الواجهة الرئيسيةشؤون خليجية

بسمة مبارك .. ظاهرة انتخابية عمانية كسرت حاجز العادات و التقاليد

بعض فئات المجتمع العماني التي أظهرت تسامحًا واضحًا في ما يتعلق بحرية الدين والمعتقد لا تبدو متسامحة بنفس الدرجة عندما يتعلق الأمر بحرية امرأة اختارت أن تظهر في هذا المجتمع دون حجاب

كيوبوست

من المعتاد أن يُثير المرشحون في انتخابات؛ تشريعية كانت أم رئاسية، الجدل حتى موعد الذهاب إلى صناديق الاقتراع؛ لكن من النادر أن يستمر الجدل حول شخصية هذا المرشح ورؤاه الانتخابية إلى ما بعد ظهور النتائج.

هذه هي قصة المحامية العمانية بسمة مبارك، التي جذبت لها الأنظار مع بدء تقديم المرشحين ملفاتهم إلى انتخابات مجلس الشورى في دورتها التاسعة. فتاة بلغت للتو الثلاثين، وهي السن الأدنى قانونيًّا للتقدم بطلب الترشيح، ومنذ تلك اللحظة بدأت بسمة في لفت الأنظار إليها؛ نظرًا لجرأة الطرح الذي اعتمدته طوال مدة الحملات الانتخابية، جرأة لفتت إليها أنظار دول خليجية أخرى، لم تعتَد على طرح مماثل؛ خصوصًا إذا كانت صاحبته امرأة.

بسمة مبارك اثناء محاولة البعض الهجوم على مقرها الانتخابي – سما برس

 خسارة غير متوقعة

أسئلة كثيرة تحوم حول أسباب خسارة محامية شابة تحمل في جعبتها كثيرًا لخدمة وطنها في مجلس الشورى؛ فبينما كان طرحها له صدى واسع في وسائل التواصل الاجتماعي، لم يحظَ بنفس التفاعل على الأرض وبين الناخبين الذين كانت لهم الكلمة الفصل في هذا القرار.

مراقبون تحدَّثوا عن صوت جديد يخترق المجتمع العماني لأول مرة، ويحاول أن يُغير جذريًّا في منظومته المحافظة؛ وهو أمر حاولت بسمة شرحه منذ البداية، عندما أكدت، في أكثر من مناسبة، أن الحجاب لا يجب أن يقف عائقًا أمام مَن يرغب في الانضمام إلى ركب التغيير، في رسالة مفادها أن المجتمع العماني في طريقه لكسر حواجز تتعلق بالعادات والتقاليد.

لكن تلك الرسالة لم تُفهم بالشكل الذي كانت بسمة تسعى له؛ لدرجة جعلت البعض يشن الحملات عليها في وسائل التواصل الاجتماعي، مشككًا في منظومة الأخلاق الاجتماعية التي سمحت لها بالترشح إلى هذا المقعد، بينما ذهب البعض الآخر إلى ما هو أبعد من ذلك، عندما حاول إثارة الشغب في تجمعات انتخابية كانت بسمة تسعى من خلالها للوصول إلى الجميع؛ حتى أولئك ممن رفضوا الاستماع إلى ما تحتفظ به في داخل رأسها، مفضلين البحث عما يجب أن تضعه فوقه.

بعض فئات المجتمع العماني التي أظهرت تسامحًا واضحًا في ما يتعلق بحرية الدين والمعتقد، لا تبدو متسامحة بنفس الدرجة عندما يتعلق الأمر بحرية امرأة اختارت أن تظهر في هذا المجتمع دون حجاب، وردود الفعل كانت قاسية أكثر عندما قررت تلك المرأة الترشح إلى مجلس الشورى لتمثيل المجتمع. وحسب المراقبين للشأن العماني، لا يرغب هؤلاء في أن تشكل بسمة نموذجًا جديدًا للمرأة العمانية، وقدوة قد تحتذي بها نساء أُخريات في وقت قريب.

بسمة في احد لقاءاتها الانتخابية – صفحتها على تويتر

القبيلة والتحدِّي الأصعب

عراقيل أخرى كانت تقف في وجه بسمة مبارك (الكيومي)؛ وهو اسم قبيلتها الذي اختارت أن لا يكون موجودًا بشكل دائم في برنامجها الانتخابي؛ خصوصًا أنها اختارت الخوض في منطقة تبتعد عن امتدادها القبلي، فالرسالة الشجاعة التي كانت تعتزم بسمة إرسالها إلى المجتمع ترتكز على أهمية التخلص من النفوذ القبلي والعشائري الذي طالما كان السلاح الأبرز لعديد من المرشحين في الانتخابات التشريعية؛ لكن حساباتها أيضًا في هذه النقطة لم تكن صائبة.

فالمجتمع العماني لا يزال يرتكز على القبيلة كعنصر أساسي؛ قد يدفع بمرشح ما إلى مقعد برلماني، وقد يحرم آخر لا يمتلك هذا التفضيل، والمثالية التي تعجّ بها وسائل التواصل الاجتماعي من ناشطين عمانيين لا تشبه واقع المجتمع، والذي ذكره كاتب عماني عبر صفحته على “تويتر” تغريدة مفادها: “إن القبيلة في مجتمعنا الخليجي واقع لا يمكن القفز عليه، فإما أن نتعامل معه باحترام ونعمل على تطويعه وإصلاحه وإما أن نعيش في أبراج مثاليتنا العاجية، ونترك الوطن نهبًا للانتهازيين الذين يستخدمون القبيلة لخدمة مصالحهم الشخصية”، وهو واقع لا يمكن الالتفاف عليه ولو بحُسن النوايا وقوة الخطط والبرامج التي ارتكزت عليها بسمة خلال حملتها الانتخابية.

لكن كل ذلك لا ينفي حقيقة واحدة؛ وهي أن بسمة مبارك التي لم تنجح هذه المرة في الوصول إلى مجلس الشورى لهذا السبب أو ذاك، قد خلقت حالة انتخابية جديدة في الخليج، تدفع بكثير من الأمل حيال الشباب الذي تخلص من رواسب اجتماعية كثيرة؛ لكنه ينتظر اللحظة المناسبة لتخليص مجتمعه منها.. يقول مناصروها: “بسمة ألقت حجرًا في مياه راكدة، ولم تكن مجرد زوبعة في فنجان؛ بل بذرة وعي انتخابي جديد بدأت تجد طريقها شيئًا فشيئًا إلى الأذهان”.     

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة