الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

بعد “بيات صيفي”.. عودة دموية للإرهاب في الكونغو الديمقراطية

راهبة وطبيبة لقيتا حتفهما بعد أن تم حرقهما من قِبل جماعة جهادية متطرفة.. كما عُثر على 6 جثث أخرى محروقة ومقطوعة الرؤوس

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

بعد فترة بيات وصيام نسبي، أو ربما استراحة محارب استمرت زهاء عام ونصف العام، عادت القوات الديمقراطية المتحالفة (ADF) إلى واجهة الأحداث مرة أخرى؛ إذ هاجمت مفرزة منها، حسب تقارير صحفية متطابقة، قرية ماسومي الواقعة على بُعد 5 كيلومترات إلى الغرب من وسط منطقة كوماندا في إقليم إيرومو بجمهورية الكونغو الديمقراطية، الأسبوع الماضي.

وأفادت الأخبار والتقارير المتواترة الواردة في الإقليم أن راهبة وطبيبة لقيتا حتفهما بعد أن تم حرقهما من قِبل جماعة جهادية متطرفة، يُعتقد أنها القوات الديمقراطية المتحالفة، كما عُثر على 6 جثث أخرى محروقة ومقطوعة الرؤوس.

ووفقاً لمصادر أمنية وطبية متعددة، فإن النساء الضحايا تعرضن في الغالب إلى القتل بالسواطير بعد حفلات تعذيب بشعة قبل جزّ رؤوسهن وحرق جثامينهن؛ الجثث التي نُقلت إلى مركز طبي في انتظار الدفن.

اقرأ أيضاً: “داعش الأوغندي”.. تعرَّف على أنشطة القوات الديمقراطية المتحالفة في وسط إفريقيا

ومنذ الهجوم الذي شنته القوات الديمقراطية المتحالفة على سجن كانغباي في منطقة بيني بشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، في 20 أكتوبر 2020؛ حيث حررت أكثر من 1300 سجين، بينهم بعض منسوبيها، بجانب تنفيذها العديد من العمليات المعقدة والشائكة ضد أهداف عسكرية وأمنية في كل من الكونغو وأوغندا، لم تقُم بأية عمليات كُبرى، ما حدا بمراقبين تفسير عمليتها الأخيرة بأنها محاولة للعودة مُجدداً إلى واجهة الأحداث، باستخدام أقصى أنواع البشاعة والفظاظة.

وفي السياق ذاته، ظلت عدة مناطق بشرق الكونغو الديمقراطية؛ خصوصاً البلدات والقرى الواقعة في محيط منطقة إيرومو، تعاني هجمات متكررة بين الفينة والأخرى؛ تُنسب في الغالب إلى عناصر تابعة للقوات الديمقراطية المتحالفة، رغم أن ناشطاً سياسياً كونغولياً بارزاً، رفض نسب الهجوم الأخير إلى التنظيم الإرهابي، بقوله: “صحيح أن ما حدث مروّع؛ لكن لا نستطيع تحميل مسؤوليته إلى القوات الديمقراطية المتحالفة؛ فحتى الآن لم يتم تحديد الجناة بوضوح”، إلا أن مسؤولاً عسكرياً رفيعاً في إقليم إيرومو، قال إن العملية الإرهابية تحمل أسلوب وبصمة القوات الديمقراطية المتحالفة.

زعيم “المتحالفة” موسى سيكا بالوكو- وكالات

خلفية التنظيم

وفي إفادته التي خص بها “كيوبوست”، أشار الصحفي والباحث السياسي في شؤون القرن الإفريقي، جمال عثمان هُمّد، إلى أن الهجوم الأخير بما يتميز به من فظاظة يحمل بالفعل روح القوات الديمقراطية المتحالفة، مشيراً إلى أنها انطلقت عام 1995 من شرق الكونغو الديمقراطية بموجب إعلان بين بعض مكونات جماعة التبليغ الإسلامية الأوغندية والجيش الوطني لتحرير أوغندا (NALU)؛ بهدف الإطاحة بالرئيس الأوغندي يوري موسيفيني؛ حيث تلقت دعماً لوجستياً من حكومة الإسلاميين في الخرطوم التي كانت على خلاف حاد مع موسيفيني الذي كان يتبنى ويدعم الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة الراحل جون قرنق، وتمكنت أواخر تسعينيات القرن الماضي من شن سلسلة من الهجمات طالت العاصمة الأوغندية؛ مثل عملية تفجير حانة ومطعم في عيد الحب عام 1999، والتي أسفرت عن مقتل 4 أشخاص وجرح 35 آخرين.

جمال هُمّد

يضيف هُمّد: هذه الهجمات أدت إلى رفع الروح المعنوية للقوات الديمقراطية المتحالفة، بينما استشعرت الحكومة الأوغندية الخطر؛ فقررت أخذ زمام المبادرة بمهاجمة المتمردين بالالتفاف عليهم بواسطة كتائبها التي كانت موجودة حينها بشرق الكونغو، إلا أن الحكومات الكونغولية المتعاقبة لم تكن تُبدي أي تعاون للقضاء على هذا التنظيم؛ بل على العكس كانت تدعمه في الخفاء من أجل تعطيل الوجود العسكري الأوغندي والرواندي في البلاد، الأمر الذي أدَّى إلى نقل ميدان المعركة إلى شرق الكونغو، بيد أنه بحلول عام 2001، تمكن الجيش الأوغندي من إلحاق هزائم متتالية بها، فلجأت إلى الكمون بين تضاريس شرق الكونغو شديدة الوعورة؛ من أجل إعادة التعبئة والحشد بتجنيد أعضاء كونغوليين.

اقرأ أيضاً: بعد هزائم ساحقة.. “داعش الموزمبيقي يتقهقر أمام الجيش الرواندي”

جدل العلاقة

جمال هُمّد

يواصل همد حديثه إلى “كيوبوست”، قائلاً: في الواقع بدأت علاقة القوات الديمقراطية المتحالفة (ADF) مع “داعش” أواخر عام 2018؛ لكن قبل ذلك حاولت لعدة سنوات خلت التواصل مع جماعات إرهابية إسلامية أخرى، على رأسها تنظيم القاعدة، ورغم ذلك فلا تزال طبيعة علاقتها ومدى ارتباطها بالبنية الأساسية للدولة الإسلامية محل جدل.

بطبيعة الحال، فإن تصنيف القوات منظمة إرهابية، من قِبل وزارة الخارجية الأمريكية عام 2021ـ، وضعها تحت الضوء، ولعل هذا الأمر هو الذي أعطاها زخماً إضافياً أكثر مما ينبغي؛ حيث إنه في واقع الأمر عجز تقرير الخبراء الصادر عن فريق خبراء الأمم المتحدة بشأن جمهورية الكونغو الديمقراطية، في يونيو 2021، عن إثبات صلة مباشرة بين تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام والقوات الديمقراطية المتحالفة، كما أشار التقرير نفسه إلى ما سماها بالتناقضات حول عمق العلاقة بين تحالف القوى الديمقراطية والدولة الإسلامية، يختتم همد إفادته.

اقرأ أيضاً: الجيش الرواندي.. علامة إفريقية جديدة في مكافحة الإرهاب

تحالف العنف

حصلت القوات الديمقراطية المتحالفة على اعتراف رسمي من “داعش” بعد أن تحالفت عقب إلقاء القبض على زعيمها القوي جميل موكولو، عام 2015، في تنزانيا المجاورة بعد هروبه إليها، وتسليمه إلى الحكومة الأوغندية وسجنه هناك وتولي موسى بالوكو رئاستها، ضمن ما عُرف بولاية وسط إفريقيا؛ وهي تحالف التأم عام 2018، بين “المتحالفة” بزعامة “موسى بالوكو” في الكونغو، وجماعة أهل السُّنة والجماعة (أو الشباب) بزعامة التنزاني “أبو ياسر حسن”؛ وهي مجموعة من المقاتلين متمركزة في مقاطعة كابو ديلجادو شمال موزمبيق.

جنود من منسوبي القوات الديمقراطية المتحالفة بالقرب من قرية موكوكو شرق الكونغو- “رويترز”

وحسب الصحفي والباحث في الشؤون الإفريقية، عبدالمنعم أبو إدريس، فإن اعتراف “داعش” علناً بالقوات الديمقراطية المتحالفة على أنها فرع تابع له جاء في بيان صدر أواخر عام 2018؛ حيث أعلن مسؤوليته عن الهجمات المنسوبة التي شنتها “المتحالفة” في أبريل 2019 على قاعدة للقوات المسلحة الكونغولية من منطقة كامانغو بالقرب من بلدة بيني.

يستطرد أبو إدريس، في حديثه إلى (كيوبوست): تتألف (المتحالفة) الآن من غالبية المقاتلين الكونغوليين، بجانب طيف مقاتلين من الدول المجاورة؛ حيث تمكنوا من تنفيذ العديد من الهجمات القوية على المدنيين ومعسكرات الجيش الكونغولي الديمقراطية وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة؛ حيث أشارت تقارير صادرة عن المنظمة الدولية أن أكثر من 100 جماعة مسلحة تعمل فعلياً على أراضي جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومع ذلك لم يصف التقرير هذه الجماعات بالإرهابية، عدا تصنيف الخارجية الأمريكية للقوات المتحالفة.

اقرأ أيضاً: مكافحة الإرهاب في إفريقيا.. هل ثمة حلولٌ جذرية؟

مجموعة صغيرة غامضة

عبدالمنعم أبو إدريس

بالنسبة إلى “أبو إدريس”، فإن “المتحالفة” ابتدرت عملياتها العسكرية بمجموعة صغيرة من المقاتلين وأسلحة تقليدية بيضاء؛ مثل السواطير والمناجل والقليل من الأسلحة الرشاشة الخفيفة، قبل أن تتوسع في عملياتها وتكتسب خبرات إضافية في التكتيكات العسكرية وتحصل على أسلحة متطورة نسبياً استطاعت من خلالها السيطرة على أراضٍ زراعية واسعة ومناجم تنقيب عن المعادن في منطقة روينزوري العابرة للحدود الأوغندية الكونغولية؛ حيث نشطت القوات الديمقراطية المتحالفة في تجارة الأخشاب والمحاصيل وتعدين الذهب، الأمر الذي أدَّى إلى ترسيخها كفاعل في الديناميكيات السياسية والاقتصادية والعسكرية في المنطقة.

ومع ذلك، يواصل “أبو إدريس”، فإن تكتيكات واستراتيجيات وأهداف “المتحالفة” لا تزال مبهمة وغامضة، ومن الصعوبة بمكان تحديد نطاق عملها وطبيعة أنشطتها بدقة؛ حيث إن الكثير من العمليات التي تشنها جماعات أخرى تنسب في الغالب إلى القوات الديمقراطية المتحالفة بفضل الآلة الإعلامية لتنظيم داعش التي تعمل بدأب على الترويج للتنظيم المنسوب إليها.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة