الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون خليجيةشؤون عربية

بعد عقود من العطاء.. وفاة عالم الفلك الكويتي صالح العجيري

كيوبوست

كثيراً ما يكون الحب هو الدافع لاعتماد الإنسان خيارات معيَّنة في الحياة، سواء في الدراسة أو التعلُّم أو العمل.. أما في حالته؛ فقد أحب العالم الفلكي الكويتي صالح العجيري، تخصصه العلمي في مجال الفلك، بدافع الخوف الذي تحول إلى حب وشغف غير منقطع النظير.

فقد كان العجيري، الذي رحل يوم الخميس عن عمر ناهز الـ101 عام، يخاف في طفولته الظواهر الطبيعية، كصوت الرعد وهبوب الرياح والعواصف.. الأمر الذي دفعه إلى دراسة علم الفلك، في محاولة للإجابة عن أسئلته: كيف تحدث تلك الظواهر؟

اقرأ أيضًا: تقلبات القمر.. سوف تسبب زيادة الفيضانات الساحلية في العقد القادم وفقاً لدراسة لوكالة ناسا

الطفولة والتعليم الابتدائي

ولد العالم الفلكي صالح عبدالعزيز العجيري، في العاصمة الكويتية الكويت نحو عام 1920م- 1921م، في جو أسري بسيط، يشبه بساطة الزمن الذي ولد فيه، بلا تكنولوجيا وتقنيات؛ لكن بوجود أب داعم ومهتم بتطوير شخصية ابنه.

أما والدة العجيري، فقد توفيت عام 1933م، حين كان يبلغ من العمر نحو 12 عاماً، وكان حينها أكبر إخوته الأربعة، ما اضطره للاعتناء بهم خلال وجود والده بالعمل في إدارة البلدية، فأصبح بفضل تلك التجربة مسؤولاً وحذقاً.

صالح العجيري شاباً- أرشيف

وبدأت حياته العلمية في سن مبكرة، عندما التحق بالكتاتيب، وهناك تعلم قراءة القرآن والحساب واللغة العربية، ثم درس في مدرسة ابتدائية أنشأها والده، وفي عام 1937 التحق بالمدرسة المباركية، وعرف بذكائه وفطنته، فقد كان متفوقاً بالرياضيات سباقاً في حل المعادلات الحسابية. واستمر في دراسته بالمدرسة المباركية، وتمكن من النجاح في الصف الثاني الثانوي.

اقرأ أيضاً: “2022 عام النمر”.. ماذا نعرف عن التقويم القمري لشعوب آسيا؟

وفي سن صغيرة، خاض العجيري تجربة مهمة، إذ أرسله والده إلى قبيلة الرشايدة في البادية ليقوي قدرته على التحمل والصبر، ولتعلم الفروسية والرماية، وعيش الحياة الخشنة، وهناك فتن بالصحراء وتعلم فيها أول أسس علم الفلك؛ معرفة الجهات الأربع، كما درس الربع المُجيّب (أداة اخترعها الخوارزمي في القرن التاسع، لقياس الزوايا السماوية ومعرفة الوقت والاتجاهات وتحديد المواقع الظاهرة لأي جرم سماوي)، ثم درس في السعودية على يد أبناء النبهاني، منازل الشمس والقمر والمواقيت…

إلى مصر بحثاً عن العلم

بفضل كتاب وقع بين يدَيه، اتجه العجيري إلى مصر، فعندما اطلع على كتاب “الزيج المصري” الصادر عام 1920م لمؤلفه عبد الحميد مرسي غيث، حول حركات النجوم والكواكب والشمس والقمر، راح يبحث عنه.

وصل العجيري إلى مصر والتقى غيث الذي كان يبلغ حينها 80 عاماً؛ لكنه تمكن رغم كبر سنه من إفادة العجيري بعناوين كتب ومؤلفات ومعارف حول الفلك، كما وجهه إلى بعض تلاميذه بالقاهرة للاستفادة من علمهم كعالم الفلك عبد الفتاح وحيد أحمد.

حصل صالح العجيري على شهادة علمية من الاتحاد الفلكي المصري عام 1952م- أرشيف

انتسب العجيري إلى جامعة الملك فؤاد الأول (جامعة القاهرة حالياً) في العاصمة المصرية، ودرس فيها تخصص علوم الفلك، ونجح عام 1946م في امتحان كانت تعقده الجامعة في علم الفلك، وحصل على شهادة علمية من الاتحاد الفلكي المصري عام 1952م، كما قررت اللجنة الفلكية العليا للاتحاد الفلكي المصري اعتباره عضواً من أعضاء الاتحاد العاملين لترقية العلم ونشره في جميع الأنحاء. في حين مُنح الدكتوراه الفخرية في العلوم من قِبل جامعة الكويت عام 1981م.

حياته المهنية وإنجازاته

في الكويت عمل العجيري محاسباً لبعض التجار، ثم عمل في التدريس؛ فقد تنقل في عدد من مدارس الكويت، كما شغل عدة وظائف حكومية.

وأصدر العجيري تقويمه الخاص عام 1952م، لحساب تواريخ الأيام وتنظيمها للأغراض الدينية؛ كأوقات الصلاة والصيام والأعياد، وأخذ تقويمه عدة أشكال كتقويم الحائط وأجندة المكتب ومفكرة الجيب وغيرها، وكان تقويم العجيري يطبع في عدد من الدول؛ مثل الكويت وسوريا ومصر وفلسطين ولبنان والعراق وباكستان وسنغافورة.

ومن أضخم إنجازات العجيري، أنه بدأ في الفترة ما بين الستينيات والسبعينيات بإنشاء مركزه الفلكي على نفقته الخاصة في الكويت، وفي عام 1973م توجه إلى الولايات المتحدة الأمريكية لشراء قبة خاصة بالمرصد.

اقرأ أيضاً: أجواء وعادات عيد الفطر في المجتمعات المختلفة

بينما افتتحت مكتبة العجيري عام 1973م، والتي سُميت نسبة إلى صالح العجيري، وفي عام 2013م افتتح متحف العجيري في محافظة حولي الكويتية؛ تكريماً للجهود والمساهمات التي قدمها العجيري للكويت، ويقدم المتحف معارف ومعلومات ومقتنيات فلكية.

وبالإضافة إلى جهوده في مجال الفلك، وإنفاقه الكثير من الأموال من حسابه الخاص على علمه، ألف العجيري عدداً من الكتب كـ”دروس فلكية للمبتدئين الطلاب” وعلم الميقات، ودورة الهلال، وجدولة الوقت وغيرها.. إضافة إلى الكثير من الأبحاث الفلكية؛ منها: الخطوط والدوائر، وأهمية ميل الشمس، ورصد الكواكب والنجوم، ومداخلات الزمن، ووسائل تعيين الجهات.. إلخ، كما شارك في العديد من الندوات والمحاضرات العلمية، وترجم عدداً من المراجع إلى اللغة العربية.

اقرأ أيضًا: “إكسبو دبي” يطلق أسبوعاً لاستكشاف الفضاء بشكل مثمر

أحد تلامذته يحكي فضله

في مداخلة مع “كيوبوست”، تحدث الفلكي السعودي خالد صالح الزعاق، أحد تلامذة العجيري، عن فضل معلمه عليه وعلاقته به، قائلاً: “التقيت الدكتور صالح العجيري في سن مبكرة، بحدود العاشرة من عمري، وحلقة الوصل بيني وبينه كانت (تقويم العجيري)”.

فقد اشترى الزعاق “تقويم العجيري” من المكتبة وحفظه عن ظهر غيب، وسافر إلى الكويت وهو في الصف الرابع الابتدائي، وسأل عن الدكتور العجيري بأحد المساجد، الذي اتضح أنه ومن باب الصدفة يصلِّي به.

عالم الفلك السعودي خالد الزعاق- أرشيف

وبعد أن تعرف الزعاق بالعجيري، أصبح يقضي كل إجازة صيفية عنده، فكان معلمه الأول، وبهذا السياق ذكر الزعاق أنه لم يصدُر كتاب عن علم الفلك إلا ويرسله العجيري إليه، وعلاوة على ذلك كان يقدم له التوجيهات، فمع تقدُّم الزمن، أوصى العجيري الزعاق عبر خطاب كُتب بيده وآخر مسجَّل بصوته، بأن يخلفه بعلم الفلك، إذ أصبح (العجيري) متقدماً في السن وغير قادر على التعليم، وعليه يقول الزعاق: “كان هاجسه الرئيسي أن يفيد الأمة”، وأضاف أنه من ذلك الوقت ومعلمه يدفعه لكتابة المقالات الفلكية؛ فكانت أولى كتابات الزعاق الرسمية عام 1996م.

كما حفزه لطباعة تقويم باسمه (تقويم الزعاق) الذي أصبح عمره الآن 30 سنة، علماً بأن العجيري هو مَن راجع أصول تقويم الزعاق، الذي أكد أيضاً أن للعجيري أيدي بيضاء لا تُنسى في علم الفلك، كما كان يرعى مساجد، ويرسل مبلغاً من المال سنوياً للزعاق؛ من أجل صيانة مسجد في مدينة بريدة السعودية.

نعى العجيري الكثيرُ من رموز الخليج العربي؛ فقد بعث أمير الكويت الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح، ببرقية تعزية إلى أسرة العجيرى، معتبراً أنه أحد رجالات الوطن الأوفياء، ومعرباً للأسرة الكريمة عن أحر التعازي وصادق المواساة.

كما نعاه سمو الشيخ محمد بن راشد، نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة رئيس مجلس الوزراء حاكم إمارة دبي وزير الدفاع، في دولة الإمارات العربية المتحدة، الذي غرد على “توتير” قائلاً:

ونعاه أيضاً رئيس مجلس الأمة الكويتي مرزوق الغانم، الذي تقدم بخالص العزاء والمواساة لعائلة العجيري والشعب الكويتي في وفاة العالم الفلكي الجليل الدكتور صالح محمد العجيري، مغرداً:

كما نعاه تلميذه الفلكي السعودي خالد الزعاق:

الفلكي السعودي خالد الزعاق يتحدث عن أستاذه الراحل الفلكي الكويتي صالح العجيري. 

نص التعليق الصوتي:

“الدكتور صالح العجيري، التقيته في سن مبكرة في حدود العاشرة من عمري، وحلقة الوصل بيني وبينه هي تقويم العجيري؛ اشتريته من مكتب ببريدة (وسط السعودية)، وحفظت هذا التقويم عن ظهر قلب والتقيته وأنا في الصف الرابع الابتدائي، زرت الكويت وسألت بالمسجد عنه،  وصادف أنه كان يصلي بنفس المسجد، فأصبحت كل إجازة صيف أجلس عنده طوال الصيف.

يعتبر هو معلمي الأول وكان كلما يُصدر كتاباً من كتبه في علم الفلك يرسل لي نسخة منه، وعلاوة على ذلك كان يوجه إليَّ توجيهات ونصائح.

مع تقدم الزمن والأيام أوصاني وصية؛ هذه الوصية كتبها بيده، وأيضاً خطاب أرسله لي مسجلاً صوتياً، بأن  أخلفه في هذا العلم، وأن عمره كبير ولا يستطيع أن يفيد الناس. فكان الهاجس الرئيس له أنه يفيد الأمة؛ يعني من ذلك الوقت هو الذي دفعني وشجعني أن أكتب مقالات فلكية،  فقال لي: اكتب أنت الآن عندك حصيلة علمية وسلاح معرفي بإمكانك مخاطبة الجمهور، فكتبت أولى مقالاتي تقريباً في حدود عام 1416 هجري/ عام 1996م، لكن قبل الـ96 كنت أكتبها بمجلات لا تنتشر،  وفي الصحف بدأت عام 96.

بعد العمر هذا أجبرني أو حفزني على طباعة تقويم باسمي، قال اكتب تقويماً مثلي وسمِّه (تقويم الزعاق) مثل ما كنت أنا أُسمِّي (تقويم العجيري)، وتقويمي الآن له ثلاثون سنة يصدر، وعلاوة على ذلك هو أول من راجع أصول تقويمي.. أول مَن راجعه الدكتور صالح العجيري.

له أياد بيضاء ما أنساها الحقيقة في علم الفلك، رحمه الله، والأيادي البيضاء له، كان يرعى مسجد والده  في بريدة، وكان يرسل لي كل سنة مبلغاً من المال لصيانتها”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات