الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

بعد فشل باشاغا في طرابلس.. ليبيا نحو انقسام آخر

رغم حالة الهدوء الميداني التي تَلَت محاولة باشاغا فإن الأزمة الراهنة مفتوحة على الكثير من السيناريوهات

كيوبوست

خلفت المحاولة الفاشلة لرئيس الوزراء الليبي المكلف من البرلمان فتحي باشاغا، دخول العاصمة طرابلس وممارسة مهامه كرئيس للحكومة منها، ارتدادات وخيمة على الساحة الليبية؛ ففضلاً عن المواجهات المسلحة التي جدَّت بين جماعات مسلحة موالية لباشاغا، وأخرى محسوبة على رئيس حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها عبدالحميد الدبيبة، وأسفرت عن سقوط قتيل على الأقل، باشر الدبيبة جملة من التحركات؛ بهدف قطع الطريق تماماً أمام منافسه في طرابلس، معقله الوحيد، في حين يحاول باشاغا الاستقرار بحكومته ومباشرة مهامه وسط مخاوف من أن يفقد دعم حلفائه في الداخل والخارج، بعد فشله في العاصمة الليبية.

ودخل باشاغا طرابلس، الثلاثاء 17 مايو الجاري، بعد شهرَين من الجمود بين الحكومتَين المتنافستَين في ليبيا؛ لكنه انسحب بعد ساعات إثر اندلاع القتال في المدينة، ولتكون بذلك المرة الثالثة منذ مارس الماضي التي يحاول فيها باشاغا دخولَ طرابلس براً دون أن يتمكن من ذلك في ظل تصدي القوات الموالية لحكومة الوحدة. وقال باشاغا، في كلمة متلفزة ليل الثلاثاء/ الأربعاء، تعليقاً على الانسحاب، إنه كان قادراً على دخول طرابلس بالقوة؛ لكنه اختار عدم اللجوء إلى هذه الوسائل كما فعلت الحكومات السابقة، حقناً لدماء الليبيين.

اقرأ أيضاً: ليبيا.. المشري يتراجع عن تأييد باشاغا خشية خسارة الإسلاميين

ورغم حالة الهدوء الميداني التي تَلَت عملية باشاغا؛ فإن الأزمة الراهنة مفتوحة على الكثير من السيناريوهات، أبرزها إمكانية عودة القتال في ليبيا، والذي سيكون مطولاً وأكثر دموية في حال اندلاعه بعد عامَين من السلام النسبي، أو يستمر الهدوء ولكن مع تكرار سيناريو خضوع البلاد لحكومتَين؛ الأولى في الشرق بقيادة باشاغا، وأخرى في الغرب، وتحديداً في طرابلس، بقيادة عبدالحميد الدبيبة.

الدبيبة متمسك بالسلطة مهما كلف ذلك- (صورة وكالات)

ويبدو أن الدبيبة، بعد المواجهة المسلحة الأخيرة التي لم تنجح في إجباره على ترك منصبه، يتجه نحو مزيد من تحصين نفسه وتنقية محيطه من الموالين لخصمه باشاغا، أو حتى التي تقف على الحياد؛ وذلك من أجل إحكام السيطرة على طرابلس. وقد كانت الشخصيات العسكرية الموالية لباشاغا في العاصمة طرابلس الهدفَ الأول للدبيبة؛ إذ أقدم على إقالة أسامة الجويلي من مهام مدير إدارة الاستخبارات العسكرية، علماً بأن الجويلي يعتبر إحدى أبرز الشخصيات العسكرية في الغرب والمتحالفة مع باشاغا، ويقود كتائب الزنتان وأيضاً المنطقة العسكرية، الجبل الغربي.

ومن المرجح أن يركز الدبيبة، في الفترة المقبلة، على إضعاف وتحجيم الفصائل الموالية لباشاغا في طرابلس؛ وأهمها كتيبة النواصي، والتي تسيطر على أجزاء حساسة في قلب العاصمة؛ بينها مقرات رسمية، مثل مطار معيتيقة الدولي، والتي يقودها مصطفى قدور، نائب رئيس جهاز المخابرات، الذي أقاله هو الآخر من منصبه.

تحديات أمنية

الكاتب والصحفي التونسي المختص في الشأن الليبي، الحبيب الأسود، اعتبر أنهم سيواجهون جملة من التحديات السياسية والأمنية خلال المرحلة المقبلة، وأن الدبيبة سيدفع البلاد لأزمة قد تكون غير مسبوقة في السنوات العشر العجاف التي شهدتها ليبيا.

الحبيب الأسود

وقال لـ”كيوبوست”: “لقد بات الدبيبة رمزاً لتحالف أمراء الحرب ورموز الفساد والجناح المتشدد لتيار الإسلام السياسي والقيادات الجهوية الانعزالية؛ وهو ذاته الذي يطمح إلى البقاء في سدة الحكم إلى أجل غير مسمى، والذي لا يخفي رغبته في تحويل ليبيا إلى رهينة لدى منظومته الأسرية والفئوية، بعد أن اكتشف أن هناك آلية متاحة لتحقيق تلك الرغبة؛ وهي الثروة عبر توزيع أوهام الرفاه على الشعب في الداخل، والعقود الضخمة على الشركات العالمية المؤثرة في تحديد سياسات الدول التي تنتمي إليها. وفي محاولة للتغطية على ذلك، يزعم الإصرار على تنظيم الانتخابات في أقرب وقت ممكن؛ انسجاماً مع حالة الخداع المفضوح التي تمارسها الدبلوماسية الأمريكية المخضرمة ستيفاني ويليامز، من موقعها كمستشارة سياسية للأمين العام للأمم المتحدة، مكلفة من باب الإسقاط المتعمد بالإشراف على الملف الليبي لمصلحة إدارتها الأصلية في واشنطن على حساب إدارتها الوظيفية الطارئة في نيويورك”.

اقرأ أيضاً: هل تملك حكومة فتحي باشاغا الجديدة مفاتيح الحل في ليبيا؟

وأضاف: “وبينما تباشر الحكومة الجديدة المنبثقة عن مجلس النواب عملها من سرت وكأنها تتمدد على سرير الهلال النفطي وتتوسط موانئ التصدير، يجد الدبيبة نفسه أمام تصدع واضح في جبهته؛ لا سيما بعد مغامرة فتحي باشاغا المفاجئة بالدخول إلى طرابلس، ثم اضطراره إلى مغادرتها؛ تجنباً لحرب كانت ستندلع بين الميليشيات المنقسمة في ولاءاتها بين الحكومتَين. فبينما يمكن القول إن باشاغا يسيطر فعلياً على مقاليد السلطة في برقة وفزان وفي جزء من المنطقة الوسطى؛ ومنها عاصمته المؤقتة سرت الخاضعة لنفوذ الجيش الوطني، يتعرض الدبيبة إلى نذر الحريق الذي اقترب من طريق السكة؛ لا سيما بعد اندفاعه للدخول في مواجهة مع بعض القيادات الميدانية المؤثرة في المنطقة الغربية بامتداداتها القبلية والميليشياوية”.

باشاغا في حالة خوف- (صورة وكالات)

وأعلن فتحي باشاغا بدء حكومته عملها من مدينة سرت، بعد أن رفض الدبيبة التنازل عن السلطة، وإفشال محاولته دخول العاصمة طرابلس. ويخشى باشاغا أن تؤدي انتكاسته في العاصمة الليبية إلى خسارة دعم حلفائه في الداخل والخارج الذين راهنوا على نجاح العملية؛ خصوصاً في ظل ما بات يروج بشأن تشكيل حكومة جديدة تمسك بزمام الأمور، إذ يرجح بعض المتابعين للشأن الليبي أن تؤدي المفاوضات الجارية في القاهرة بين وفدَي مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بشأن التوافق على قاعدة دستورية، إلى الاتفاق على تشكيل حكومة جديدة بديلة عن حكومتَي باشاغا والدبيبة.

وكان باشاغا قد حظي في الداخل بدعم وتأييد قائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ومن الخارج مصر وروسيا؛ بسبب تأكيده أنه يحظى بدعم قوى مهمة وفاعلة على الأرض في طرابلس، وأنه سيدخلها دون قتال؛ لكن فشله المتكرر في دخول العاصمة بات يضعف موقفه أمام حلفائه في الداخل والخارج، وهذا يصب في مصلحة الدبيبة الذي حسم أمره بعدم تسليم السلطة إلا لحكومة منتخبة، في حين بقاء باشاغا يظل رهين استمرار دعم هؤلاء الحلفاء.

البرلمان الليبي يواصل دعم باشاغا- (صورة وكالات)

يبدو أن البرلمان الليبي لا ينوي التخلي عن باشاغا حتى بعد فشل المحاولة الأخيرة؛ إذ أعلن أنه لا ينوي المشاركة أو الموافقة على تشكيل حكومة مصغرة ثالثة تنهي عمل الحكومتَين الحاليتَين المتقاتلتَين، مؤكداً مواصلة دعمه حكومة فتحي باشاغا إلى حين إجراء انتخابات عامة.

اقرأ أيضاً: مستقبل ليبيا على صفيح ساخن.. والبرلمان يفشل في إيجاد الحل

لكن عودة شبح المواجهات المسلحة والاقتتال ستشدد الضغوط على السياسيين الليبيين؛ خصوصاً البرلمان والمجلس الأعلى للدولة؛ من أجل التوصل إلى اتفاق ينهي الأزمة ويمنع إمكانية انفلاتها وذهابها إلى سيناريوهات دموية بعد سنوات من الاقتتال أرهقت وأنهكت الليبيين. وهذا قد يدفع حلفاء باشاغا لتغيير مواقفهم في الفترة المقبلة؛ خصوصاً في حال استمرار حالة التوتر.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة