الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

بعد عرض موسمه الثالث.. هل نجح مسلسل “المنصة” في إيصال رسائله؟!

المسلسل لاقى رواجاً على منصة "نتفليكس".. وبعض الثغرات الدرامية خلقت تفاوتاً بين مواسمه الثلاثة

كيوبوست-  أندرو محسن

ليست كثيرة هي الأعمال العربية التي ناقشت أفكاراً تخص تأثير المواقع الإخبارية أو القرصنة الإلكترونية على العالم، بشكلٍ مباشر وغير مباشر، رغم الانتشار الكبير لمواقع التواصل الاجتماعي، ووجودها الكثيف في كل مناحي الحياة؛ حتى إنك عزيزي القارئ -على الأرجح- تعرفتَ على هذا المقال من أحدها، فإننا نادراً ما نرى الدراما العربية توظف هذا التأثير بشكل جيد.

في المقابل، كثيرة هي الأعمال العربية التي حاولت التعرض إلى التطرف والإرهاب؛ خصوصاً في السنوات الأخيرة. فماذا لو قررنا دمج الفكرتَين معاً؛ لنقدم عملاً عن الإرهاب، وعن سطوة المواقع الإلكترونية، في آنٍ واحد؟

على الأرجح هذا ما دار في رأس صناع مسلسل “المنصة” قبل أن يقدموا هذا العمل.

اقرأ أيضاً:  “المنصة”.. عمل درامي يرصد جذور التطرف وتطوراته مع الزمن

ثلاثة مواسم

قد تكون قلة الأعمال العربية التي تدور أحداثها عن البرمجة الإلكترونية والمواقع لها بعض الأسباب المنطقية والمقبولة؛ على رأسها أن الدولَ العربية في النهاية ليست مُنتجاً لهذه المواقع بل مستهلك، وحتى مع وجود العديد من المواقع العربية ذات المحتوى الجذاب، ومعدل القراءات الكبير؛ فإنه من الصعب أن نجد من هذه المواقع ما يملك تأثيراً عالمياً، وبالتالي فإن الدخول في كواليس صناعتها، وإبراز شخصيات المبرمجين والمقرصنين قد يعد مبالغة في بعض الأحيان.

الفنان السعودي عبدالمحسن النمر

المسلسل تدور أحداثه في ثلاثة مواسم، من إنتاج منصور اليبهوني الظاهري، وتأليف هوزان عكّو، وأخرج موسمه الأول رودريغو كريشنار، بينما تولَّى المخرج ياسر سامي، إخراج الموسمَين التاليَين. تتابع الأحداث كرم (مكسيم خليل)، السوري الذي قضى قسطاً كبيراً من حياته في الخارج؛ حيث تعلَّم البرمجة قبل أن يلتقي ناصر (عبدالمحسن النمر)؛ ليطورا معاً موقع “المنصة” الإخباري، المتخصص في كشف الكثير من الأخبار الحصرية غير المتداولة؛ خصوصاً في ما يتعلق بالسياسة، بشكل أقرب إلى ما قدمته وثائق موقع “Wikileaks”.

يشرف كرم على الجانب التقني والتكنولوجي للموقع، بينما يتولى ناصر الجانب الإداري والإخباري، ويقع مقر “المنصة” في مدينة أبوظبي.. لكن كرم الذي ما زالت أسرته تعيش في سوريا، ووالده كان طرفاً في إحدى الجماعات الدينية المتطرفة، يجد نفسه منخرطاً في مغامراتٍ كبيرة مع جماعاتٍ أخطر مما توقعه.

اقرأ أيضاً:   لعبة نيوتن.. نص جريء يجمع عناصر النجاح في مكان واحد

القصة تبدأ بشكل مثير، وتتطور أحداثها سريعاً في الجزء الأول، حتى نصل إلى التقاطع بين خطَّي الإرهاب والموقع؛ لكن الثغرات الدرامية تبدأ مبكراً أيضاً مع ما يخص الموقع وكواليسه.

يُقدِّم المسلسل موقع “المنصة” موقعاً كبيراً وشديد التأثير؛ حتى إن قيادات الجماعة الإرهابية التي نشاهدها داخل الأحداث تسعى إلى إغلاقه والتخلص منه بأية صورة؛ لأنه يكشف عن أسرارهم إلى العالم.

لكن المشكلة أن هذه الصورة لا يصل جزء كبير منها إلى المشاهد؛ فحتى نقتنع أن هذا الموقع يملك هذا التأثير بالفعل، كان يجب أن نشاهد كيفية جمع الأخبار، وأن نعلم أن هناك عدداً مقبولاً من العاملين في الموقع من مراسلين ومحررين.. وغيرهم، لا نعني بالطبع أننا يجب أن نتعرف على كل هؤلاء؛ لكن يكفي أن نعلم بوجودهم.

الفنان الإماراتي أحمد الجسمي

لكن ما ظهر لنا هو أن ناصر هو مَن يتخصص في جلب الأخبار بطرق ملتوية؛ بينما يبلغ عدد العاملين في الموقع خمسة فقط! يبرر المسلسل هذا العدد القليل بأنه يحاول من خلاله الحفاظ على سرية “المنصة”؛ ولكنه تفسير ضعيف وغير منقطي.

هذه التفصيلة التي تبدو صغيرة جعلت هناك حاجزاً طوال الوقت أمام تقبل أن يكون “المنصة” له هذا التأثير الذي تحاول الأحداث إقناعنا به.

اقرأ أيضًا:  الدراما الخليجية في رمضان.. القوة الناعمة في مواجهة التطرف

سيناريوهات معاصرة

يوظف السيناريو الكثير من الأحداث المعاصرة داخل حبكته؛ مثل الحرب والنزاع في سوريا، ولاحقاً تأثيرات “كورونا”.

بينما يبدو هذا التداخل بين فكرة الموقع الإلكتروني وتأثيره على هذه الجماعات مؤثراً ومثيراً، نجد هذه الإثارة تخفت عندما ننتقل بشكل كبير إلى داخل هذه الجماعة المتطرفة في سوريا؛ خصوصاً في الموسم الثاني الذي كان الأضعف بين المواسم الثلاثة.

مثلما كانت هناك أزمة في ما يتعلق بإقناعنا بأننا أمام موقع إلكتروني كبير؛ كانت هناك أزمة أيضاً في إقناعنا بأننا أمام جماعة دينية متطرفة؛ فأفراد هذه الجماعة يبدون أقرب إلى عصابات المرتزقة منهم إلى الجماعات الدينية. يأتي ذكر الدين ودوره في الطاعة والأوامر بشكلٍ عابر في بعض الأحيان؛ لكن أغلب الحوارات والأهداف، سواء الشخصية أو العامة التي تخص الجماعة ككل، لا تمنحنا هذا التأثير، بالذات عند النظر إلى شخصية عدنان (شادي الصفدي) الذي يبدو أقرب إلى الشكل التقليدي لرجل العصابات العنيف ذي العضلات المفتولة، منه إلى متطرف ديني، وربما عوَّض هذا نسبياً ظهور شخصيتَي عز الدين (سيد رجب) ورمضان (باسم ياخور) في الجزء الثاني، اللذين بدوَا يتبعان بالفعل مخططاً أكبر خاص بالجماعة التي ينتميان إليها، والتي تعمل باسم الدين.

اقرأ أيضًا:  حكايات من حياة سمير غانم

بينما كان لتأثيرات فيروس كورونا توظيف جيد يتعلق بالعامل الزمني، وما تسبب فيه من إغلاق الكثير من المنشآت والمطارات في دفع أطراف الصراع للتحرك سريعاً للوصول إلى أهدافهم، وإن كنا لم نشاهد على المستوى الشكلي تأثير “كورونا” بالشكل الكافي، من حيث ارتداء الكمامات في الخارج بشكل مناسب لما حدث في الواقع.

يتفاوت مستوى المواسم الثلاثة من المسلسل بشكل واضح؛ يبقى الأول هو الأفضل، ويليه الثالث، بينما الثاني هو الأضعف؛ تميز الأول بإيقاع أكثر حيوية في الأحداث، وتزامن جيد بين ما يخص الموقع، وما يخص الجماعة المتطرفة في سوريا، واستغل المخرج كثرة الخطوط الدرامية في زيادة حالة التشويق، وربط المشاهد بالشخصيات الأساسية بشكل أفضل؛ خصوصاً مع وجود خط اختفى لاحقاً، وهو الخاص بالبرنامج الحواري، وكواليس التحضيرات الخاصة به، والذي كان يخدم بشكل ما فكرة التحول إلى عالم الإنترنت بشكل أكبر، حتى في مجال البرامج الحوارية التقليدية.

مشهد من المسلسل

على المستوى البصري أيضاً استغل المخرج الاختلاف بين الأماكن والأحداث لصناعة طابع بصري مميز لكل مكان، ولم يعتمد على الألوان الداكنة والإضاءة القليلة؛ وهو عكس ما فعله ياسر سامي في الموسم الثاني.

ازداد الطابع البصري الداكن في الموسم الثاني؛ وهو أمر قد يكون موظفاً درامياً بشكل جيد إذا انتقلنا إلى أجواء أكثر قتامة في هذا الموسم؛ لكن مع استمرار الأمر في أغلب الحلقات، جاء بنتائج عكسية؛ خصوصاً مع وجود بعض المشاهد التي كانت فيها الإضاءة ضعيفة لدرجة أن لا نرى وجوه بعض الشخصيات.

لكن لم تكن هذه المشكلة الوحيدة في الموسم الثاني؛ إذ جاءت أغلب الأحداث في معسكر الجماعة الإرهابية، مما قلل من عنصر التشويق والانتقال بين الخطوط المختلفة الذي كان حاضراً في الموسم الأول، كما تراجع إلى حد كبير الشق الخاص بالموقع، مع الاكتفاء بالأحداث الخاصة بما يحدث داخل المعسكر، وهكذا بدا وكأن مسلسل “المنصة” دون “المنصة”.

اقرأ أيضاً: “نتفليكس” ترفض الاشتراك في خدمات “آبل” الجديدة

بينما عاد الموسم الثالث إلى التوسع في الخطوط مرة أخرى، والتقاطع بشكل أكبر وأوضح بين الموقع والجماعة الإرهابية؛ وهذا ما جعله يعود إلى مستوى أفضل، خصوصاً مع انتقال الصراع من أطراف بينها خلاف واضح إلى صراع خفي يعتمد على التحالفات والمؤامرات، ولا يعلم إلا المشاهد صورته الكاملة؛ مما أضاف إلى حالة الترقب العامة في المسلسل.

من غير المستبعد أن نشاهد موسماً رابعاً للمسلسل قريباً، والأحداث تسمح بذلك بالفعل؛ لكن من الأفضل أن يكون الأخير حتى لا تتسع الأحداث أكثر من هذا، مع محاولة الرد على الأسئلة غير المجابة في المواسم الثلاثة الأولى، وإضفاء بعض الواقعية في ما يخص الموقع والعمل فيه.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة