الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

بعد عام من خسارته آخر معاقله.. هل يستعيد “داعش” نشاطه من جديد؟!

تساؤلات عدة تحيط بعودة نشاط التنظيم المتطرف وخطوط إمداده بالسلاح والمال.. رغم تعرضه إلى ضربات كبيرة أجبرته على الانسحاب إلى مناطق البادية السورية

كيوبوست – مصطفى أبو عمشة

تزايد نشاط عناصر تنظيم الدولة الإسلامية خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، أكتوبر ونوفمبر وديسمبر الجاري، وبدأت تظهر مؤشرات سيطرة تتجاوز مرحلة الخلايا العشوائية، وانتقلت إلى مرحلة التنظيم والسيطرة الفعلية على الأرض.

عمليات تنظيم “الدولة الإسلامية” تركزت في الآونة الأخيرة في شرق نهر الفرات؛ حيث تتضمن استهداف وسائط النقل المختلفة التابعة، سواء صهاريج النفط الخام أو الشحنات المقطورة التي تنقل القمح من مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، وأصبح العاملون في الإدارة الذاتية التابعة لـ”قسد” هدفاً سهلاً لخلايا “الدولة” التي تقوم بخطفهم وقتلهم.

كما عمد التنظيم إلى توسيع دائرة المعارك مؤخراً لتشمل فتح جبهات مختلفة مع الجيش السوري، ونفَّذ كمائن منفردة بحق العناصر المنتسبين إلى مجلس دير الزور العسكري التابع لـ”قسد”، وعاد التنظيم إلى مرحلة النحر وقطع الرؤوس لبعض العسكريين المحليين المنضوين في الميليشيات الإيرانية أو ضمن “قسد”؛ وهو ما يشير إلى السيطرة الفعلية والراحة الكبيرة لعناصره، وعدم الخوف من المطاردة أو البحث عنهم.

اقرأ أيضاً: نهاية الحملة العالمية ضد “داعش” في سوريا.. ماذا بعد؟

هنا يطرح كثيرون تساؤلاً مهماً مفاده: هل سيبقى النشاط الكبير لخلايا تنظيم “الدولة الإسلامية” في شرق الفرات بؤراً وخلايا تضرب وتختفي أم أنها ممكن أن تتحول إلى أماكن سيطرة ونفوذ على الأرض؟

خلايا نائمة لـ”داعش” خلال إحدى العمليات المسلحة في البادية- (وكالات)

من العمل العلني إلى السري

رغم العمليات النوعية التي ينفذها “تنظيم الدولة الإسلامية” في مناطق شرق الفرات السورية؛ وهي المساحة التي يتحرك فيها منذ عام 2016، بعد سيطرته على أجزاء واسعة من العراق، وتمدده في سوريا؛ فإنه لا يمكن التعامل مع هذا النشاط بوصفه مقدمة لإعادة إحياء التنظيم بصيغة الدولة الإسلامية التي كان عليها، لكنه وحسب تقديرات خبير الأمن الاستراتيجي، ومدير عام الطريق الثالث للاستشارات الاستراتيجية؛ عمر الرداد، بالإضافة إلى خبراء مكافحة الإرهاب الدوليين في المنطقة، بمَن فيهم دوائر صناعة القرار العسكرية والأمنية في أمريكا وأوروبا، يشير إلى “استمرار قدرة (داعش) على شن عمليات في سوريا والعراق”.

اقرأ أيضاً: ما السر وراء تركيز “داعش” على “استراتيجية الصبر” في الفترة الحالية؟

يقول الرداد، في تصريحاتٍ خاصة أدلى بها إلى “كيوبوست”: إنه على الرغم من مقتل زعيم التنظيم البغدادي، والضربات التي تعرض إليها التنظيم في البادية السورية، بعد فقدانه الأرض من معسكرات وقواعد؛ فإن الهجمات عادت في غالبيتها لتنفذ على طريقة حرب العصابات وغالبيتها عمليات ليلية، وهو ما يعني العودة إلى الأساليب التي يستخدمها “القاعدة” تاريخياً.

عمر الرداد

وفي سياقٍ متصل، يسعى الخبير في شؤون الجماعات والتيارات الجهادية مروان شحادة، إلى تقديم رؤية مقاربة إلى ما قدمه الرداد، منوهاً بأن تنظيم الدولة الإسلامية بعد هزيمته وخسارته مشروعه السياسي في الموصل والرقة، وآخر معاقله في بلدة الباغوز، بمحافظة دير الزور عام 2019، تحوَّل التنظيم من العمل العلني فوق الأرض إلى العمل السري، مؤكداً أن هذا التحول كانت له استراتيجيات وتكتيكات في طبيعة المعركة التي يخوضها والتي تستند إلى استراتيجية عسكرية في الكرّ والفرّ، بمعنى أن التنظيم يقوم بعملياتٍ تستهدف المعادين له من التحالف الدولي؛ فكل الأطراف والأشخاص والمؤسسات والتجمعات والفصائل التي شاركت في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية في ظلِّ التحالف الدولي هي أهداف مشروعة للتنظيم، ناهيك بمَن يطلق عليهم التنظيم “الصحوات”؛ سواء العشائرية أو غيرها من الفصائل.

اقرأ أيضا: هل يعود “داعش” إلى العراق عبر “الشبكة المظلمة”؟

لذلك يرى شحادة أن التنظيم إذا ما تمت مراقبة معظم عملياته في المرحلة الأخيرة، فإن المتابع لها يرى أنها تستهدف القوات الأمريكية، وقوات النظام السوري، وقوات “PKK” وبعض شيوخ العشائر الذين عملوا ضد التنظيم، وتقوم عناصره بعمليات اغتيالٍ، وأيضاً عمليات زرع عبوات ناسفة، أو ما يُسمى بـ”العمليات الانغماسية”، وهذا يدلِّل على أن التنظيم يحاول بما يمتلكه من أسلحة وأموال، حسب رؤية شحادة، القيامَ بإعادة انتشار دون السيطرة المكانية، لأنه شعر أنه لا يمكن أن يعود كسابق عهده.

عناصر تابعة لتنظيم داعش الإرهابي – أرشيف

خطوط إمداد التنظيم بالسلاح

خطوط إمداد التنظيم وحصوله على العتاد والسلاح والدعم المادي بقيت محضر تساؤلات دائمة من قِبل العديد من الخبراء والمراقبين، رغم أنه تعرض إلى ضرباتٍ كبيرة أجبرته على الانسحاب إلى مناطق البادية، وأين يرتكز عناصر وأفراد التنظيم في الظروف الحالية.

وحول ذلك، يجيب الرداد بالتأكيد أن “داعش” يمتلك “ترسانة” أسلحة متنوعة، استولى عليها من الجيش العراقي عام 2016، وظهرت عبر وسائل الإعلام من قِبل “داعش” في استعراضاته العسكرية ضمن حملاته الدعائية؛ بما فيها دبابات وسيارات دفع رباعي وصواريخ متنوعة ومدافع، وهناك الكثير منها ما زال “داعش” يحتفظ بها في سوريا والعراق، كما حصل “داعش” على كمياتٍ كبيرة من الأسلحة خلال السنوات الأربع الماضية في سوريا من خلال معارك كسبها مع الجيش السوري والميليشيات الإيرانية، رغم أن الشكوك تحوم حول بعضها، بأنها تمت بتواطؤ من جهات إيرانية وسورية، وهذا ما يشير إليه الخبير الأمني عمر الرداد؛ “خصوصاً بعد سيطرة (داعش) على آبار النفط السورية شرق الفرات”، كما أن استمرار التواصل بين قطاعات التنظيم في سوريا والعراق، وضعف القبضة الأمنية لبغداد ودمشق على حدودهما سهَّل انتقال الأسلحة بين سوريا والعراق.

الخبير في شؤون الجماعات الجهادية مروان شحادة، يتحدث بدوره عن مصادر التمويل والأسلحة لدى التنظيم، مشيراً في تصريحاتٍ خاصة أدلى بها إلى “كيوبوست”، إلى أنه كان يمتلك أموالاً طائلة من الذهب والعملات الصعبة، وكذلك من الاستثمارات التي ما زالت قائمة في كثير من البلدان، كما يمتلك عتاداً وأسلحة كبيرة كانت موجودة في مستودعات فوق الأرض؛ بعضها انتقل إلى تحت الأرض، “فكما بدأ من الصفر وانتقل من الثورة، والتي هي التنظيم، إلى الدولة، فمن السهل أن ينتقل من الدولة إلى التنظيم، وإلى الثورة مرة أخرى”، والإمكانات التي يحتاج إليها هي متوفرة بين يدَي مَن بقوا على ذات المنهج دون اعتقال أو قتل أو مطاردة أو دون ترك للتنظيم، فكما هو معروف شهد التنظيم انشقاقاتٍ وخلافات وتصدعات، وهناك قيادات وعناصر كثيرة تركت أو غادرت التنظيم.

مروان شحادة

سقوط نظرية الأرض

رغم سقوط نظرية الأرض التي أُقيم عليها ما يعرف بمسمى “الخلافة الإسلامية”؛ فإن المساحة الواسعة والتواصل بين الباديتَين السورية والعراقية، تشكِّل العمقَ الاستراتيجي لتنظيم الدولة الإسلامية، فحينما نتحدث عن البادية السورية نتحدث عن 80 ألف كم مربع، وهي مساحة تعادل مساحة الأردن تقريباً، تتبع سبع محافظات سورية، بينما تشكل صحراء غرب العراق البالغة نحو 150 ألف كم مربع، الضفة الأساسية الثانية لهذا العمق الاستراتيجي لـ”داعش”، وتشكل هذه الصحاري ساحات عمليات وتمركز أيضاً لخصوم “داعش” من ميليشيات إيرانية وعراقية؛ تتمثل على وجه الخصوص في “الحشد الشعبي العراقي”، بالإضافة إلى الجيشَين السوري والعراقي؛ وهو ما يفسِّر الضربات “المجهولة” التي توجَّه إلى بعض الأهداف في هذه المناطق، وهي مقاربة أكدها عمر الرداد الذي يرى بدوره أن عدد عناصر تنظيم داعش في أوج نشاطه، وفي تقديراتٍ أمنية وعسكرية، قد وصل إلى ما يقارب 100 ألف عنصر، غالبيتهم كانوا في سوريا، إلا أنه وبعد العمليات التي تعرض لها “داعش”، وضربه في معاقله، تناقص عدد عناصر التنظيم وفقاً لأبرز التقديرات اليوم، ليصل إلى ما بين “10- 15” ألف مقاتل يتوزعون في البادية السورية على شكل عصابات مسلحة تشنّ عمليات ليلية ضد أهدافها، مشدداً على أن هذا التناقص في عدد عناصر التنظيم يفتح الأفق أمام سيناريوهات الساحات التي انتقلت إليها عناصر “داعش”.

اقرأ أيضاً:” داعش” يتقلص في مناطق ويتمدد في أخرى!

كما يشير الرداد إلى أن هذا التناقص في أعداد “داعش” مرتبط بعدة أسباب؛ منها: أن كثيراً من العناصر السورية والعراقية والتي تشكل الجسم الرئيس للتنظيم غادرتِ التنظيم، كما أن عمليات التصفية والاعتقال الواسعة لعناصر التنظيم خلال معارك الباغوز والرقة وشرق الفرات، ومغادرة بعض عناصر التنظيم من جنسيات أوروبية وآسيوية وعودتهم إلى بلدانهم أو انتقالهم إلى ساحات أخرى؛ من بينها أفغانستان، كلها أسباب رئيسية في ضعف وتراجع التنظيم ميدانياً، إضافة إلى أن انضمام بعض عناصر “داعش” إلى تنظيماتٍ جهادية أخرى في سوريا؛ من بينها جبهة النصرة، وفصائل جهادية أخرى، أسهمت في تراجعه بشكل كبير، وأدت إلى خسارته الميدانية وسيطرته على الأرض.

ويختم الرداد حديثه حول مستقبل “داعش” في المرحلة المقبلة ومدى القدرة على بقائه، معتبراً أن “بقاء التنظيم سيبقى مرهوناً بحسابات جهات دولية وإقليمية وظَّفت عنوان داعش لتحقيق مكاسب سياسية”، وتلك الحسابات تشمل كل القوى الفاعلة في الملفين السوري والعراقي.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مصطفى أبو عمشة

باحث وكاتب صحفي فلسطيني مهتم بشأن الشرق الأوسط والإسلام السياسي

مقالات ذات صلة