الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

بعد عام على عودة “طالبان”.. التاريخ يعيد نفسه!

أخفقت الحركة في تقديم خارطة طريق سياسية للبلاد.. بينما تشهد الأفغانيات صفحة سوداء جديدة من تاريخهن

كيوبوست

بين عشية وضحاها، ومع سيطرة “طالبان” على السلطة، فقدت 14 مليون امرأة وفتاة أفغانية حقها في الذهاب إلى المدرسة الثانوية أو الجامعة، وحقها في العمل والتنقل، حسب ما نُشر في تقرير أعدتهفوربس” حول الوضع في أفغانستان، فباتت الدولة الوحيدة في العالم التي تُمنع فيها الفتيات من الذهاب إلى المدرسة الثانوية، فضلاً عن عدم وجود نساء بالحكومة؛ مما يلغي فعلياً حق المرأة في المشاركة السياسية، خصوصاً أن غالبية النساء محظور عليهن العمل خارج المنزل، مع طلب تغطية وجوههن في الأماكن العامة، وأن يكون معهن مرافق من الذكور عند السفر.

وقالت “فوربس” إنه، وبموجب المرسوم الذي أصدرته حركة طالبان في مايو 2022 بفرض ارتداء الحجاب الإسلامي، أصبح الأقارب الذكور مسؤولين عن تنفيذ المرسوم، بينما تُحرم غالبية النساء من الوصول إلى الخدمات الأساسية، وقوبلت احتجاجاتهن السلمية بعنف.

اقرأ أيضًا: بعد مرور عام.. أفغانستان أصبحت أرض اليأس والحزن

تفسيرات متشددة

وحسب تحليل نُشر عبر موقع مجلس العلاقات الخارجية، فإن “طالبان” فرضت تفسيراً متشدداً للشريعة الإسلامية، على الرغم من التعهدات باحترام حقوق المرأة والأقليات والعفو عن الأشخاص الذين دعموا الولايات المتحدة، خلال وجودها في أفغانستان، مع انتقالها من جماعة متمردة إلى السلطة الحاكمة في وقت واجهت فيه صعوبات بتوفير الغذاء وفرص العمل.

وأوضح أن الحركة منذ استعادة سيطرتها على أفغانستان عادت بالبلاد إلى ما كان يحدث في فترة حكمها، في وقت واجهت فيه البلاد مشكلات بالأمن الغذائي، وسط قلق من المراقبين الدوليين بشأن دعم الحركة للمنظمات الإرهابية؛ حيث يمكن أن تصبح أفغانستان ملاذاً آمناً للإرهابيين القادرين على شن هجمات ضد الولايات المتحدة وحلفائها.

مقاتلون من “طالبان” على مشارف مدينة باريان في مقاطعة بانشير- “فورين بوليسي”

سلة الأيديولوجيا الدينية المتطرفة والانحيازات السياسية التي تعتمدها حركة طالبان هي سلة عاجزة عن إنجاز مشروع الدولة في أفغانستان، حسب رئيس تحرير “البيت الخليجي للدراسات والنشر” عادل مرزوق، الذي يقول لـ”كيوبوست”: إن الدعايات السياسية التي رافقت عودة “طالبان” إلى سدة الحكم وحاولت التسويق السياسي لهذه الحركة لم تصمد أمام حقيقة أنها حركة متطرفة، سرعان ما أعادت العمل بأغلب سياساتها المتطرفة والمعادية لحقوق الإنسان.

عادل مرزوق

وأضاف أن الإجراءات لم تقتصر على إغلاق المدارس الثانوية الخاصة بالفتيات، واستبعاد النساء من الوظائف الحكومية، وتقييد حقهن في التنقل والسفر؛ بل شملت إلزام النساء بوضع النقاب في الأماكن العامة، وتغليب التفسيرات المتطرفة للنصوص الدينية والأحكام الشرعية، وهو ما حوَّل حياة الأفغانيات إلى جحيم في ظل اقتصاد متهالك وأداء حكومة فاسدة وغير مؤهلة.

يدعم هذا الرأي المحلل السياسي والصحفي عمر البوسعيدي، الذي يقول لـ”كيوبوست”: “إن (طالبان) أعادت أفغانستان إلى ما كانت عليه في فترة حكمها السابقة، وبخلاف إبعاد النساء والفتيات عن الحياة العامة؛ فإن الحركة نكست بوعودها في ما يتعلق بتعليم النساء في إطار الشريعة، وإتاحة فرصة الدراسة والعمل لهن، فضلاً عن منع النساء من العمل”.

اقرأ أيضاً: أفغانستان تحت حكم طالبان ستكون مرتعًا للإرهاب الدولي

عمر البوسعيدي

مرونة نسبية

لكن رئيس مركز أفغانستان للدراسات والإعلام، د.فضل الهادي وزين، يقول لـ”كيوبوست”: إن سياسات حركة طالبان تشهد بعض المرونة ببعض القضايا؛ من بينها وسائل الإعلام التي يسمح لها بانتقاد الحكومة. ورغم وجود بعض القيود بالفعل؛ فإن هناك نوعاً من التغير داخل الحركة، حيث بات داخل الحركة نوعان من القيادات؛ الأول القيادات المتشددة، والثاني الحمائم الذين يريدون مرونة ببعض الأمور، وهو أمر لم يحسم داخلياً، ولا توجد أية دلالات لانفراجة سياسية بالمستقبل القريب.

وحسب تحليل نشرته “فورين أفيرز“، فإنه رغم المشكلات التي كانت موجودة قبل أغسطس 2021؛ فإن أفغانستان قبل هذا التاريخ كانت دولة حرة وديمقراطية، في الوقت الذي أصبحت فيه دولة تعاني اضطراباً وفوضى، وعلى شفا أسوأ أزمة إنسانية بالعصر الحديث، فاقتصادها بحالة يرثى لها، ويواجه شعبها انعدامَ أمن غذائي حاداً في وقت تزايدت فيه حالة الاتجار بالبشر والمخدرات.

فضل الهادي وزين

وقالت المجلة الأمريكية إن العالم لا يجب أن يسلم الأفغان لهذا المستقبل الكئيب، فلا تزال هناك قوة واحدة -على الأقل- تسعى لدحر “طالبان” ومحاربة الجماعات الإرهابية؛ من أجل استعادة الديمقراطية؛ وهي جبهة المقاومة الوطنية الأفغانية التي يقودها أحمد شاه مسعود، التي خاضت معارك ضارية ضد “طالبان” قبل أن تنسحب في سبتمبر الماضي إلى الوديان الجانبية في بنجشير، وتبني استراتيجية حرب العصابات؛ حيث لا تزال تنشط في جميع أنحاء البلاد، في الوقت الذي لم يقدم لها فيه المجتمع الدولي أي دعم لمساندتها في إنقاذ أفغانستان من القبضة الوحشية والقمعية لـ”طالبان” وحلفائها الإرهابيين.

يؤكد عادل مرزوق أن تراجع أحداث العنف في البلاد لا يعني أن حياة الناس أصبحت آمنة؛ فالحركة المتطرفة -في حد ذاتها- تمثل الخطر الأكبر على حياة الناس واستقرارهم، يُضاف إلى ذلك أنها لا تزال تلعب دور الحاضنة لجماعات إسلاموية متطرفة؛ في مقدمتها تنظيم القاعدة الذي قتل زعيمه في عملية أمريكية مؤخراً في منزل أحد قيادات الحركة.

عملية أمريكية تنهي حياة أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة- أرشيف

فرض الواقع

عبد العزيز المعمري

يبقى الشعب الأفغاني هو الذي يعاني من الصعوبات والتحديات الحياتية، والأوضاع المعيشية والاقتصادية تزداد سوءاً منذ سيطرة حركة طالبان على الحكم في أفغانستان، بحسب الكاتب والمحلل الإماراتي عبد العزيز المعمري الذي يقول لـ”كيوبوست”: إن هناك غياباً كبيراً لحقوق المرأة الأفغانية في التعليم، كما أن هناك شبه انعدام للأمن الغذائي الذي يزيد على 50% من الشعب الأفغاني.

وأضاف أنه بعد مرور عام كامل لم تسعَ الحركة إلى فهم النظام العالمي، ولم تستطع تغيير فكرها؛ من فكرة حركة أو تنظيم إلى فكر حكومة ودولة، بل إنها لم تفِ بوعودها للمجتمع الدولي، مؤكداً أن الحركة بحاجة إلى مراجعة ثوابتها وفكرها حتى تستطيع إنقاذ الشعب الأفغاني وتحويل أفغانستان إلى دولةٍ طبيعية تستطيع بناء علاقات دولية؛ وبالتالي يمكنها أن تستقطب المساعدات والاستثمارات اللتين يستحقهما البلد والشعب.

عودة “طالبان” إلى حكم أفغانستان قسرياً ليس بالأمر الجديد، إلا أن التحدي الأخلاقي والسياسي هو القبول بالأمر الواقع، وتأسيس لاعتراف دولي بتنظيم صُنِّف إرهابياً من المجتمع الدولي، حسب الكاتب البحريني عبدالله الجنيد، الذي يقول لـ”كيوبوست”: إنه وبقياس النتائج بعد مرور عام، فإن الحركة لم تخالف منهجها في إعادة أفغانستان إلى دورة جديدة من القهر السياسي والاجتماعي.

عبدالله الجنيد

وأضاف أن مواقف الحركة لم تتغير من الحقوق والحريات، وهو ما يطرح عدة أسئلة؛ أبرزها: هل يجب أن نقبل بنظام لا يملك رؤية وطنية منتمية إلى التاريخ البشري الحديث، وكل مؤهلاته هو اختطاف إرادة الشعب الأفغاني تحت ذريعة إقامة إمارة إسلامية؟

لم تقم حركة طالبان بأي تغييرات عن الفترة الأولى لحكمها، حسب المحلل السياسي الأفغاني الدكتور فضل الله ممتاز، الذي يقول لـ”كيوبوست”: إن جزءاً من أسباب تأخر الاعتراف الدولي بالحركة مرتبط بمواقفها من حقوق الإنسان، والإحراج الذي تسببت فيه في السابق للدول التي اعترفت بها خلال فترة حكمها الأولى؛ خصوصاً عقب أحداث 11 سبتمبر، مشيراً إلى أن بعض التصريحات الصادرة عن بعض مسؤولي الحركة يعكس -بشكل واضح- استمرار وجود آراء متشددة.

اقرأ أيضاً: عودة حركة طالبان الباكستانية بعد استعادة طالبان السلطة

فضل الله ممتاز

وأضاف أن سياسات الحركة وإعلان تطبيق الشريعة، بالإضافة إلى غياب الرؤية بشأن الدستور وآليات تطبيق القانون، أدت إلى إفقار الأفغان، وهو ما يظهر بشكل واضح بازدياد نسبة الفقر بين المواطنين، فضلاً عن انتشار حالات التسول بجميع المدن؛ بما فيها العاصمة كابول، مع الأخذ في الاعتبار غياب التمثيل السياسي العادل لمختلف الطوائف.

يشير فضل الهادي وزين إلى أن “طالبان” أخفقت في تقديم خارطة طريق سياسية للبلاد بعد وصولها إلى السلطة، فلا تزال تدير البلاد عن طريق حكومة مؤقتة، فلم تضع دستوراً جديداً أو تصوراً عن دستور مستقبلي للبلاد، بالإضافة إلى غياب الرؤية بشأن طريقة انتقال السلطة سياسياً، فهناك حالة من عدم الثقة والوضوح بالمستقبل السياسي للبلاد، وهو أمر سيؤثر على الوضع الاقتصادي والتنمية؛ لأن عدم تحقيق الاستقرار السياسي سينعكس على جميع المجالات.

عناصر من حركة “طالبان”

عيوب أنظمة

يؤكد تحليل “فورين أفيرز” أن الحكومة الأفغانية قبل 2021 لم تكن خالية من العيوب؛ فكانت الحكومات على مدار العقدين الماضيين شديدة المركزية، ومبنية حول شخصية رئيس يشبه الملك؛ وهو ما خلق ظروفاً أدت إلى انتشار الفساد وتمكين المقربين والحلفاء السياسيين، وتهميش مصالح غالبية الأفغان؛ وهو ما أدى إلى السخط على الحكومة وانضمام العديد من الأفراد إلى حركة طالبان بمختلف أنحاء البلاد.

تشير “فورين أفيرز” إلى أن جبهة الخلاص الوطني تؤمن بأن حكم أفغانستان يجب أن يكون من خلال ديمقراطية لا مركزية، ونظام سياسي من شأنه أن يمثل المجموعات العرقية بشكل يضمن حقوقاً متساوية لجميع المواطنين، بغض النظر عن العرق والدين والجنس، في بلد لا تشكل فيه مجموعة عرقية واحدة غالبية السكان؛ وهو ما يجعل النظام السياسي اللا مركزي هو الوحيد القادر على توزيع السلطة بشكل عادل بما يضمن الاستقرار السياسي ويضمن العدالة.

اقرأ أيضاً: ماذا تعني عودة “طالبان” إلى السلطة في أفغانستان؟

المُربك في المشهد الأفغاني، وهو ما يجدر بنا التنبه له، حسب عادل مرزوق، أنه لا وجود لأية قوة سياسية أو عسكرية تستطيع منافسة هذا التنظيم أو تقديم نفسها كبديل مقنع للأفغان؛ وهو ما يعني أن فرص سيطرة واستمرار حركة طالبان في سدة الحكم تبدو واعدة، وأن المجتمع الدولي سيكون عليه التعامل معها باعتبارها سلطة أمر واقع، على الرغم من أن الحركة لن تكون في مأمن ولن تنجح في مشروع بناء دولة مستقرة، فمهما طال بها الأمد ستبقى “طالبان” سلطة مؤقتة وعاجزة عن ضمان ديمومتها.

يشدد المعمري على أنه في حال لم تستطع حركة طالبان تغيير فكرها -وهذا ما هو واضح حتى الآن- فلن تستطيع كسب أي تأييد دولي أو تعاون معها باعتبارها دولة؛ وبالتالي فالمستقبل السياسي لا يبشر بخير، ولا توجد مؤشرات تدل على رغبة طالبان في مراجعة فكرها وتقديم مصالح الشعب الأفغاني وانتشاله من الوضع السيئ الذي تسببت به الصراعات والتنظيمات الإرهابية التي وجدت أفغانستان بيئة خصبة لتواجدها والانطلاق منها، لافتا إلى أنه حتى الآن لم تعترف أي دولة بحركة طالبان، وحسب المؤشرات فلا توجد توقعات للاعتراف بها، ما لم تتغير حركة طالبان وتعيد تقييم وضعها وفكرها وثوابتها.

يختتم عمر البوسعيدي تصريحاته بالتأكيد أن التهديد الأكبر لحركة طالبان يأتي من الداخل، ويتمثل في “داعش” وتنظيم القاعدة؛ خصوصاً أن تراجع العمليات التفجيرية في أفغانستان لا يعني استقرار حكم “طالبان” التي تواجه تحديات عديدة؛ خصوصاً في ما يتعلق بالسياسة الخارجية في ظل استمرار حالة عدم الاعتراف الدولي بحكمها، وعدم قدرتها على الانخراط في المجتمع الدولي.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة