الواجهة الرئيسيةشؤون خليجية

بعد سنواتٍ من الإغلاق.. الأسواق السعودية تفتح أبوابها للزبائن في أوقات الصلاة

قرار طال انتظاره وخطوة قوبلت بترحيب شعبي واسع بعد أن أسهم الإغلاق في تعطيل الحركة التجارية لعقود

كيوبوست

في خطوةٍ تنضم إلى عددٍ من الخطوات الأخرى بمسيرة الإصلاحات التي تنتهجها الحكومة السعودية، والتي تأتي ضمن تنفيذ رؤية المملكة 2030، دعا تعميمٌ صادر عن اتحاد الغرف التجارية السعودية، بعد التنسيق مع الجهات المعنية، إلى استمرار فتح المحلات ومزاولة الأنشطة التجارية والاقتصادية طوال ساعات العمل، وخلال أوقات الصلاة، مع اتخاذ الترتيبات اللازمة والإجراءات المناسبة لتنظيم العمل وتقديم الخدمات، والتناوب بين العاملين؛ بما لا يتعارض مع أداء العاملين والمتسوقين والعملاء للصلاة. التعميم بذلك ينهي قراراً سابقاً كان يلزم المحلات بالإغلاق لمدة نصف الساعة على الأقل خلال مواقيت الصلاة على مدار اليوم.

وقد حظي التعميم بردود فعل متفاوتة بين التأييد والرفض والتحفظ بين فئات المجتمع المختلفة، وإن كان قد حظي بتأييدٍ كبير بين الشباب السعودي على مواقع التواصل الاجتماعي، وسرد العديد منهم تجارب مختلفة حول الصعوبات التي كان قرار فرض الإغلاق يتسبب فيها خلال السنوات الطويلة الماضية.

بموجب القرار الجديد ستفتح المحلات أبوابها خلال أوقات الصلاة للمرة الأولى منذ عقود- وكالات

نشاط الصحوة

اتخذ القرار عام 1987، وهو نفس العام الذي بدأت فيه هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تحولها التدريجي من جهاز إرشادي إلى جهاز بوليسي يراقب ويتجسس، حسب الكاتب والباحث السعودي خالد العضاض، الذي يقول لـ”كيوبوست”: إن هذا العام شهد بداية تمدد الصحوة بشكل أكثر؛ لفرض هيمنتها على الخطاب السعودي.

وأصدرت هيئة الأمر بالمعروف القرار في عام 1987، استناداً إلى لائحتها التنفيذية والصلاحيات التي حصلت عليها بما تتضمنه من أحقية أعضائها في مراقبة إقامة الصلاة بأوقاتها وحثّ الناس عليها؛ وهي الصلاحيات التي تقلصت بعد تعديلات اللائحة المعتمدة من مجلس الوزراء السعودي في أبريل 2016، والذي تضمن أن تقوم الهيئة بالدعوة بالرفق واللين، مقتديةً في ذلك بسيرة الرسول، صلى الله عليه وسلم، وخلفائه الراشدين من بعده.

اقرأ أيضًا: الأزياء السعودية.. قطاع زاخر يُعاد إحياؤه من رحم التراث

خالد العضاض

يشير العضاض إلى أن المواد المنظمة لعمل الهيئة خلَت في التعديلات الجديدة من عبارة “وحمل الناس عليها”، وهي الجملة التي يمكن أن يفهم منها حمل الناس على إغلاق المحلات، مؤكداً أن المملكة لا يوجد بها قرار رسمي من قِبل الدولة ينص على إغلاق المحلات التجارية أثناء أوقات الصلاة؛ ولكن القرار كان صادراً من جانب هيئة الأمر بالمعروف حصراً.

تصحيح أوضاع

القرار بمثابة إعادة الأمور إلى نصابها الحقيقي والصحيح من الناحية الشرعية، حسب الشيخ أحمد قاسم الغامدي، المدير السابق لهيئة الأمر بالمعروف في مكة، الذي يقول لـ”كيوبوست”: إنه متوافق مع الشرعية في ظل عدم وجود دليل في الكتاب والسُّنة على إلزام الناس بإغلاق محلاتهم التجارية في أوقات الصلاة؛ وهو أمر لم يكن معهوداً في زمن الرسول والخلفاء المسلمين، وحتى في الدول الإسلامية المتعاقبة، مشيراً إلى أن القرار وضع الأمور في نصابها الصحيح دينياً بإعطاء المتسوقين وأصحاب المحلات الحرية في اتخاذ القرار.

أحمد قاسم الغامدي

وأضاف أنه لا يوجد في صحيح الدين إلزام على صلاة الجماعة، وليس من الصحيح شرعاً إلزام الناس برأيٍ فقهي في مسألة خلافية؛ لأن جمهور الفقهاء يرون أن الجماعة سُنَّة، والإلزام الذي كان مفروضاً به نوع من التكليف بما ليس ملزماً، مشيراً إلى أن المملكة ليس لديها قانون بهذا الأمر؛ ولكن الأمر كان اجتهاداً من هيئة الأمر بالمعروف حتى أصبح عرفاً وأمراً معهوداً.

شاهد: فيديوغراف.. أعوام المرأة السعودية الثلاثة خلف المقود بالأرقام

يحمل القرار بُعداً حضارياً مهماً، حسب الكاتب السعودي المتخصص في الفلسفة شايع الوقيان، الذي يقول لـ”كيوبوست”: إنه بخلاف المزايا الاقتصادية والاجتماعية للقرار، فإنه يأتي للتخلص من إرث الصحوة المتشدد الذي حوَّل التدين من عالم الروح والأخلاق إلى عالم الطقوس والشكليات؛ بسبب الخطابات المرتكزة على الرموز المادية، كاللحية والثوب.. وغير ذلك.

شايع الوقيان

وأضاف أن هذا الخطاب الذي تغلغل فكره في نسيج المجتمع لعقود، جعل كثيراً من الناس يربط بين الدين والشكليات، وبعضهم لا يزال يرى أن قمة التوحيد أن تغلق المحلات وقت الصلاة وتمنع النساء من قيادة السيارة؛ لكن الدولة بقيادتها الصارمة والعقلانية أدركت فساد الصحوة ومنهجها، وأدركت أن الخروج من نفق القرون الوسطى لا يمكن حدوثه بلا عملياتِ إصلاحٍ شاملة وجذرية لا تبقي ولا تذر من الفكر اللا عقلاني شيئاً.

رؤية للمستقبل

القرار يأتي ضمن منظومة قراراتٍ تصبّ مباشرةً في قلب الإصلاحات التي تقوم بها المملكة، وفي قلب رؤية المملكة 2030، وفقاً للباحثة المصرية المتخصصة في الشأن السعودي د.أمل صقر. وأضافت: “هذا القرار استكمال لسلسلة إجراءات تتخذ تباعاً في سبيل إعطاء رؤية إيجابية للمستثمرين الخارجيين قبل الداخليين عن مناخ الاستثمار في المملكة؛ هي آلية إضافية تشجيعية، سواء لمَن يمتلك نشاطاً تجارياً أو للسياحة الخارجية التي لا تتفهم مثل هذا القرار الذي ليس له مثيل في العالم”.

أمل صقر

تتذكر أمل صقر، التي عاشت جزءاً من حياتها في السعودية، موقفاً صعباً حدث معها في طفولتها، بعدما أوقفت هيئة الأمر بالمعروف والدها وخالها، وكانت برفقتهما، بسبب إنهاء إحدى المعاملات بشكل سريع في وقت الأذان؛ حيث احتجز ممثل الهيئة والدها وخالها وصاحب المحل لفترة قبل أن يتم إطلاق سراحهم؛ بسبب بكائها الشديد نتيجة الخوف من الموقف المفاجئ الذي حدث.

أضرار اجتماعية واقتصادية

يقول الشيخ أحمد قاسم الغامدي: إن قرار الإغلاق يثير الكثيرَ من الأضرار الاجتماعية؛ لأن المجتمع يضم فئاتٍ مختلفة، فلا يصح إلزام الكافة بما يعتقد فيه البعض، بالإضافة إلى ما يتسبب فيه من إحراج للأجهزة الأمنية بسبب عمليات السرقة التي تحدث في تلك الأوقات؛ لأن إغلاق المحلات يتم بطريقة بسيطة لقصر مدة الإغلاق، فضلاً عن ضرره الإنساني باضطرار النساء إلى الانتظار والتكدس أمام المحلات انتظاراً لموعد فتحها.

اقرأ أيضًا: القيادة القوية ضرورية الآن أكثر من أي وقت مضى

وأوضح أن قرار الإغلاق يؤدي إلى ضرر اقتصادي؛ بسبب تعطيله الأعمال الضرورية، فمثلاً إغلاق الصيدليات التي قد يحتاج إليها الإنسان بشكل طارئ جاء إلغاء قرار الإغلاق بمثابة أمر قد يسهم في إنقاذ حياة إنسان مثلاً، معتبراً أن من الطبيعي استغلال دعاة التطرف والجماعات المتشددة القرار الذي يسقط رمزية مهمة بالنسبة إليهم لانتقاد المملكة وقيادتها؛ لكونه يخالف أجندتهم التي يحاولون من خلالها الوصول إلى السلطة، ومن ثمَّ يجب معاقبتهم؛ لإضرارهم بالصالح العام، فصلاة الجماعة سُنَّة بها فضيلة ولا يوجد إجبار عليها، كما ذكرت سلفاً.

يخفف تطبيق القرار من الزحام في أوقات الذروة- وكالات

لعقودٍ كانت المرأة السعودية أكثر المتضررين من قرار الإغلاق، حسب الكاتبة الصحفية هدى الصالح، التي تقول لـ”كيوبوست”: إن معاناة المرأة تأتي لمسؤولياتها الاجتماعية مع زوجها وأطفالها واضطرارها إلى استغراق وقتٍ طويل في التسوق نتيجة فترة الإغلاق أثناء الصلاة؛ لا سيما في ظل غياب الإطار المنظم لعملية الإغلاق، والتي تتباين من محل لآخر ومن مركز تجاري لآخر.

هدى الصالح

وأوضحت أن هناك أماكن تتشدد في إطالة فترة الصلاة وجعلها لا تقل عن 45 دقيقة؛ فتجلس المرأة وأطفالها في الخارج طوال هذه المدة، مشيرةً إلى أن بعض المولات التجارية كانت تغلق قبل وقت الأذان بـ20 دقيقة وبعد انتهاء الصلاة لا يعود العاملون لفتح المحلات سريعاً، فضلاً عن قرارات بعض المولات بإخراج المتسوقين خارجها؛ وهو ما يجعل النساء يتكدسن في الخارج، وقد يتعرضن إلى التحرش ويسمعن تعليقاتٍ سلبية في منظر غير حضاري لكرامة المرأة على الإطلاق.

وأكدت أن القرار السابق هدر أشياء كثيرة بحق المرأة؛ خصوصاً مع تطبيقه دون تمييز، في محاولة من تيار الصحوة لإبراز وجوده في المجتمع؛ فعلى سبيل المثال كانت تغلق المحلات أيضاً التي تعمل فيها النساء فقط على الرغم من أن النساء غير مطالبات بصلاة الجماعة، وفي أوقاتٍ لا يستطعن الصلاة لأيام، فضلاً عن وجود غير مسلمين عاملين في المحلات، وبالتالي ليسوا مطالبين بالتوقف عن العمل خلال تلك الفترة.

اقرأ أيضًا: “شمس المعارف” ونضج السينما السعودية

يلفت خالد العضاض إلى عدة أضرار نتجت عن إغلاق المحلات أثناء أداء الصلاة؛ من أبرزها ضياع الملايين من ساعات العمل سنوياً، بما يضر الأنشطة المختلفة، بالإضافة إلى أن بعض العاملين في المحلات وذوي الحاجات قد لا يكونون مسلمين، فضلاً عن إغلاق الصيدليات، وتعطل حاجات بعض المسافرين، رغم أنهم ليسوا مطالبين بأداء الصلاة في وقتها على سبيل المثال.

لا يوجد قانون في المملكة يحظر فتح المحلات التجارية في أوقات الصلاة- وكالات

على الرغم من أن الصوت الأعلى كان للمطالبة بإغلاق المحلات وقت الصلاة في السعودية؛ فإن الأمر تغير مع بداية الألفية الجديدة، حسب فضل الفضل، وهو سعودي حاصل على ماجستير في التربية من جامعة لاتروب في أستراليا، ومهتم برصد التغيرات الاجتماعية في المملكة، والذي يقول لـ”كيوبوست”: إن ظهور المنصات الإعلامية منح فرصة للنقاش حول جدوى الإغلاق والأضرار المترتبة عليه في مقابل تصور لو كان العمل وقت الصلاة قائماً؛ خصوصاً مع تعطل مصالح الناس بشكل مباشر في مختلف أنحاء المملكة.

فضل الفضل

وأضاف الفضل أن الأمر لم يعد مقتصراً فقط على وقت الصلاة؛ لكن امتد مع الزمن ليصبح قبل موعد الأذان بنصف الساعة في المراكز التجارية وبعدها بنصف ساعة أخرى؛ وهو ما جعل هناك صعوبة مثلاً في العمل خلال الفترة بين أذانَي المغرب والعشاء؛ لأن الوقت الفعلي للفتح أقل من 45 دقيقة، الأمر الذي تسبب في زحام كبير بالمراكز التجارية؛ خصوصاً بعد أذان العشاء.

توقيت مناسب

القرار اتخذ في التوقيت المناسب؛ لعدة اعتبارات، حسب الرئيس الأسبق لمجلس إدارة الجمعيات التعاونية السعودية عبدالله بن محمد الوابلي، الذي يقول لـ”كيوبوست”: إنه سيساعد في تلافي مظاهر التزاحم على المحلات التجارية والمرافق الخدمية أثناء فتح أبوابها بعد الإغلاق، بجانب مراعاته ظروف غير المسلمين والسائحين الذين يقدر عددهم بالملايين، مشيراً إلى أن القرار حصل على وقته في الدراسة بمختلف جوانبه، كما أوضح فحوى التعميم الصادر من الغرفة التجارية.

وأضاف أن الجمعيات التعاونية، كغيرها من المرافق الخدمية، ستتأثر بالقرار إيجاباً وستبرمج عملها بما يحقق المصلحة الاقتصادية، متوقعاً أن يتم تطبيق القرار والتأقلم معه، حسب ظروف كل محل تجاري، وما يمتلكه من موارد بشرية.

اقرأ أيضًا: 90 عاماً.. السعودية ملحمة التأسيس ورؤية 2030 المستقبلية

عبدالله بن محمد الوابلي

كان تعميم الاتحاد قد أوضح أن قرار فتح المحلات التجارية طوال ساعات العمل يأتي تفادياً للازدحام والتجمع، وحفاظاً على صحة المتسوقين؛ للوقاية من فيروس كورونا.

يشير فضل الفضل إلى أنه أصبح من المعتاد أن ترى الناس رجالاً ونساءً في المراكز التجارية عند أبواب المعارض والأسواق في انتظار افتتاح المحلات المقفلة للصلاة، بينما البائع يرتاح في داخل المحل وأصوات المساجد ترتفع بالصلاة خارجه.

وأضاف أن جائحة كورونا التي قلَّصت ساعات العمل باليوم ودفعت إلى إغلاق المساجد، فرضت أمراً جديداً على المجتمع السعودي متمثلاً في قيام البائعين بالصلاة في محلاتهم، وفتح محلاتهم يوم الجمعة، مشيراً إلى أن الناس شاهدت بنفسها أنه لا تعارض بين الفتح في وقت الصلاة والمحافظة عليها.

لاقى القرار ترحيباً بين الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي- وكالات

تؤيد هذا الرأي هدى الصالح، التي تقول: إن بعض البائعات استغلت مسألة الإغلاق من أجل الصلاة؛ لكي تقوم بالحصول على فترات راحة طويلة خلال ساعات اليوم، مشيرةً إلى أن الأمر أضر بالنشاط الاقتصادي؛ بسبب طريقة التطبيق الخاطئة.

حماس الشباب

وتشير أمل صقر إلى أن القرار جاء مرناً؛ لأنه يجعل الأمر اختيارياً في يد صاحب النشاط التجاري؛ فمن أراد الإغلاق للصلاة فله ذلك، ومَن شاء الإبقاء على الفتح فله ذلك أيضاً، وأضافت: “قرار الغلق الإجباري ظلَّ مطبقاً لسنوات طويلة، ومن ثمَّ فإن تغييره سيكون له انعكاسات على المجتمع، وستتلقفه شرائح المجتمع بصورة مختلفة؛ مثله مثل قرار السماح للمرأة بالقيادة وقرار خفض مكبرات الصوت وقت رفع الأذان. هناك قاعدة مجتمعية محافظة سترفض القرار وتجده خارجاً عن طبيعة المجتمع المتدين والتي تجعل الأولوية للصلاة، وهناك الأصوات الأكثر انفتاحاً التي تؤيد المرونة وأن تكون الحرية الاقتصادية للنشاطات هي الأساس، وبالفعل ظهر هذا التنوع في التلقي في صورة طيف من الآراء المختلفة على مواقع التواصل الاجتماعي، عبر هاشتاج متعلق بقرار فتح المحلات وقت الصلاة. بصفة عامة القرار أمر مشجع جداً، ويأتي في وقت مناسب”.

اقرأ أيضًا: إصلاحات السعودية.. رؤية متكاملة نحو التنمية المستدامة

يقول شايع الوقيان: إن المواطنين، خصوصاً شريحة الشباب، متحمسون لهذه الإصلاحات. فرغم أن بعضها يبدو في الظاهر سطحياً؛ ولكنها في الباطن عميقة جداً، كفتح المحلات، وهنا يبرز ما يُسمى في علم الاجتماع بصراع الأجيال؛ فالجيل الناشئ الذي لم يتربَّ في أحضان الصحوة يرى الأمور بشكل سليم، مشيراً إلى أن القرار بمثابة قطيعة سياسية وفكرية في المقام الأول مع خطاب لا عقلاني أفسد الوعي السياسي والاقتصادي لدى الجمهور؛ فهو صراع رمزي بين العقل واللا عقل.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة