليل على ذلك ادعاء الحوثيين أن الهاشميين تم تهميشهم، ومع هذا الادعاء، لن ترضى الجماعة مطلقاً بإعادة دمجها في الدولة فقط ليتم تهميشها مرة أخرى! وعليه فإن الحل، من وجهة النظر الحوثية، هو الانفراد بالحكم وليس تقاسمه.

اقرأ أيضاً: مستقبل السلام بين الحوثيين والإخوان في اليمن

الحكومة الشرعية

بدت الحكومة ضعيفة وغير قادرة على السيطرة منذ بداية الثورة، كان انشقاق علي محسن الأحمر، علامة فارقة، تلاه تحالف علي صالح مع الحوثيين، وتمدد الحوثيين في البلاد. تواجه الحكومة المزيد من الصعاب الناتجة عن خيانات الجيش وتعدد الولاءات ونفوذ الإخوان المسلمين والعلاقات المعقدة مع الجماعات الإرهابية والبرغماتية مع جماعة الحوثي نفسه.

هل تستطيع الحكومة الشرعية الصمود أمام كل هذه التحديات؟ بالنظر إلى تاريخ الصراع، وسعي الدولة دون جدوى إلى القضاء على المتمردين الحوثيين خلال الفترة من 2004 إلى 2010، فإن قدرة الدولة وجيشها الوطني أضعف بكثير من تحقيق أي تقدم؛ إذ إنها لم تتغلب على المتمردين في ذروة قوتها (بين2004  و2010) وفي ذروة ضعف الحوثي وصغر رقعته الجغرافية مقارنةً بما هو عليه الآن.

دبابة تحمل علم الجنوب- “جيتي إيمجس”

القضية الجنوبية قضية جوهرية أخرى في الصراع، أثبت الجنوبيون والقوات الجنوبية المشَكَّلة من قِبل التحالف العربي أهمية الإرادة الشعبية للقضاء على التمرد؛ وذلك من خلال إنشاء وتمكين قوات خفيفة سهلة الحركة تتكون من أفراد المجتمع، ولديها صلات قوية مع عموم الشعب، يفيد هذا كثيراً في الحصول على المعلومات الاستخبارية المهمة وسرعة وسهولة التنقل والحركة مقارنةً بالجيش التقليدي الذي يفتقد كل تلك الصفات. من جانب آخر، لدى الجنوبيين إرادة أقوى وأوضح، وليس لهم صِلات بالهاشميين ولا الحوثيين ولا الزيود ولا الإخوان المسلمين؛ هذه الحقائق لا تقول سوى أن لدى الجنوبيين مشروعاً سياسياً بمخاطر وتهديدات أقل.

اليوم، تحل الذكرى الحادية عشرة للثورة اليمنية، في وقت يشهد فيه الصراع تغييرات واضحة؛ هذه التغييرات كفيلة بالاقتناع أن الثورة لم تعد ثورة، بل عِقد من تصفية الحسابات بين الخصوم والمعارضين والموالين، وصراع هوية لا يمكن تجاهله، وسعي حثيث من أجل تقرير المصير، وتحدٍّ يصعب تجاوزه لحكومة فقدت أحد أهم أركانها: ثقة الشعب وشرعيتها في نظره.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة