الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

بعد إجراءات قيس سعيد.. أبواب إفريقيا مُغلقة أمام “فلول النهضة”

الدول الإفريقية جنوب الصحراء الكبرى المُتاخمة لتونس والجزائر وليبيا ورغم العلاقات المميزة لبعضها مع تركيا فلن تسمح باحتضان فلول الإخوان

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

خطوة واسعة ومُفاجئة خطاها الرئيس التونسي قيس سعيّد، في سبيل استعادة مؤسسات الدولة من قبضة جماعة الإخوان المسلمين الممثلة في حركة النهضة، ووقف التدهور والاستنزاف الاقتصادي والسياسي اللذين ضربا بجذورهما عميقاً داخل تُربة الدولة التونسية، والتي تم تجريفها لصالح حركة النهضة خلال عشر سنوات من تحالفها مع فلول النظام السابق من مناصري زين العابدين بن علي.

اقرأ أيضاً: أحداث تونس في ميزان الاتحاد الإفريقي.. ترجيح ضمني لكفة الرئيس

ورغم الجدل الدائر حول خطوة سعيّد، واختلاف التفسيرات بشأنها، هل هي انقلاب أم إصلاح؟ فإن مُعظم المراقبين يذهبون في تحليلاتهم إلى أن جماعة الغنوشي لن تعود مجدداً إلى الواجهة ولن تُسيطر على المشهد كما دأبت منذ إطاحة نظام بن علي، 2011.

ثلاثة مسارات فاشلة

منذ إعلان سعيّد ما سماها بالإجراءات الاستثنائية من تجميد للبرلمان وإقالة للحكومة، هرعت الجماعة إلى ثلاثة مسارات متوازية ومتتالية، بدأت بمحاولة الغنوشي ونواب حركته الاعتصام أمام البرلمان، والضغط على الرئيس سعيّد وإجباره على التراجع عن قراراته؛ لكن قياس “النهضة” تفاعلات الشارع التونسي مع الإجراءات، وإظهار الرئيس عزيمة قوية على المٌضي قدماً في تنفيذ قراراته، أجبرا الغنوشي ورفاقه على التراجع عن الخطوة، والذهاب مباشرة إلى التخلص من المستندات والوثائق التي يتوقع أن تحتوي على حيثيات إدانة لفساد حزب الجماعة؛ حيث واجهت بلدية العامرة التابعة لولاية صفاقس، التي يتكون مجلسها من 24 عضواً؛ 14 منهم ينتمون إلى حركة النهضة، اتهاماتٍ بتعمد التخلص من أرشيف ووثائق، عقب اعتقال شخص يحرق مستندات بالقرب من البلدية. بينما علَّق رئيس البلدية الإخواني شكري لشطر، بأن المستندات التي أُتلفت عبارة عن مسودات عادية من مشمولات كاتب عام البلدية وغير مختومة بخاتم رئيسها، إلا أن الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في تونس أكدت ثبوت عمليات الإتلاف.

أردوغان والغنوشي- وكالات

بالتوازي مع مسار إزالة آثار (الجرائم) السياسية بحرق الوثائق، ظهر على الأفق الشرقي على الحدود التونسية- الليبية- الجزائرية مسار آخر، أكثر حدة وشراسة؛ حيث عزَّز الجيش الجزائري وجوده على الشريط الحدودي، باعتماد عناصر إضافية ضمن دوريات المراقبة، عقب ضبطه كميات كبيرة من الأسلحة على الحدود التونسية والليبية لها صلة بشبكات التهريب والمتاجرة بالأسلحة والإرهاب التي تنشط في ليبيا، حسب مصدر أمني جزائري، ما يشي بأن احتمال ذهاب “النهضة” إلى تفجير الأوضاع الداخلية عبر آلية العمليات الإرهابية أمر محتمل.

 اقرأ أيضاً: الوجود التركي في غرب إفريقيا بين ضربات القراصنة والرفض الشعبي

إلا أن هذا المسار العنفي الإرهابي، يحتاج إلى منصات وقواعد لكي ينطلق منها، يقلل الباحث السياسي والصحفي عبدالرحمن فاروق، في إفادة خصَّ بها (كيوبوست)، من إمكانية نجاح تركيا في توفير منصات تمكن جماعة الإخوان من العودة انطلاقاً من دول إفريقية مجاورة؛ حيث لا توجد دول إفريقية مجاورة لتونس سوى ليبيا والجزائر، لكنه يشير إلى إمكانية فعل ذلك ولو بشكل محدود في ليبيا؛ حيث ترزح حكومة الوفاق بالكامل تحت قبضة أردوغان، وتأتمر بأوامر أنقرة، ويتبدَّى ذلك من خلال تعليقات مستشار أردوغان ياسين أقطاي، المتكررة، على قرارات سعيّد، ناسباً إياها إلى ما سمَّاها بـ”قوى الشر المتآمرة على الديمقراطية التونسية”، وتصريحات أردوغان نفسه بضرورة وأهمية استمرار عمل البرلمان التونسي؛ لكن رغم ذلك، والحديث لا يزال لفاروق: لا توجد إمكانية حقيقية لتمدد جماعة الإخوان إلى مناطق أخرى في إفريقيا، واتخاذها بؤراً لتفجير الأوضاع في تونس من أجل وضع الجماعة على سدة الحكم عبر الوسائل العنفيِّة؛ فالدول الإفريقية جنوب الصحراء الكبرى المُتاخمة لتونس والجزائر وليبيا، رغم العلاقات المميزة لبعضها مع تركيا، لن تسمح بوجود إخواني سياسي أو مسلح على أراضيها؛ خصوصاً أنها تعاني إرهاب الإسلام السياسي ممثلاً في جماعة بوكو حرام والجماعات الجهادية الأخرى، وتعمل على مكافحتها ومنافحتها بقوة من أجل القضاء عليها.

أردوغان والسراج- وكالات

تحييد سياسي ودبلوماسي

لربما ستحاول تركيا -يستطرد فاروق- في إطار سياسة القوة الناعمة، استغلال العاطفة الدينية والمصالح المشتركة التي حققتها في بعض منطقة دول الساحل والصحراء من أجل تحييدها دبلوماسياً وسياسياً؛ لكي لا تتخذ موقفاً لصالح إجراءات قيس سعيّد داخل الاتحاد الإفريقي مثلاً. غير ذلك، فالدول التي كان يمكن الاعتماد عليها في توفير ملاذات آمنة للجماعة التونسية مثل الصومال، تبعد آلاف الكيلومترات عن تونس؛ ما يقلل من إمكانية التأثير انطلاقاً منها.

عبدالرحمن فاروق

بالنسبة إلى السودان، يشير فاروق إلى أنه رغم هشاشة الأوضاع السياسية والاقتصادية وسيولة الأوضاع الأمنية في البلاد؛ فإن روح الثورة التي أطاحت بحكم الإخوان المسلمين لا تزال مُتقدة وستحول دون وجود إخواني تونسي واحد في البلاد، حتى لو أرادت بعض المجموعات ذات التوجه الأيديولوجي الإخواني المشاركة في الحكومة؛ مثل حركة العدل والمساواة بقيادة وزير المالية جبريل إبراهيم، ذلك؛ خصوصاً في ظل وجود حركات مسلحة وقَّعت اتفاقيات سلام مع الحكومة الانتقالية في السودان، تميل إلى دعم الفريق خليفة حفتر؛ مثل حركة تحرير السودان (جناح مني أركو مناوي)، فضلاً عن قوات الدعم السريع بقيادة نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي محمد حمدان دقلو (حميدتي).

اقرأ أيضاً: أبوبكر شيكاو الإرهابي الأكثر وحشية.. هل مات منتحراً؟

ليبيا.. ساحة لاستعراض العضلات

د.آمنة عمر

بالنسبة إلى الصحفية والمحللة السياسية الدكتورة آمنة عمر، فإن الساحة المثالية التي يمكن لتركيا توفيرها لحركة النهضة من أجل تهديد الأمن القومي التونسي، هي ليبيا فقط باعتبارها الحلقة الأضعف مقارنة بالجزائر، وهما الدولتان الإفريقيتان الوحيدتان اللتان تجاوران تونس، وهذا من حسن الحظ.

لكن ينبغي أن لا نقلل من أن الصراع الليبي يمثل فرصة ثمينة لاستعراض عضلات الجماعة الإرهابية، تردف عمر وتواصل حديثها إلى (كيوبوست): أما بقية الدول الإفريقية القريبة من تونس نوعاً ما مثل تشاد والسودان والنيجر ومصر، فقد نبذت الجماعة مرة وإلى الأبد، بعد أن عانت تسلطها وجبروتها، ولا تلوح أية إمكانية لنجاح تركيا في توفير ملاذات لحركة النهضة في هذه الدول، ولا الدول الأبعد جغرافياً؛ مثل مالي وموريتانيا والسنغال، على سبيل المثال.

هذا فضلاً عن أن الجيش الجزائري الذي يعتبر أحد أقوى وأحدث الجيوش الإفريقية، لن يسمح بتسلل الجماعة عبر الحدود من ليبيا وإليها، وكذلك من النيجر المجاورة للجزائر، والأكثر هشاشة أمنية واقتصادية بنظيراتها في منطقة الساحل والصحراء.

الجيش الجزائري ينتشر على الحدود الليبية- وكالات

اقرأ أيضاً: مسجد الأمة في غانا.. تمويه “أردوغاني” جديد للتغلغل في إفريقيا

بطبيعة الحال، لن نغفل عن بعض الأدوار المحدودة التي يمكن أن تقوم بها حكومة الوفاق في ليبيا، والتي ربما لن تتجاوز تسهيل تهريب بعض المتهمين في قضايا أمنية أو قضايا فساد من منسوبي حركة النهضة إلى خارج تونس خشية محاكمتهم، أو السماح بتسلل بعض العناصر الإرهابية عبر الحدود لتنفيذ بعض العمليات لتأزيم الأوضاع هناك؛ لكن كل ذلك لا يرقى إلى المساهمة في قلب الأوضاع وتغييرها جذرياً.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة