الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

بعد محاصرته سياسياً.. الغنوشي يحاول كسر عزلته إعلامياً

مراقبون لـ"كيوبوست": تصريحات الغنوشي الأخيرة أقرب للمناورة في ذروة العزلة ومحاولة للعودة للمشهد السياسي ولو من باب المزايدة

تونس- فاطمة بدري

بعد إخفاق تحركاته الخارجية والداخلية في إفشال مسار الـ25 من يوليو الذي قاده الرئيس التونسي قيس سعيّد، وتتالي أزمات حركته بعد موجة الاستقالات الجماعية التي شهدها حزبه، واتهامه بالدكتاتورية وسوء الإدارة، غاب رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي عن الأنظار لفترة.

الان ومع ظهور بعض المشاكل الاجتماعية، والتي هي أساساً من مخلفات سنوات حكم الحركة، يقرر الرجل الخروج لإجراء لقاءاتٍ صحفية في محاولة منه للعودة مجدداً للواجهة، وكسر العزلة التي انساق إليها منذ قرار تجميد البرلمان الذي أدى لإنهاء أدواره السياسية، وفقدانه كل أدوات التأثير التي استأثر بها خلال العشرية الماضية.

وظهر الغنوشي في حوارٍ مطول مع صحيفة “الصباح”، تحدث فيه عن عدة نقاط من بينها الدعوة لعودة البرلمان، مقابل استقالته من منصبه كرئيس للمجلس، ولتنظيم انتخابات مبكرة متمسكاً بوصف إجراءات سعيّد بالانقلاب. تصريحات تشي بأن الغنوشي الذي تعود لعشر سنوات أن يكون قبلة وسائل الإعلام المحلية والأجنبية، يسعى لطرح جملة من المبادرات، عسى أن يعيده ذلك للمشهد السياسي مجدداً.

مصير غامض لحركة النهضة- (صورة وكالات)

تصريحات أراد من خلالها الغنوشي المناورة كما تعود دائماً لإيهام الرأي العام بأنه على استعداد لترك مكانه على رأس البرلمان، رغم أنه وعلى مدار سنتين كان يدرك أن وجوده في هذا المنصب هو أحد الأسباب الرئيسية لحالة التوتر الدائمة في البرلمان، ورغم ذلك أصر على البقاء في مكانه، بل وانخرط وحركته في شراء أصوات بعض النواب داخل المجلس حتى لا يصوتوا ضده عندما تم تقديم عريضة لسحب الثقة منه.

وتساءل الغنوشي “لماذا يريدون من رئيس البرلمان التراجع دون المواقع السيادية الأخرى، فأبسط وعي ديمقراطي يقوم على رفض هذا النموذج الإجرائي الذي ينتمي إلى عالم الاستبداد، وقد باتت كل الوقائع تؤكد أننا إزاء تجربة سوداء فقانون 117 لا يمكن اعتباره تعبيراً عن طموحات الديمقراطيين بل هو الحد الأقصى من الديكتاتورية”.

وأضاف الغنوشي: أن تونس أمام خيارين إما أن يتراجع الرئيس عن استثناءاته أو تستمر الأزمة وتحسمها موازين القوة أي الانتخابات المبكرة.

اقرأ أيضاً: الغنوشي ينطلق في التخلص من معارضيه داخل “النهضة”

كذبة الديموقراطية

وهنا يبدو أن زعيم الإسلاميين في تونس يتمسك بخطابه الذي ظل يروجه قبل أحداث الـ25 من يوليو وبعدها وهي “كذبة الديمقراطية” التي أرادوا إيهام التونسيين بها، والحال أن الحركة هي من رسم ضوابطها وقوانينها بما يخدم مصالحها وخاصة بقاءها في الحكم.

تعديل القانون الانتخابي يخيف الغنوشي (صورة وكالات)

يشدد الغنوشي على تبرير رغبته في العودة لما قبل الـ25 من يوليو بالديمقراطية، ولكنه يرفض الإقرار بأن عشرية الديمقراطية التي يدعي الدفاع عنها شهدت خلالها البلاد أسوأ أزماتها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، ومات خلالها العشرات غدراً بسبب إرهاب من يذكرون الشيخ الغنوشي بشبابه، واغتيل فيها السياسيون المعارضون للحركة، وسيق فيها آلاف الشباب لبؤر التوتر، وزادت بطالة أصحاب الشهادات الجامعية، وانهارت المقدرة الشرائية لعموم التونسيين، وانهار التعليم، ووضعت خلالها الدولة التونسية على شفا الإفلاس، كل هذا وغيره يرفض الغنوشي الحديث عنه، والإقرار بمسؤوليته الشخصية؛ باعتباره السياسي الأكثر تأثيراً، والمحرك الرئيسي للمشهد السياسي في البلاد، والمسؤول مباشرة وحركته عما آلت إليه البلاد من أزمات.

وكانت حركة النهضة قد بذلت جهوداً كبيرة قبل الـ25 من يوليو لتعديل القانون الانتخابي، وهي جهودٌ سعَت من خلالها لاستهداف خصومها في المحطات الانتخابية، على غرار تحجيم صلاحيات الرئيس قيس سعيّد حينها والبحث عن إمكانية منع خصوم آخرين، على غرار رئيسة الحزب الدستوري الحر المعارض عبير موسي، من الترشح في الاستحقاقات المقبلة.

اقرأ أيضاً: ديكتاتورية الغنوشي تقود “النهضة” إلى التفكك.. وسعيد يرفض الحوار المسرطن

كما أن تصريحات الغنوشي للصباح في هذا التوقيت عن الانتخابات المبكرة والقانون الانتخابي، تحركها المخاوف من فتح ملف تجاوزات الحركة خلال فترة الانتخابات التي كشفتها محكمة المحاسبات والتي من المرجح أن تؤدي لحل حزبه في حال مضى سعيّد قدما في مسألة محاسبة الأحزاب على مخالفاتها، وتلقيها التمويل الأجنبي المحظور حسب القانون التونسي وعقود اللوبيينغ.

تهديد سعيد بفتح المخالفات الانتخابية يرهب النهضة ورئيسها (صورة وكالات)

عودة باهتة

لقد عاد الغنوشي للإعلام بعد أن تركه حتى أبناء حزبه، ووصفوه بالديكتاتور، وحملوه مسؤولية الفشل، وحتى من بقي معه باتوا يحملونه مسؤولية العزلة التي سيقت إليها الحركة، خاصة في ظل رفض أغلب التيارات السياسية مشاركتها في أي موقف سياسي حتى أولئك المعارضين لسعيد.

الصحافي والمحلل السياسي التونسي المختص في الشأن التونسي محمد الهادي حيدري، يرى أن تصريحات الغنوشي تعكس رغبة دفينة في العودة لمنصبه وللمشهد السياسي، في ظل حالة العزلة التي بات عليها وحركته.

اقرأ أيضاً: الغنوشي يسلك مسار أردوغان ويهدد أوروبا بسيل من المهاجرين

وقال لـ”كيوبوست”: “في تقديري أن حديث رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي عن استعداده للتنحي من رئاسة البرلمان، إذا كان ذلك سبيلاً لحل الأزمة السياسية، يبدو محاولة لإثبات وتثبيت أنه لا يزال بالفعل في منصبه، والحال أن التدابير الاستثنائية التي أعلنها الرئيس التونسي قيس سعيّد، جعلت تقريباً كل المنظومة السياسية السابقة بما فيها البرلمان ورئيسه ونوابه في حالة تجميد، إن لم تكن قد أصبحت خارج كل المسار السياسي”.

وأضاف: يبدو حديث الغنوشي نابعاً من حالة العزلة التي تطوقه من كل الجهات، فبحسابات الفعل السياسي ضمن مؤسسات الدولة هو في حالة تجميد، وبالحسابات الحزبية تعيش حركته حالة من التشظي والانقسامات على وقع الخلافات الداخلية التي أفْضَت لاستقالة العشرات من أعضاء الحركة، إلى جانب بروز فكرة أو مشروع تأسيس حزب جديد للتخلص من إرثه (الغنوشي). “والوضع الذي تعيشه حركة النهضة كان بدوره نتيجة حتمية لرفض رئيسها التنحي، وإتاحة الفرص لضخ دماء جديدة في الحركة الإسلامية”.

محمد الهادي حيدري

وأضاف ” كان يمكن أن يكون لما قاله (التنحي من رئاسة البرلمان) وزنٌ سياسيٌّ، لو أنه طرحه قبل إجراءات 25 يوليو، وقد طالبه كثيرون من النهضة ومن خارجها بالتنحي من رئاسة البرلمان، في ذروة الأزمة التي برزت بين رئيس الحكومة حينها هشام المشيشي ورئاسة الجمهورية، والتي عرفت بمعركة الصلاحيات. وكان للنهضة بقيادة الغنوشي وحلفائها دورٌ في تأزيم الوضع، وهي التي وفرت للمشيشي حزام دعم في مواجهة رئيس الجمهورية.

فحالةُ العبث السياسي التي عرفها البرلمان التونسي برئاسة الغنوشي أسست للعنف والتهريج والفوضى، وأساءت لهيبة الدولة، ولصورة الديمقراطية الناشئة، وكان ذلك كله على مرأى ومسمع من رئيس البرلمان، ويختم “لا يمكن أن ينظر لتصريحات الغنوشي بمعزل عن توقيتها وسياقاتها، وهي أقرب للمناورة في ذروة العزلة، ومحاولة للعودة للمشهد السياسي، ولو من باب المزايدة”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

فاطمة بدري

كاتبة صحفية تونسية

مقالات ذات صلة