الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

بعد فرار ايكويسن… فرنسا تستعد لطرد المزيد من دعاة التطرف

تتجه السلطات الفرنسية نحو ترحيل العديد من الأئمة والدعاة والناشطين ممن يشكلون مصدراً للتطرف أو لترويج خطاب الكراهية

حسن الأشرف

بعد قرار طرد السلطات الفرنسية للداعية والإمام ذي الأصول المغربية حسن إيكويسن، و”فرار” هذا الأخير إلى وجهةٍ “غير معلومة”، تستعد باريس لتوسيع نفس القرار ليشمل عدداً من الأئمة والدعاة الإسلاميين، منهم أئمة ونشطاء إسلاميون مغاربة.

اعتزام الحكومة الفرنسية ترحيل وطرد عدد من الأئمة والدعاة المقيمين بصفةٍ قانونية، كشفت عنه منابر إعلامية فرنسية، من بينها موقع “ميديا بارت” الذي تحدث عن قائمةٍ تضم العشرات من الأئمة المرشحة أسماؤهم للترحيل من فرنسا.

اقرأ أيضاً: حسن إيكويسن.. الإمام المغربي الذي طردته فرنسا!

طرد الزعماء الدينيين

وأثار قرار طرد السلطات الفرنسية للإمام المغربي، حسن إيكويسن، جدلاً كبيراً خلال الآونة الأخيرة، بعد أن اتهمته بكونه يروج لخطاب الكراهية ضد غير المسلمين، ويعادي “السامية”، عبر خطبه ومداخلاته في مواقع التواصل الاجتماعي التي تحظى بمتابعة معتبرة، بينما يصر هو على أنه بريء من هذه التهم، وأنه ينهج الوسطية والاعتدال في دعوته ومواقفه.

وتسير السلطات الفرنسية، وفق منابر إعلامية متابعة للشأن الداخلي لهذا البلد الأوروبي، في اتجاه ترحيل العديد من الأئمة والدعاة والناشطين، الذين يقيمون بطريقةٍ شرعية في البلاد، لكن تنظر إليهم باريس على أنهم مصدر شكوك أو اتهامات بالتطرف أو ترويج خطاب الكراهية أو التمييز..

وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان (جريدة لوموند)

ووفق ذات المصادر الإعلامية، فإن وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان يعكف بالفعل على تحضير لائحةٍ كاملة من زعماء دينيين، وأئمة ورؤساء جمعيات إسلامية، قد ينتظرهم نفس مصير الداعية المغربي حسن إيكويسن.

وزير الداخلية الفرنسية أشار في هذا السياق إلى أن 734 أجنبياً تم طردهم من البلاد بتهمة ترويج الفكر المتطرف والمتشدد، منذ انتخاب الرئيس إيمانويل ماكرون، من بينهم 72 أجنبياً تم طردهم خلال الأشهر السبعة الأخيرة.

اقرأ أيضا: لماذا يتعاطف اليسار الفرنسي مع الإسلام السياسي؟

وأورد موقع “ميديا بارت” الفرنسي اسم أحمد جاب الله الرئيس التنفيذي السابق لاتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا، باعتبار أنه لم يتم تجديد تصريح إقامته بالبلاد منذ 3 سنوات إلى اليوم، ونفس الوضع يعاني منه المغربي رضوان عبدالرحمان الذي يعمل إمام مسجد بإحدى المدن الفرنسية.

عوامل داخلية وخارجية

د.محمد شقير

ويعلق الخبير في الشأن الدولي المغربي الدكتور محمد شقير على الموضوع بالقول، في تصريحاتٍ لـ”كيوبوست”، إنه يمكن تفسير تصعيد السلطات الفرنسية ضد زعماء دينيين ودعاة إسلاميين مقيمين في البلاد، بعاملين أساسيين: الأول داخلي، والثاني خارجي.

فيما يخص العامل الأول، يوضح شقير، هو مرتبط بظرفية فرار الإمام المغربي بعدما تمت محاكمته، الشيء الذي يعكس اختلالاً كبيراً في الجهاز الأمني الفرنسي، وأيضاً لتزامن هذا الملف أيضا مع محاكمة المتورطين في “أحداث نيس”.

واستطرد شقير بأن هذه الحيثيات جعلت الحكومة الفرنسية تصعِّد من خطابها، وإجراءاتها، لمواجهة التطرف الديني ذي التوجه الأصولي والمغربي، في محاولة احتواء والرد على خطاب أحزاب اليمين، وتجنُّب اتهامات تقاعس الحكومة في مواجهة هذه الظاهرة.

ويضيف شقير دافعاً آخر يتمثل في محاولة تحويل أنظار الرأي العام الفرنسي عن تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، وما نجم عنها من رفع لأسعار المحروقات والضغط على استهلاك الكهرباء، وغاز التدفئة، خاصة أن فرنسا تُقبل على فصل الشتاء ببرده وصقيعه القاسيين.

اقرأ أيضاً: فرنسا تنتهج مقاربة جديدة تجاه مواطنيها المسلمين

وبخصوص العامل الخارجي، يرى شقير أنه يتمثل في التوتر القادم بين باريس ودول مغاربية، وعلى رأسها المغرب، إذ يبدو أن الحكومة الفرنسية بزعامة ماكرون عازمة على الرفع من الضغوط السياسية التي بدأت بتقنين منح التأشيرة لمواطني المغرب، مشيراً إلى أن الأزمة قد تتفاقم بتهديد فرنسا بطرد عدد كبير من الأئمة المغاربة بدعوى تطرفهم.

وخلص شقير إلى أن “هذه رسالة سياسية مفادها محاولة فرنسا تقويض السياسة الدينية المنتهجة من طرف الدولة المغربية القائمة على الوسطية والاعتدال، والتي يمثل بعث الأئمة المغاربة إلى فرنسا تصريفاً لهذه السياسة”.

قانون خاص للوضع الجديد للإسلام بالغرب

فراغ قانوني

من جهته، يرى الباحث والناشط الحقوقي أحمد عصيد، أن فرنسا كانت تهيئ لهذا الإجراء منذ سنوات، وكان العائق الذي يمنعها هو الفراغ القانوني الذي لم يكن يسمح للدولة بالقيام بطرد أشخاص غير مرغوبٍ فيهم، بسبب مواقفهم المتطرفة، ويتمتعون بالجنسية الفرنسية، كما كان هناك غموض لدى الحكومة الفرنسية في موضوع تجاوزات الخطباء الدينيين الذين كانوا يستغلون حرية التعبير المتاحة في فرنسا بشكلٍ كبير في المساجد، وفي شبكات التواصل الاجتماعي للدعوة إلى قيم تؤدي إلى تهديد السلم الاجتماعي، والتصادم بين المواطنين المسلمين والدولة المضيفة.

أحمد عصيد

يسترسل عصيد، في حديثٍ مع “كيوبوست”، بأن حكومة ماكرون عملت بعد الأحداث الإرهابية الخطيرة التي راح ضحيتها مئات الفرنسيين، على وضع قانون خاص لمعالجة مشكلة التطرف الديني على أراضيها، بعد أن انتشرت شبكاته ومراكزه وقنواته بشكلٍ كبير جداً.

مضيفاً أنه تنبأ شخصياً بهذا الوضع، قبل سنوات، عندما أشار إلى أن الإطار القانوني الذي تعمل به الدول الأوروبية في تدبير موضوع الأديان يتعلق فقط بالديانتين اليهودية والمسيحية اللتين لم تعودا تطرحان أي إشكال بالنسبة للأوروبيين، بينما لا تشمل تلك القوانين الديانة الإسلامية التي عرفت ظهور “الإخوان المسلمين”، وتوسعهم في أوروبا في شكل شبكات خطيرة لنشر التشدّد الديني ضدّ الدولة الحديثة وقيمها وقوانينها.

اقرأ أيضاً: منتدى الإسلام في فرنسا: هل هو بداية جديدة في العلاقات بين الدولة والمسلمين؟

وتابع عصيد: “قلتُ آنذاك إنّ الدول الأوروبية ستكون ملزمة بوضع قانون خاص للوضع الجديد للإسلام والمسلمين في الغرب، والذي يشكل استثناء مقارنة مع الديانات الأخرى التي تقبل التعايش مع مظاهر الاختلاف، كما تسمح بالاندماج في المجتمعات الغربية، عكس الإيديولوجيا الدينية الإسلامية الإخوانية والوهابية التي تؤدي إلى التصادم، وهذا ما حدث بالفعل”.

عقيدة “الولاء والبراء”

واضاف الباحث: “كانت التشيك هي الدولة الأولى التي أحدثت “قانون الإسلام”، وهو قانون خاص ضدّ التطرف الإسلاموي، وتبعتها دول أخرى، وقد قامت حكومة ماكرون بوضع قانون ضدّ “الانفصالية”Séparatisme  موجه في الواقع ضد الجمعيات الإسلامية التابعة في معظمها للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين، وأيضاً للفكر السلفي “الوهابي”.

الرئيس الفرنسي ماكرون

ويكمل عصيد بأن “هذا الإطار القانوني الجديد هو الذي تعتمده فرنسا حالياً لطرد الأئمة المتطرفين الذين يتجاوزون حدود حرية الوعظ والإرشاد، إلى مستوى تحريض المسلمين على خلع الولاء لفرنسا، ومحاربة قيم الجمهورية فوق أراضيها”، حيث إن الهدف الأول لهؤلاء الخطباء والتنظيمات التي يتبعون لها هو الحيلولة دون اندماج المسلمين في المجتمع العلماني، وجعلهم يحتفظون بهوية ممانعة ضدّ الدولة باستعمال عقيدة “الولاء والبراء”.

وذهب عصيد إلى أنه لا يمكن التغلب على التطرف الإسلاموي فقط بعملية طرد الأئمة المتشدّدين، بل لا بد من مراجعة سياسة فرنسا في تهميش الأحياء التي يسكنها المسلمون في ضواحي المدن، وتحقيق المساواة الفعلية في الفرص من أجل إنجاح اندماجهم في المجتمع الفرنسي، حيث يمثل الإقصاء والتهميش أحد أهم العوامل المؤدية إلى التطرف، والتي تستغلها شبكات الإخوان والسلفيين للإيقاع بالشباب المسلم.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة