الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

بعد ثلاثة عقود.. “مدفع قلعة صلاح الدين” يضرب في سماء القاهرة

كيوبوست

بعد نحو 30 عاماً من التوقف عن العمل، عاد مدفع رمضان بقلعة صلاح الدين الأيوبي في القاهرة، لينبِّه الصائمين بحلول ميعاد إفطارهم، وذلك بعد قيام وزارة السياحة والآثار بترميمه وتجريبه في موقعه الحالي، بساحة متحف الشرطة بالقلعة، ليضرب من جديد مع أول يوم من رمضان وحتى نهايته.. ما يعيد إلى القاهريين ذكرياتهم المرتبطة بموعد الإفطار.

وجاءت خطوة الترميم، التي شملت إزالة طبقة الصدأ المكوَّنة على جسم المدفع وتنظيفه من الداخل، حسب بيان الوزارة، “في إطار خطة الوزارة لرفع كفاءة الخدمات السياحية بالمتاحف والمواقع الأثرية؛ ومنها قلعة صلاح الدين الأيوبي”.

والمدفع من العلامة التجارية “كروب”، وقد صنع عام 1871م، ويتكون من ماسورة حديدية مثبتة على قاعدة، لها عجلتان خشبيتان كبيرتان محاطتان بإطارات من الحديد، وكان يتم تفعيله بالاستعانة بجنديين، واحد يزود فوهة المدفع بالبارود، والثاني يطلق القذيفة.

البداية من مصر

أصبح مدفع رمضان مرتبطاً بأذهان المسلمين عموماً، وحتى في الإعلانات التليفزيونية التي ترتبط بشهر الصيام؛ ولكنَّ المؤرخين يتفقون على أن أول مرة تم فيها استخدام المدفع وقت الإفطار، كانت في قلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة في مصر، ففي المراحل الأولى للإسلام كانت إشارة الاستدلال على وقت الإفطار أو الإمساك هي الأذان فقط.

العاصمة المصرية “القاهرة”- رويترز

وهناك ثلاث روايات مختلفة حول بداية تقليد “مدفع رمضان”؛ إذ تنسبه الرواية الأولى إلى المماليك، وتفيد أن السلطان المملوكي “الظاهر سيف الدين خشقدم” (1404- 1467) كان يجرِّب مدفعاً، وصادف إطلاق القذيفة وقت غروب شمس أول يوم من رمضان، فاعتقد الناس عن طريق الخطأ أن السلطان قد خطط للحدث بشكل متعمد؛ احتفالاً منه برمضان، وتوجهوا إلى قصره كي يشكروه على لفتته الجميلة، فقرر بسبب بهجة الناس، إطلاق المدفع طوال أيام الشهر.

وتشير القصة الثانية إلى أن مَن جرب المدفع هو “محمد علي باشا”، مؤسس مصر الحديثة، وبناءً عليه فإن التقليد بدأ في عهده عام 1805، عندما أراد اختبار مدفع كان قد وصله من ألمانيا في اليوم الأول من رمضان بالصدفة، وكانت ردود فعل الناس إيجابية؛ ما استدعى اعتماد التقليد.

الخديو إسماعيل

واستناداً إلى الرواية الثالثة، فإن استخدام المدفع تم أول مرة في عهد الخديو إسماعيل، عندما قام جنود بتجريب أحد المدافع، فانطلقت منه قذيفة بالتزامن مع وقت أذان المغرب في أول يوم من رمضان، فظن الناس أن الخديو أقر عادة جديدة لإشهار موعد الإفطار، وأصبحت الواقعة حديث الشارع؛ الأمر الذي لفت انتباه ابنة الخديو إسماعيل “الحاجة فاطمة”، ولاقى استحسانها، فطلبت من والدها إصدار فرمان ينص على اعتماد إطلاق المدفع كعادة رمضانية؛ لذلك حسب الرواية، عُرف المدفع وقتها باسم “مدفع الحاجة فاطمة”.

شاهد: ليال رمضانية.. حسبي ربي جل الله

نقل المدفع

بعد أن أصبح المدفع واحداً من مظاهر رمضان، جرى نقله إلى أكثر من موقع؛ ففي عهد الخديو إسماعيل، نُقل إلى جبل “المقطم”؛ لكي يصل صوته إلى نطاق أوسع، وكان الناس خلال عملية النقل يصطفون في الشوارع لمشاهدته وهو ينقل إلى أعلى الجبل محملاً على عربة ذات عجلات ضخمة، ومع نهاية رمضان كان يعود إلى القلعة في أول أيام العيد.

قلعة صلاح الدين الإيوبي- وزارة السياحة والآثار المصرية

وفي منتصف القرن التاسع عشر، في عهد عباس حلمي الأول، وهو حاكم مصر بين عامَي 1848- 1854، ورد أن طلقتَين كانتا تخرجان من مدفع الإفطار في القاهرة؛ الأولى من القلعة، والثانية من قصر عباس باشا في ضاحية العباسية.

وفي أواخر ثمانينيات القرن الماضي، توقف المدفع عن إطلاق قذائفه؛ لأنها ألحقت أضراراً بجدران القلعة، حسب ما حذرت منه وزارة السياحة والآثار حينها؛ لكن وزارة الداخلية أمرت حينها باستئناف إطلاق القذائف يومياً خلال رمضان، في حين توقف المدفع من جديد حتى يومنا هذا.

إلى العالم العربي

من مصر انطلقت فكرة المدفع إلى دول عربية أخرى، ومن أُولى المدن التي استقبلت مدفع رمضان كانت القدس ودمشق.. وبعدها شاع استعماله في مدن شامية أخرى. وفي بيروت أطلقت أول قذيفة من مدفع رمضان عام 1832خلال وجود الابن الأكبر لوالي مصر محمد علي باشا، إبراهيم باشا وجيشه في بلاد الشام، وتلتها 20 طلقة احتفالاً بحلول شهر الصيام.

في حين اعتقد سكان بيروت أن مصدر القذائف غزاة أو قراصنة، ليتضح أنها طلقات مدفع رمضان، وبحلول عام 1840 كان ذلك التقليد منتشراً في بلاد الشام التي كانت تربطها علاقة وثيقة مع مصر.

وفي أواخر القرن التاسع عشر الميلادي وصل بغداد، وفي عهد الشيخ مبارك الصباح، حصلت مدينة الكويت على مدفعها الأول الخاص برمضان، عام 1907م، ثم إلى كل أقطار الخليج والسودان ودول غرب إفريقيا ودول إسلامية أخرى كإندونيسيا.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة