الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

بعد عمليات القتل على الهوية القبلية.. مصير مجهول لإقليم دارفور

بسبب انتشار السلاح وغياب القانون وعدم وجود حكومة مركزية.. والبعض يتهم فلول النظام السابق بالتورط في الأحداث

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

كما جرت العادة عقب أي اشتباكات قبلية دامية، توعَّد نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول محمد حمدان دقلو، الخميس الماضي، مرتكبي الأحداث التي وقعت في عدة قرى بمحلية بليل شرقي مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور، الأسبوع الماضي، بالعقاب الرادع والملاحقة القضائية، بينما ينجو الفاعلون دائماً من المحاكمة وتستمر الأحداث الدامية بوتيرة أسرع وأكثر عنفاً.

وكانت السلطات السودانية أعلنت حالة الطوارئ وحظر التجوال الليلي في ولاية جنوب دارفور بغرب البلاد، وذلك على إثر هجمات دموية أدت إلى مقتل 12 شخصاً وإصابة نحو 40 آخرين؛ بسبب خلاف حول هاتف جوال بين شخصَين في سوق مرين شرقي مدينة زالنجي بولاية جنوب دارفور، نتج عنه طعن أحدهما الآخر بسلاح أبيض؛ ما أدى إلى وفاته.

وكانت الاشتباكات القبلية العنيفة اندلعت عقب مشاجرة بين أفراد من قبيلتَي الرزيقات والداجو، وتصاعدت بسرعة إلى أعمال عنف نتج عنها إحراق عدة قرى بعد أن امتدت الأحداث بشكل عشوائي لتشمل ثماني قرى تم إحراق بعضها جزئياً.

اقرأ أيضاً: النزاعات العرقية في السودان.. بصمة عار في جبين الإخوان

عجز عن الحسم

الأحداث الأخيرة عبارة عن حلقة من سلسلة عنف شهدها إقليم دارفور المأزوم بالصراعات القبلية منذ إبرام بعض الحركات المتمردة المسلحة اتفاقاً للسلام مع الحكومة الانتقالية بجوبا عاصمة جنوب السودان في أكتوبر 2020، حيث ظل السكان المحليون يأملون دون جدوى في أن يتمكن الاتفاق من وقف الحرب الأهلية التي اندلعت بدارفور منذ عام 2003 وحصدت أرواح مئات الآلاف وشردت الملايين، بينما بلغ عدد ضحايا التوترات العنيفة خلال الأسبوعين الماضيين فقط 24 قتيلاً وأكثر من 50 جريحاً في مناطق مختلفة من الإقليم المأزوم، وسط اتهامات بعجز الحكومة التي يقودها الجيش وقوات الدعم السريع عن حسم ظاهرة الانفلات الأمني المتفاقمة.

حميدتي.. لن يفلت أحد من العقاب- وكالات

وحسب إفادات صحفية سابقة لـ”حسين رجال”، المتحدث باسم منسقية النازحين، فإن سكان القرى التي تعرضت إلى الهجوم يواجهون أوضاعاً أمنية وإنسانية مأساوية، وإن أعمال الحرق والنهب تتجدد بين الفينة والأخرى، وإن عمليات إجلاء الجرحى واجهت صعوبات جمة؛ حيث سيطر المهاجمون على الطرق الرئيسية ومنعوا الفرق الطبية من القيام بمهامها، قبل أن يجبروا على الانسحاب منها.

اقرأ أيضاً: التيار الإسلامي العريض.. هل تحالفت المؤسسة العسكرية السودانية مع الإخوان؟

قمة المأساة

بالنسبة إلى المحلل السياسي والصحفي محمد عبدالباقي؛ فإن السلطات المحلية والمركزية تتحمل مسؤولية التعدي على المدنيين وحرق القرى والقتل على الهويات القبلية، وأرجع ذلك إلى انتشار السلاح وغياب القانون وفشل تطبيق اتفاق جوبا للسلام وعدم وجود حكومة مركزية منذ انقلاب أكتوبر 2021؛ الأمر خلف أوضاعاً إنسانية ومعيشية مأساوية، حيث أعلنت الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، أن أكثر من 13 مليون سوداني، معظمهم في مناطق الحرب، يواجهون خطر التعرض إلى النقص الحاد في الغذاء.

محمد فضل السيد

ونوه عبدالباقي بامتناع بعض الحركات المسلحة التي أبرمت اتفاق سلام مع الحكومة في جوبا عاصمة جنوب السودان 2020، عن التوقيع، في الخامس من ديسمبر 2022، على “الاتفاق السياسي الإطاري” مع المكون العسكري الذي يترأسه قائد الجيش عبدالفتاح البرهان، حيث أعلنت حركة العدل والمساواة التي يرأسها جبريل إبراهيم، وحركة تحرير السودان التي يرأسها حاكم دارفور مني أركو مناوي، معارضتهما الاتفاق، وهو ما يضيف الحركتَين إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان- الشمال التي يقودها عبدالعزيز الحلو، وفصيل عبدالواحد محمد نور، من حركة تحرير السودان، وهما من أهم الحركات المسلحة في السودان على مستوى القدرات العسكرية، واللتان رفضتا التوقيع على أي اتفاق سابق منذ سقوط البشير؛ ما يعني ترجيح عودة إقليم دارفور إلى الحرب، فضلاً عن ذلك، يواصل عبدالباقي حديثه إلى “كيوبوست”، فإن المتربصين من أنصار النظام السابق دائماً ما يستغلون مثل هذه الأحداث لتأجيجها وإذكائها.

اقرأ أيضاً: عناصر جماعة الإخوان.. ثورة مضادة كامنة في مفاصل الدولة السودانية

الفلول على الخط

وفي السياق ذاته، قال نائب رئيس مجلس السيادة السوداني وقائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، لدى زيارته مناطق النزاع، الخميس الماضي، إن الأحداث الأخيرة التي شهدتها محلية بليل في ولاية جنوب دارفور؛ لن تمر دون محاسبة، ووعد بإجراءات من شأنها منع وقوع أي حوادث مماثلة في المستقبل، وأقر بوقوع عمليات حرق ونهب، وتوعد مَن وصفهم بالمجرمين بالقبض عليهم ومحاكمتهم.

خالدة ود المدني

من جانبها، رجَّحت الصحفية خالدة ود المدني، أن منسوبي النظام السابق المتغلغلين في أجهزة الدولة الأمنية ربما يقفون خلف هذه الأحداث وكل أحداث العنف القبلي في جميع أنحاء البلاد؛ خصوصاً بعد أن تمت إعادتهم إلى المفاصل الحيوية للدولة عقب انقلاب البرهان على حكومة عبدالله حمدوك، أكتوبر 2021؛ حيث ظل السودان منذ ذلك الوقت يشهد عنفاً قبلياً غير مسبوق في الشرق وجنوب النيل الأزرق ودارفور وجبال النوبة، بينما ظلت الأجهزة الأمنية مغلولة اليد في حسم هذه الصراعات الدموية؛ ما يشي بأن ثمة تقاعساً مقصوداً ومخططاً له من أجل خلق نوع من الفوضى والبلبلة؛ تمهيداً للانقضاض على الانتقال الديمقراطي والعودة بالبلاد إلى الاستبداد مرة أخرى .

اقرأ أيضاً: فلول الإخوان السودانية.. “حلم مستحيل بالعودة إلى الحكم”

جرد ختامي

إلى ذلك، شهد السودان منذ انقلاب أكتوبر 2021، الكثير من أحداث العنف القبلي الدموية، أدت، حسب الأمم المتحدة ومنظمات مجتمع مدني محلية وجهات حكومية رسمية، إلى مقتل أكثر من ألف شخص؛ بينهم نساء وأطفال وحرق للقرى الآمنة وتشريد سكانها.

وقد لقي نحو 600 شخص حتفهم في أحداث اقتتال قبلي بإقليم النيل الأزرق، ما بين يونيو وأكتوبر 2022، وفر نحو 200 ألف من قراهم، بينما اندلعت أحداث مماثلة في أكتوبر 2022 في منطقة لقاوة بجنوب إقليم كردفان، تخللتها أعمال قتل وحرق واسعة أسفرت عن قتل وجرح أكثر من 60 شخصاً، بينما نزح نحو 36 ألفاً آخرين، حسب الأمم المتحدة.

مشهد لأحد معسكرات النازحين في إقليم دارفور- وكالات

ويُذكر أن الحرب الأهلية التي اندلعت في إقليم دارفور عام 2003 إبان نظام الرئيس عمر البشير، خلَّفت نحو 300 ألف قتيل، ونحو 2.5 مليون نازح، كما اتسعت رقعة الصراعات القبلية عقب إجراءات عبدالفتاح البرهان، قائد الجيش، ضد الحكومة المدنية التي تولت السلطة إثر إطاحة عمر البشير عام 2019، وأسفرت عن مقتل أكثر من 900 شخص، وإصابة 1000، وتشريد نحو 300 ألف هذا العام، وفقاً لتقرير صدر حديثاً عن الأمم المتحدة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة