الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

بعد انسحاب مالي.. الاستراتيجية الجديدة لمجموعة الخمس في مهب الريح

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

رغم انخراط وزراء الدفاع ورؤساء أركان ما يُعرف بمجموعة دول الساحل الخمس (G5 Sahel) التي صارت أربعاً، بعد انسحاب مالي، في اجتماع استثنائي التأم بعاصمة النيجر نيامي، الخميس 22 سبتمبر، لبحث استراتيجية جديدة للقوة المناهضة للجهاديين؛ فإن الاجتماع فشل، ليس فقط في طرح الاستراتيجية البديلة بل حتى في إبراز ملامحها الرئيسية.

وما زاد الطين بلة أن المجموعة أصبحت مهددة أكثر من أي وقت مضى بانسحاب عضو ثانٍ، وهو بوركينا فاسو، فبعد إعلان مالي سحب قوتها العسكرية العاملة ضمن المجموعة التي تضم بجانبها كلاً من موريتانيا وتشاد وبوركينا فاسو والنيجر؛ احتجاجاً على رفض توليها الرئاسة، زار الرئيس البوركيني الكولونيل بول هنري سانداوغو داميبا، الذي استولى على السلطة من خلال انقلاب عسكري في يناير 2022، نظيره المالي أسيمي غويتا؛ حيث بحثا تمدد الجماعات الإرهابية على المثلث الحدودي (مالي، بوركينا فاسو، النيجر)، إذ بدا لكثير من المراقبين أن قائدَي الانقلاب في البلدَين ينويان التحالف والتنسيق والعمل المشترك بمعزل عن فرنسا وحلفائها في نيامي وإنجامينا ونواكشوط، وبالتالي فإن بوركينا فاسو المتململة قد تنسحب من المجموعة في أية لحظة، لتصبح مجموعة الثلاث بدل الخمس.

اقرأ أيضاً: مكافحة الإرهاب في إفريقيا.. هل ثمة حلولٌ جذرية؟

دوائر الخوف

وأشار البيان الختامي إلى أن الوضع الراهن في دول المجموعة يتطلب تبني استراتيجيات جديدة للقتال الفعال ضد الجماعات الإرهابية المسلحة في الفضاء المشترك، بينما وضع الجنرال غنينغينغار مانغيتا، رئيس أركان الجيش التشادي، الذي تتولى بلاده رئاسة هذه الدورة، الدائرة حول الإجابة الصحيحة بقوله إن “الصيغة الحالية لمجموعة الخمس لم تعد قادرة على تلبية مخاوفنا”.

القاسم إنداتو- وزير دفاع النيجر

ويُذكر أن قوات G5 العسكرية التي تنشط في مكافحة الإرهاب بتمويل من الاتحاد الأوروبي، لم تحقق خلال خمسة أعوام من تأسيسها حتى الآن أي تقدُّم؛ بل إن العمليات المشتركة بين مكوناتها كانت قليلة جداً، بينما استمر تدهور الأوضاع الأمنية ​​في منطقة الساحل بوجودها.

وكأنما الاستراتيجية المقترحة “ضاعت في الترجمة”، فلم يشر البيان الختامي إلى اجتماع نيامي، الذي أكد “الوضع الأمني ​​لا يزال مقلقاً؛ خصوصاً على حدود بوركينا فاسو ومالي والنيجر”، وحتى إلى أبرز ملامحها وسماتها.

اقرأ أيضاً: دولة الجهاديين في إفريقيا.. حلمٌ يتحقق أم سراب صعب المنال؟!

 وفقاً لمراقبين، فإن انسحاب مالي يعني تقليص قدرة وحرية القوة المشتركة في العمل والحركة على الحدود الثلاثية، وهذا ما أشار إليه القاسم إنداتو، وزير دفاع النيجر، بقوله إنه “بخلاف الصعوبات المالية، تعاني منطقة الساحل G5 أزمة في ما يتعلق بالتماسك ووحدة العمل منذ انسحاب مالي؛ منتصف مايو”.

مجموعة الخمس- وكالات

ما ذهب إليه إنداتو، ظهر عملياً في مخرجات اجتماع نيامي لوزراء دفاع ورؤساء أركان دول الساحل الخمس؛ إذ فشل في تبني استراتيجية جديدة للقوة المناهضة للجهاديين وربما أرجأها إلى اجتماعات لاحقة ربما تسبقها انسحابات جديدة، فبوركينا فاسو تعاني ظروفاً مماثلة لتلك التي تعانيها مالي من اضطرابات سياسية، وتنامٍ لأنشطة الجماعات الإرهابية، وضعف قدرات الجيش الوطني، كما ذهبت الباحثة السياسية في الشؤون الإفريقية حرم أبوبكر، في إفاداتها لـ”كيوبوست”.

اقرأ أيضاً: النيجر.. يد ممدودة للسلم وأخرى تضرب من حديد

استراتيجية بلا أفق

تواصل أبوبكر: إن توتر العلاقات بين مالي وفرنسا، وانسحاب قوتَي برخان الفرنسية وتاكوبا الأوروبية، من مالي، وإعادة تموضعهما في النيجر، واستجلاب مجموعة “فاغنر” الروسية، بواسطة المجلس العسكري الحاكم في باماكو، فضلاً عن العقوبات التي طبقتها “إيكواس” على باماكو، فاقمت العزلة على مالي التي تتخذها الجماعات الإرهابية والانفصالية مركزاً لنشاطاتها، وبالتالي فإن مصير أية استراتيجية جديدة أو قديمة تسعى إلى التخطيط لمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل في غياب مالي، لا معنى لها، ولن يكون لديها أفق للتحقق على الأرض.

حرم أبوبكر

تنظر فرنسا والدول الغربية إلى أن عزل مالي سيضعف من جيشها، وبالتالي سيجعل المجلس العسكري الحاكم يستسلم ويضع السلطة بأيدي المدنيين مرة أخرى، بينما لا تنتبه إلى أن الأكثر خطورة هو إضعاف الجيش المالي مقابل استقواء الحركات الإرهابية وتمددها في المنطقة، تضيف أبوبكر.

لذلك فإن البيان الختامي لاجتماع نيامي لم يستعرض حتى الملامح الرئيسية لما سماها استراتيجية جديدة لمكافحة الإرهاب بالمنطقة؛ فأصبحت وكأنها أمنية يُراد لها التحقق في المستقبل بينما الراهن مأزوم حد الانفجار والانفلات والفشل.

اقرأ أيضاً: مستقبل “مالي” بين مطرقة الجهاديين وسندان فاغنر

تمرد وتململ

محمود الدنعو

من جهته، اعتبر الباحث السياسي في الشؤون الإفريقية والصحفي، محمود الدنعو، أنه ربما ستتوسع الاستراتيجية الجديدة المزمعة لتضم دولاً أخرى؛ مثل نيجيريا وساحل العاج والسنغال، بجانب الأربع المتبقية من مجموعة الخمس بعد انسحاب مالي، تمثل طوقاً أمنياً على حدود مالي المتمردة علانيةً وبوركينا فاسو المتململة؛ ولربما سهَّل ذلك مهمة مكافحة الجماعات الإرهابية في المثلث الحدودي، وإن كان الجيش المالي، رغم ما يعانيه من ضعف، يعتبر أكثر جيوش الساحل خبرة في مناوءة المتطرفين، كما أن السعي إلى اقتراح استراتيجية جديدة يستلزم وقتاً طويلاً قد تتمكن خلاله الجماعات الإرهابية من ترسيخ أقدامها أكثر مما هي عليه الآن.

جانب من اجتماع وزراء دفاع المجموعة برئاسة داود يايا- وزير الدفاع التشادي

يحاجج الدنعو، متحدثاً إلى “كيوبوست”، بأن أية استراتيجية تستثني مالي، ستكون باهظة الكلفة وربما غير مُجدية؛ فموقعها الاستراتيجي بين جاراتها الثلاث، بوركينا فاسو والنيجر وموريتانيا، وخبرتها الطويلة في مقارعة الإرهاب، سيجعلان وجودها جوهرياً وضرورياً؛ فإذا لحقت بها بوركينا فاسو وانسحبت، فإن تلك الملامح الطفيفة للاستراتيجية المُزمعة ستتلاشى تماماً.

اقرأ أيضاً: ماكرون ولافروف.. سباق التنافس إلى إفريقيا

ولربما ازداد الأمر تعقيداً حال رفض دول كبيرة في المنطقة؛ مثل السنغال ونيجيريا وساحل العاج، المساهمة بقوات لتعضيد وتقوية المجموعة، وهذا هو الأرجح؛ لذلك فإن الاستراتيجية الجديدة لا ينغي لها أن تغض النظر عن ضرورة وجود مالي وبوركينا فاسو ضمن القوات، وأن تحاول مجدداً مع حكام باماكو لإعادتهم عبر صيغة لا تكون لفرنسا فيها اليد العليا، مراعاةً للحساسية بين البلدَين، ولربما استمرار مالي في العمل ضمن قوة مجموعة الخمس سيقرب بينها وبين فرنسا؛ بحيث تعود العلاقات أفضل مما هي عليه الآن، لكنها كلما ابتعدت وجدت بعض القوى المتربصة فراغاً لتملأه كما فعلت مجموعة فاغنر الروسية. إذن على باريس أن تُرجع البصر كرتَين في أسلوب تعاملها مع المجلس العسكري في باماكو، قبل أن تذهب جهودها في مكافحة الإرهاب أدراج الرياح، على حد تعبير الدنعو.  

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة