الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

بعد رحيله.. أبرز محطات وآراء شيخ المعماريين رفعت الجادرجي

كيوبوست

يعتبر النمط المعماري واحداً من أبرز السمات التي تميز أي بلد، وقد يعود السبب في ذلك إلى ما يختزله النسق المعماري من تاريخ ودلالات اجتماعية واقتصادية ورمزية دينية.. أيضاً هناك سبب يعطيه أهمية خاصة، موجود في الفرق بين الهندسة والمعمار، وفقاً لرأي المعماري العراقي اللامع رفعت الجادرجي، الملقب بـ”شيخ المعماريين”، الذي رحل ليلة الجمعة الماضية في العاصمة البريطانية لندن عن عمر يناهز الـ93 عاماً، بعد إصابته بفيروس كورونا.

وعن الفرق بين الهندسة والعمارة اعتبر الجادرجي، في مقابلة معه، أن مفهوم المعمار وتفريقه عن الهندسة بدأ في عصر النهضة؛ فالمهندس وظيفته تكمن في العمل الإنشائي، أما المعماري فيقدم المفهوم والشكل العام الذي يمثل المجتمع ويعبر عنه؛ لأن العمارة أداة من أدوات الحوار الاجتماعي، فإذا كانت كئيبة في بلد معين فمعناه أن بيئة المكان كذلك، أما الجميلة منها فتهيئ للمجتمع حواراً مريحاً. دور المهندس يختلف عن دور المعماري؛ فالثاني يعبر عن عاطفة ووجدان المجتمع.

 اقرأ أيضاً: هل من حقنا أن نضع توقيعاتنا على أعمالنا الفنية؟

عن حياته

ولد رفعت الجادرجي في بغداد بتاريخ 6 ديسمبر 1926، ونشأ في بيت بيئته أنثروبولوجية؛ فقد كان والده كمال الجادرجي، وهو سياسي عراقي ورئيس الحزب الوطني الديمقراطي، حريصاً على إثارة النقاشات حول الاكتشافات الأنثروبولوجية (علم الإنسان) والعلوم خلال اجتماعات الأسرة؛ الأمر الذي شكل قاعدة معرفية لرفعت خلال طفولته، كما كان مهتمًّا بتاريخ الأدب والفن والموسيقى.

ورغم اهتماماته الفنية؛ فإنه لم يدرسها، بل قرر دراسة الهندسة المعمارية، التي وقع الاختيار عليها، حسب وصفه، صدفةً، فعندما أنهى مدرسته قرر الالتحاق بالجامعة، ودراسة الهندسة الكهربائية في البداية، إلا أنه غير رأيه في ما بعد، بفضل صديق لفت انتباهه إلى الهندسة المعمارية؛ لكون رفعت متطلع على تاريخ الفن. حصل الجادرجي على شهادة البكالوريوس في الهندسة المعمارية من جامعة هامرسميث في لندن عام 1954.

اقرأ أيضاً: فنون الامتزاج الحضاري: المسيحيون واليهود والمسلمون في تأسيس الثقافة القشتالية

أسس المكتب الاستشاري العراقي مع مجموعة من المهندسين بعد عودته إلى العراق، كما شغل عدة مناصب؛ من بينها: مدير عام هيئة الإسكان في وزارة الإعمار أواخر الخمسينيات، ورئيس هيئة التخطيط في وزارة الإسكان بداية الستينيات. اعتقل الجادرجي في أواخر السبعينيات، وحكم عليه بالسجن المؤبد، إلا أنه خرج من السجن بعد 20 شهراً، وعين بعدها مستشاراً لإعادة إعمار بغداد.

كما التحق بجامعة هارفارد كأستاذ زائر، وبقي فيها لمدة عشر سنوات، وتم انتخابه كعضو شرف في المعهد الملكي للمعماريين البريطانيين سنة 1982، والمعهد الأمريكي للمعماريين سنة 1987، كما نال دكتوراه فخرية عن مجمل عمله التصميمي المعماري من جامعة كوفنتري البريطانية.

أعماله ومؤلفاته

تقوم فلسفة الجادرجي على أساس التفاعل بين المطلب الاجتماعي (ماذا نريد وكيف؟) والتكنولوجيا، فيقول: “على المعماري أن يفهم حاجة المجتمع ويواكب التكنولوجيا”، وربما هذا ما يفسر الطابع الحداثي لتصاميمه المقترن بالإرث المعماري العراقي؛ حيث اعتمد شكل الشناشيل العراقية في تصميماته، وهي واجهات منازل بأقواس خشبية.

شناشيل عراقية

ولعل أبرز أعماله هو نصب الحرية الذي أنجزه مع الفنان العراقي جواد سليم؛ حيث صممه رفعت، وأضاف سليم إليه المنحوتات كتفاعل مع مظاهرات تموز سنة 1958.

نصب الحرية في ساحة الفردوس- بغداد

في مطلع الستينيات، صمم الجادرجي نصب الجندي المجهول في ساحة الفردوس ببغداد، الذي أزيل أوائل الثمانينيات، وتم استبدال تمثال لصدام حسين به. وقبل الهدم سارع الجادرجي لأخذ آخر صورة للنصب وتصوير الهدم بهدف توثيق اللحظة، موضحاً أن إنجازاته سوف تهدم كما ملامح الحضارة البابلية والآشورية، مضيفاً أنه يتألم لهدم أعماله؛ فهي بمثابة أطفاله.

النصب التذكاري للجندي المجهول

إلى جانب ما سبق، صمم الجادرجي معالم مهمة في بغداد؛ منها: عمارة “الجوربه جي” في شارع الشيخ عمر 1953، وعمارة “دار كتخدا” 1959، ودائرة البريد المركزية في شارع الرشيد 1975، ومجمع “مجلس الوزراء” 1975، ومبنى “اتحاد الصناعات العراقي” 1966، ومبنى “فرع مصرف الرافدين” 1967.. وغيرها. وفي الموصل، صمم مبنى “شركة التأمين الوطنية” 1966 -استخدمه تنظيم داعش الإرهابي في قتل وإلقاء المثليين من فوقه، فقامت السلطات بهدمه- إلى جانب عدة أعمال معمارية أخرى هُدمت.

مبنى البريد المركزي- بغداد

أما بالنسبة إلى مؤلفاته؛ فأهمها: «الأخيضر أو القصر البلوري» و«شارع طه وهامرسمث» و«في سببية وجدلية العمارة». كما حصل الجادرجي على عدة جوائز؛ كان أبرزها جائزة أغا خان للعمارة عام 1986.

آراء وأفكار

عن سبب رفضه دخول المعترك السياسي، والانضمام إلى الحزب الوطني الديمقراطي، يوضح الجادرجي أنه في حال انخرط في أي حزب فعليه أن يلتزم بمبادئه، وهو يفضل أن يكون حراً في ما يقوده وجدانه، وهذا ينطبق على الدين أيضاً؛ فقد درس مئات الديانات، لافتاً إلى احترامه جميع الأديان وممارسات السحر.

كتاب “في سببية وجدلية العمارة” للمعماري رفعت الجادرجي الفائز بجائزة الشيخ زايد العالمية للكتاب عام 2008

قرر وزوجته عدم الإنجاب؛ لأنهما لا يريدان زيادة عدد البشر الذين يفسدون الكوكب. وكامتداد لحرصه على الأرض، أوصى بحرق جثته بعد موته، قائلاً: “وصيتي أن أحرق ولا أدفن، أنا لا أؤمن بالدفن لا أريد أن أدنس الأرض”.

عقب وفاته، نعاه الرئيس العراقي برهم صالح، عبر صفحته على “توتير”، فقال: “بوفاة رفعة الجادرجي يفقد فن العمارة في العراق والعالم رئته الحديثة التي تنفست حداثةً وجمالاً. لقد مارس الجادرجي العمارة بوصفها وظيفة إنسانية وجمالية، ووهبها كل حياته، عاملاً ومنظّراً، تاركاً الكثير لإرث هذه البلاد علماً ومبانيَ، لروحه الرحمة ولأسرته ومحبيه الصبر”.

تغريدة الرئيس العراقي برهم صالح

كما نعاه معماريون ومثقفون عبر منصات التواصل الاجتماعي، معبرين عن حزنهم على رحيله ومثمنين جهوده المعمارية البارزة.

حصل الباحث المعماري رفعة الجادرجي على جائزة الشيخ زايد للكتاب في دورتها الثانية 2007 ـ 2008 فرع الفنون والدراسات النقدية عن كتابه: في سببية وجدلية العمارة. 

 اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات