الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

بعد سيطرة الإخوان وزعماء القبائل.. هل يصبح شرق السودان مقراً للجماعات الإرهابية؟

تفجير نادي الأمير قد يدشن مرحلة جديدة من الصراع السياسي الداخلي والإقليمي على منطقة شرق السودان الاستراتيجية المطلة على البحر الأحمر

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

في حادثةٍ غير مسبوقة بالسودان، ألقى ثلاثة أفراد كانوا على ظهر دراجة بخارية، عشيِّة السبت الماضي، قنبلة (جرانيت) على نادٍ رياضي بميناء بورتسودان على ساحل البحر الأحمر، أودت بحياة 4 أشخاص وإصابة 6، حسب لجنة الأطباء المركزية السودانية.

تفجير نادي الأمير ربما يدشن مرحلة جديدة من الصراع السياسي الداخلي والإقليمي على منطقة شرق السودان الاستراتيجية المطلة على البحر الأحمر، المنفذ البحري الوحيد للسودان على العالم، كما تجاور ثلاث دول مهمة “مصر وإثيوبيا وإريتريا”، والأخيرتان تشهدان توتراتٍ عنيفة بسبب الحرب في إقليم تيغراي (شمال إثيوبيا)، يشارك فيها الجيش الإريتري بجانب الجيش الفيدرالي الإثيوبي، ضد الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي المعروفة بـ(ويّانّى). وما يزيد المشهد تعقيداً في شرق السودان هو أن جُل القبائل التي تقطن الإقليم لها امتدادات إلى مصر وإريتريا؛ ما يجعل احتمال نقل الصراع إلى تلك الدول وراداً، وفقاً لمراقبين.

جمهرة لمواطنين حول نادي الأمير بمدينة بورتسودان عقب التفجير الإرهابي- وكالات

بعد شهرٍ واحد فقط من إطاحة جماعة الإخوان المسلمين عن السلطة في السودان، وقبل تكوين الحكومة الانتقالية الحالية، كان ما يعرف حينها بالمجلس العسكري الانتقالي بقيادة الفريق عبدالفتاح البرهان، يدير البلاد، بينما كانت كل مفاصل الدولة بمؤسساتها الأمنية والعسكرية والخدمة المدنية تحت قبضة الجماعة التي بدأت في نسج خططها لتفجير الأوضاع في البلاد حال لم يتم استيعابها في الصيغة الانتقالية الجديدة، فاختارت شرق السودان ميداناً لمعركتها القادمة؛ من أجل إفشال الانتقال الديمقراطي، والعودة إلى الحكم مجدداً، فكانت مدينة “القضارف” المتاخمة للحدود الإثيوبية والتي تضم كبرى مزارع السمسم والذرة وزهرة الشمس في البلاد قاطبة، المنصة الأولى لإطلاق “فتنة الشرق”.

اقرأ أيضاً: السودان في ذكرى الانقلاب.. 30 عاماً من الفساد والإرهاب بسبب الإخوان

ومن مشاجرة شخصية بين فردَين من قبيلتَين، انتهت إلى مقتل أحدهما، بينما سلم القاتل نفسه إلى الجهات الأمنية المختصة، استغلت جماعة الإخوان المشاجرة وأشعلت الحرائق وأطلقت الرصاص ومتفجرات المولوتوف في حي تقطنه غالبية من قبيلة القاتل، فتصارعت القبيلتان؛ لكنهما لم تلبثا كثيراً حتى عادت الأمور إلى نصابها.

لكن، سرعان ما نُقل الصراع السياسي ذو الواجهات القبلية إلى كل مدن شرق السودان، إلى خشم القربة وحلفا وكسلا وبورتسودان، ليستقر في الأخيرة، التي تعتبر ميناء البلاد الأول وإطلالاتها الاستراتيجية إلى الخارج.

فلول الإخوان وصلاح قوش

يعتقد خبراء أمنيون، ومصادر حكومية نافذة على رأسها نائب رئيس مجلس السيادة، وقائد قوات الدعم السريع، أن أحداث شرق السودان مصطنعة من قِبل فلول نظام البشير وأعوانه من زعماء القبائل وبعض الجهات الخارجية، بقيادة صلاح قوش، مدير المخابرات الأسبق، الهارب خارج البلاد، والمطلوب من قِبل السلطات السودانية عبر البوليس الدولي (إنتربول)؛ خصوصاً أنه عاش جزءاً من حياته في مدينة بورتسودان.

مدير جهاز الأمن والمخابرات الأسبق الإخواني “صلاح قوش”- وكالات

وكان قوش ولا يزال يعمل بدأب عبر أذرعه الأمنية والقبلية وأعوانه الكامنين في مفاصل الدولة، وبدعم من أنصار حزبَي المؤتمر الوطني والشعبي (الإخوانيَّين)، على وأد عملية الانتقال الديمقراطي، وإجهاض التوجه المدني والعودة بالبلاد إلى عهد الإخوان الظلامي؛ عبر إشعال العنف وتكريس خطاب الكراهية والعنصرية والقبلية المتفشية في السودان، بيد أن معظم محاولاته باءت بالفشل؛ لا سيما محاولاته الانقلابية الصريحة التي نفذتها، منتصف يناير 2020، قوات هيئة العمليات التابعة لجهاز الأمن والمخابرات، والمكون على أساس العقيدة الإخوانية والولاء الشخصي لصلاح قوش.

كعب أخيل

زعيم قبيلة الهدندوة وعضو حزب المؤتمر الوطني المحلول (إخوان مسلمون)- وكالات

إجهاض الثورة

من جهته، قال الكاتب الصحفي والمحلل السياسي، محمد جميل أحمد لـ”كيوبوست”: إن احتمال تداعي الجماعات الإرهابية إلى شرق السودان المأزوم، يظل وارداً بطبيعة الحال؛ نظراً لأن الفوضى المُراد إحداثها في المنطقة هدفها إجهاض الثورة السودانية، بوصف الشرق “كعب أخيل” هذه الثورة ونقطة ضعفها الأساسية؛ لذا -يضيف أحمد- فإن شرق السودان سيظل بوابة لمعركة عناصر النظام السابق ضد الثورة. وعلى رأس القائمين على سيناريو الفوضى هذا، شخصيتان من شرق السودان، من كبار “نظام عمر البشير”، كانت حظوظهما في تسلم منصب رئاسة الدولة إلى جانب رئاسة الوزراء قبل الثورة، قاب قوسين أو أدنى، ونقصد بذلك صلاح قوش، رئيس جهاز أمن نظام البشير، ومحمد طاهر إيلا، آخر رئيس للوزراء في عهد البشير، إلا أن انتصار الثورة أطاح بتلك الحظوظ.

اقرأ أيضاً: السودان يطارد فلول الإخوان في الخارج.. فهل ينجح؟

محمد جميل أحمد

اللجنة الأمنية الحالية في ولاية البحر الأحمر (شرق السودان) هي التي تتولى تدابير مخطط إجهاض الثورة برسمها سيناريوهات الفتنة، يردف أحمد، قبل أن يستدرك قائلاً: كل التفاصيل والتحليلات تدل على هذا الاستنتاج؛ لأن ما بدا واضحاً تماماً، بعد عامين من دفع الأمور في شرق السودان إلى لحظة الانفجار الشامل، هو أن تجدد موجات الاقتتال الأهلي (منذ إطلاقها عبر مخطط هذه اللجنة الأمنية ذاتها في يوم 4 يونيو 2019 تزامناً مع فض اعتصام القيادة العامة في الخرطوم) وصل هذه المرة إلى الموجة السادسة دون أن تتم محاكمات أو عقوبات أو نتائج تحقيق معلنة حول مَن تسبَّب في الموجات الخمس الماضية من فتنة الاقتتال الأهلي.

 هناك مؤشرات كثيرة، والحديث لا يزال لأحمد، تدل على أن اللجنة الأمنية بقيادة عبدالله شنقراي، والي ولاية البحر الأحمر (مركز النزاع)؛ وهو والٍ يخضع خضوعاً مطلقاً لما يُسمى بالمجلس الأعلى لنظارات البجا (مجلس قبلي) بقيادة، محمد الأمين تِرِكْ، زعيم قبيلة الهدندوة، تتخذه عناصر الثورة المضادة في نظام الإخوان المسلمين البائد مطيةً أخيرةً لإجهاض الثورة.

يواصل أحمد حديثه إلى “كيوبوست”: على خلفية حادثة انفجار قنبلة في نادٍ بحي سلبونا بمدينة بورتسودان، (وهو حي يقطنه مكون قبلي لم يكن منخرطاً في أحداث الاقتتال الأهلي)، ورغم أن العملية الإرهابية شهدها مواطنون كثر، وظهر فيديو يبدو فيه رجل تحت قبضة مواطني الحي بما يوحي بشبهة ارتكابه الجريمة.. رغم ذلك؛ فإن اللجنة الأمنية لم تبيِّن هوية الجناة في حادثةٍ تدل كل عناصرها على سهولة الوصول إلى هويتهم!

اقرأ أيضاً: السودان دولة علمانية.. وجماعة الإخوان تشعر بالمرارة!

تواطؤ اللجنة الأمنية

وبالجملة، يمكن القول إن ما يحدث في مدينة بورتسودان من خلال استهداف اللجنة الأمنية قبائل محددة بهدف جرها إلى حرب أهلية، بدأ في التحول إلى جرِّ مكوناتٍ أخرى في المدينة للدخول إلى دائرة العنف والاقتتال الأهلي. ومع ذلك، فإن احتمالاً لتقاطعات مصالح آخرين في جريمة نادي الأمير الإرهابية بحي سلبونا لا يخلو من الإيحاء بتورط استخبارات دولة مجاورة، ما دام الهدف هو إجهاض الثورة السودانية؛ وهو هدف تتقاطع فيه مصالح محاور متعددة في الداخل والخارج.

 

أمير بابكر

بالنسبة إلى الصحفي والمحلل السياسي أمير بابكر، فإن عملية تفجير القنبلة في نادي الأمير بحي سلبونا في البر الشرقي لمدينة بورتسودان، وهو الحدث الذي استعجله منفذوه قبل اكتمال أركان المُخطط الذي يستهدف المدينة والشرق عموماً، يرمي إلى جرِّ سكان الشرق والزج بهم في أتون صراعاتٍ قبلية؛ ومن ثم النفاذ من خلال ذلك الكعب بعد تسميم الجسد إلى تحقيق مرامي من يخططون لافتعال تلك الصراعات لأهدافهم على جثث الأبرياء ودمائهم.

هل في الشرق صراعات قبلية؟ يتساءل بابكر، في سياق مداخلته لـ”كيوبوست”، تعقيباً على الأحداث بشرق السودان، ويجيب: لا شك في ذلك؛ فطبيعة التطور الاجتماعي والاقتصادي تقول إن الأمر طبيعي في هذا السياق، طالما ظل الشرق، مثله ومناطق كثيرة في السودان، إن لم يكن كلها، يعاني غياب التنمية والإهمال، وخلال تسيُّد الإسلاميين المشهد عمدوا إلى إثارة النعرات القبلية، وخلط حابل السياسة بنابل القبلية.

عبدالله شنقراي والي ولاية البحر الأحمر بشرق السودان- وكالات

في العام الماضي، يشير بابكر، وإبان تصاعد التوترات القبلية في مناطق عديدة من الشرق، بدا جلياً أن الوعي الذي اكتسبته الجماهير خلال فترة مقاومة حكم الإسلاميين، وتوج بثورة ديسمبر المجيدة، يأتي أكله، وأن مفاهيم المدنية، كانت الترياق الأنجع لإفشال المخطط؛ لأنها ظلت تتعايش في سلام منذ أمدٍ بعيد، وبدأت تتداخل في ما بينها، والكل يعرف حدوده وحدود الآخر، بغض النظر عن المشكلات المؤقتة التي تظهر هنا وهناك والتي تعود إلى مقاومة التطور الطبيعي للمدنية وتتجلي في الاستنجاد والاستقواء في بعض المنعطفات.

فشل المخطط في جر قبيلتَي الهدندوة وبني عامر إلى الزاوية التي كانت ستهد المعبد على رؤوس الجميع، وجرجر المخططون أذيال خيبتهم خائبين، فالبني عامر والهدندوة، وغيرهما من قبائل البجا، يتوزعون على كل مناطق الشرق، ويتقاسمون مواردها على قلة استغلالها.

اقرأ أيضاً: السودان.. محاسبة الإخوان بعد سنوات من سرقة ثروات الشعب!

هذا الأمر دفع المخططين لإبراز الصراع وكأنه صراع إثني بين البني عامر والنوبة، وهذا أيضاً فشل بشكل كبير، وأهم مظاهر هذا الفشل تتجلى في أن النوبة والبني عامر يعيشون في مناطق أخرى من مدينة بورتسودان، ومدن الشرق الأخرى، في تجانس ووئام.

ربما قادت بعض الوقائع إلى إحداث تشويش مقصود أدَّى ببعض المستنيرين إلى الوقوع في فخ النظر إلى ما يجري وكأنه استهداف لمكون قبلي وتطهير عرقي، يضيف بابكر، ويستطرد: لكن قنبلة نادي الأمير كشفت أن المعركة ليست قبلية، وهكذا فإن المسؤولية الآن هي مسؤولية الدولة بأجهزتها المختلفة، وما يجري يؤكد أحد أمرَين؛ إما أن (الأجهزة الأمنية) متورطة في مخطط الجريمة تجاه الشرق، وإما أنها عاجزة عن السيطرة وتوقيف من يخطط لهذا الأمر الساعي لضرب النسيج الاجتماعي، وترويع المواطنين لتحقيق أغراضه السياسية.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة