الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

بعد إقالة رئيس الحكومة وتعليق عمل البرلمان.. هل تحمي الجزائر ظهر تونس؟

مباحثات تجري حالياً بين القيادتَين التونسية والجزائرية لتطويق الأزمة ومنع أي انزلاق نحو الفوضى

كيوبوست
الجزائر- علي ياحي

أثارت الأحداث التي تعيشها تونس انشغالَ “الشقيقة الكبرى” الجزائر، التي سارعت إلى إرسال وزيرها للخارجية رمطان لعمامرة، إلى قصر قرطاج؛ للقاء الرئيس قيس سعيّد، بعد مكالمةٍ هاتفية تلقاها الرئيس تبون، من نظيره التونسي.

ويرجع الاهتمام الجزائري بالأوضاع المتطورة في تونس إلى المخاوف من انزلاق الأمور إلى الفوضى، في ظلِّ الاحتقان الشعبي وتبادل الاتهامات والتهديدات بين أنصار “النهضة”، وفئات واسعة من الشعب. وبالنظر إلى السرعة التي اعتمدتها الجزائر من أجل معرفة ما يجري، يظهر مدى الانشغال الذي تسببت فيه التطورات المفاجئة في الجارة الشرقية، والتي تحظى بمكانة راقية في السياسة الخارجية للجزائر؛ حيث تُعتبر الخاصرة الآمنة والمنفذ المستقر والجار المؤتمن أمام محيط إقليمي متوتر على جميع الأصعدة.

اقرأ أيضاً: النتائج النهائية للانتخابات البرلمانية في الجزائر تعرِّي الإسلاميين

علاقات متينة

وجاءت المكالمة الهاتفية التي تلقاها الرئيس تبون، من نظيره التونسي قيس سعيّد، لتؤكد عمق العلاقات والثقة المتبادلة بين الجانبَين؛ حيث أطلع الرئيس التونسي نظيره الجزائري على آخر التطورات التي تعرفها بلاده، بعد القرارات التي اتخذها بإقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي، وتعليق عمل البرلمان لمدة شهر.

الرئيس التونسي سعيّد لدى استقباله من طرف نظيره الجزائري تبون

وفي السياق ذاته، طار وزير الخارجية رمطان لعمامرة، إلى تونس، حاملاً معه رسالة أخوة وصداقة من الرئيس تبون، إلى نظيره قيس سعيّد، وَفق بيان الخارجية الذي أكد أن لعمامرة حظي باستقبال من الرئيس التونسي، وأكد له التزام بلاده بتعزيز العلاقات الاستراتيجية مع تونس؛ لكن الزيارة التي لم تدم سوى ساعات، أسفرت عن تصريحاتٍ “ضبابية” اهتمت بالتمويه أكثر من كشف فحوى تلك اللقاءات.

مولدي فاهم

ويقول عضو المكتب التنفيذي للحزب الجمهوري التونسي، مولدي فاهم، في تصريحٍ أدلى به إلى “كيوبوست”، أنه من الطبيعي جداً أن يجمعَ الرئيسَ تبون حديثٌ مع نظيره قيس سعيّد، وأن يعبر عن انشغاله بما يحدث في تونس، و”اعتقد أن الجزائر لا يجب أن تتدخل، ولا تسمح بالتدخل في الشأن الداخلي لتونس، وتعتبر ما يجري شأن الشعب التونسي ومؤسساته المدنية والسياسية”، وقال إنه على الجزائر أن تمنع أية محاولة من أي طرف خارجي للتدخل في شأن تونس الداخلي، وأن تواصل دعمها للقدرات التونسية المحدودة في محاربة جائحة “كورونا” بكل الوسائل؛ حماية لحياة التونسيين.

اقرأ أيضاً: استخدام الإخوان للدين في السياسة يغضب الجزائريين.. وتبون يشدد “لا عودة لإسلاموية التسعينيات”

وبقدر ما كانت الجزائر قريبةً من حكام تونس منذ سقوط نظام الراحل زين العابدين بن علي، كانت “النهضة” تزداد قرباً من النظام الجزائري؛ حيث عرف رئيس الحركة راشد الغنوشي، زيارات مكثفة للجزائر ولقاءات ومكالمات لم تنقطع مع الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، وعديد من الشخصيات، وهو ما فهمته عديد من الأطراف في تونس والجزائر آنذاك، على أن الجزائر باتت تلعب دور “ضامن توازن السلطات في تونس”، أو “بيضة الميزان” التي لا تمنح أي طرف فرصة الانفراد بالسلطة.

كما لم تتأخر الجزائر يوماً عن مساعدة ودعم الشقيقة الصغرى في محنتها، ولعل القروض دون فوائد التي منحها الرئيس تبون وقبله بوتفليقة، والتشجيع السياحي من الجزائر إلى تونس، وأيضاً المساعدات اللوجستية في مجالات محاربة الإرهاب والتدريب، وآخرها هبات صحية لمواجهة فيروس “كورونا”، هي دلائل على المكانة الراقية التي تحتلها تونس لدى الجزائر والجزائريين، والتي لخَّصَهَا الإعلامي التونسي سمير الوافي، بعد وصول الأكسجين من الجزائر إلى بلاده، بالقول إن تونس تتنفس برئتَين جزائريتَين.

خطوات محسوبة

مومن عوير

حسبَ أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، مومن عوير، في تصريحٍ أدلى به إلى “كيوبوست”، فإنه بعد الذي حدث في تونس والقرارات التي اتخذها الرئيس قيس سعيّد، من الطبيعي أن يتصل بالرئيس تبون ليطمئنه على الخطوة التي قام بها، وربما ليعرف الموقف المبدئي للجزائر من الأوضاع، معتقداً أن الجزائر تراقب الوضع بحذر، وستقف بكل تأكيد مع مَن يحفظ مصالحها؛ وهو السلطة الحاكمة برئاسة قيس سعيّد، والجيش التونسي، ولو بطريقةٍ غير مباشرة، وقال إن الجزائر ستلجأ إلى اعتماد مبدأ عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى؛ لإيهام حزب النهضة في تونس، وحركة مجتمع السلم بالجزائر، وجماعة الإخوان ككل، بأن الدولة تلتزم الحياد.

اقرأ أيضاً: أطماع نظام أردوغان تستفز الجزائر.. وأزمة “صامتة” بين البلدين!

رشيد ترخاني

من جانبه، يعتقد رئيس جبهة الإصلاح التونسية، رشيد ترخاني، في تصريحٍ أدلى به إلى “كيوبوست”، أن ما وقع في تونس ستكون له تداعيات خطيرة على المنطقة كلها؛ بما فيها الشقيقة الجزائر التي تمثل العمق الاستراتيجي والحليف التقليدي بحكم علاقة الإخوة والجوار، وقال إنه في نظري أن قيس سعيّد سيسعى لطمأنة السلطات الجزائرية بأن ما وقع شأن داخلي؛ وهو في الأخير إجراء قانوني ودستوري لا علاقة له بالانقلابات بمفهومها التقليدي، والوضع لا يدعو إلى القلق.

اقرأ أيضاً: محاكمة باحث متصوف في الجزائر تعيد إلى الواجهة الصراع بين الإخوان والعلمانيين

محمد خذير

ويواصل ترخاني بأن الجزائر دولة شقيقة، ومن حق مسؤوليها وقيادتها أن يقلقوا من الأحداث الدائرة في الجارة تونس، مشيراً إلى أن هناك مباحثات تجري حالياً بين القيادتَين لتطويق الأزمة، ومنع أي انزلاق نحو الفوضى.

وختم بأنه لكل دولة الحق في تقدير مصالحها، وكيفية التعامل مع المستجدات؛ سواء أكانت على المستوى الإقليمي أم الدولي، وإن كان للجزائر موقف آخر داعم للرئيس قيس سعيّد؛ فالأيام القليلة المقبلة كفيلة بإيضاح الصورة أكثر.

إلى ذلك، يعتبر الحقوقي والدبلوماسي محمد خذير، في تصريحٍ أدلى به إلى “كيوبوست”، أن مشكلات تونس متعددة؛ لكن “اليوم نرى أن المشكلة سياسية بالدرجة الأولى، وعليه فإن دور الجزائر سيكون تهدئة الوضع بين الأطراف المتنازعة؛ خصوصاً بين الرئيس قيس سعيّد والأحزاب الإسلامية”، غير أن التساؤلات التي تطرح نفسها بقوة؛ هي: هل تستطيع الجزائر فعل ذلك؟ وهل تونس تقبل هذا التدخل؟ مضيفاً أن الوضع بصفة عامة مقلق، وانزلاق الأمور وارد جداً.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

علي ياحي

كاتب صحفي جزائري

مقالات ذات صلة