الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

بسبب الفساد وغياب الرقابة.. إيران تنهب الثروة السمكية في اليمن

يتركز نشاط سفن الصيد الإيرانية حول محافظة أرخبيل جزيرة سقطرى.. وسط مخاوف من استغلال تلك السفن في تهريب الأسلحة

كيوبوست

تعتبر الأسماك مصدراً مهماً للغذاء اليومي لسكان اليمن، بالذات المحافظات الساحلية؛ مما يجعلها عنصراً مهماً ليس للأمن الغذائي الآخذ في التدهور فحسب، بل أيضاً مصدر دخل لنسبة كبيرة من الحرفيين في قطاع الأسماك. فوفقاً لوزارة الثروة السمكية اليمنية يسهم قطاع الأسماك في اليمن بنسبة 3% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، ويوفِّر فرص عمل لـ1,5% من القوى العاملة التي تدعم سبل عيش 3,2% من السكان.

ولكن غياب الحكم السليم في اليمن، ضعف الرقابة وإنفاذ القانون، يستنزف المخزون السمكي للبلاد ويدمِّر مواطن الأسماك، كما يهدد الأمن الغذائي والدخل لشريحة واسعة من السكان. وفي أحدث التقارير في هذا الصدد ذكرت منظمة “غلوبال فيشينغ ووتش” (GFW) أن نحو 200 سفينة صيد إيرانية تم اكتشافها خلال موسم الصيد 2019- 2020، وهي تمارس عمليات صيد غير مشروعة في مياه اليمن والصومال، وهي امتداد طبيعي للفساد وضعف الحكم وإنفاذ القانون الذي ينخر في كيان اليمن منذ عقود.

اقرأ أيضاً: الاقتصاد اليمني بين عجز الحكومة وطغيان المتمردين

قطاع اقتصادي مهم

يحظى اليمن بشهرة عالمية في جودة الأسماك؛ خصوصاً سمك التونا. كما يأتي اليمن من بين أوائل الدول المنتجة والمصدِّرة للأسماك، وقد احتل المرتبة الثالثة في عام 2005 بعد كلٍّ من مصر والمغرب. شهدت صادرات الأسماك زيادات كبيرة خلال العقد الماضي حتى وصلت إلى 110000 طن في عام 2010، وهو ما مثّل حينها 58% من إجمالي إنتاج الأسماك.

ولكن صادرات الأسماك والأحياء البحرية سجَّلت انخفاضاً حاداً خلال الفترة من 2013- 2018، وفي أحدث إحصائيات مُتاحة تمكَّن اليمن في عام 2018 من تصدير ما قيمته 53 مليون دولار فقط من الأسماك الطازجة غير منزوعة العظم مقارنة بما قيمته 232 مليوناً في عام 2013، وما قيمته 33 مليون دولار من الرخويات مقارنة بـ55 مليوناً.

صياد يمني يحمل حصاد اليوم من السمك- “أسيوشييتد برس”

وعلى الرغم من أهميتها؛ فإن الأرقام المعروفة عن تصدير الأسماك والأحياء البحرية تبقى ناتجة عن النشاط السمكي القانوني والمُسجَّل، وهو ما لا تخضع له السفن الأجنبية التي تدخل المياه الإقليمية لليمن للصيد بطريقة غير شرعية. وقد وصف التقرير الذي صدر مؤخراً عن منظمة “GFW”، نشاط الأسطول الإيراني في اليمن بأنه أحد أكبر عمليات سرقة الثروة السمكية في العالم، وأشار إلى أن هناك اعتقاداً بأن العدد الفعلي قد يكون أعلى بكثير مما تمكَّنت المنظمة من رصده.

اقرأ أيضاً: الإرهاب البحري: تهديدٌ متنامٍ من تنظيم القاعدة والوكلاء الإيرانيين

تُفوِّت عمليات السرقة التي تقوم بها السفن الإيرانية في المياه الاقتصادية لليمن مصدراً كبيراً للدخل من العملة الأجنبية، والتي يمكن أن تسهم في التخفيف من العجز التجاري الهائل الذي تعانيه البلاد. كما تُفوِّت المزيد من فرص العمل للسكان، وكذلك الموارد التي يمكن تحصيلها من الرسوم المفروضة على نشاط الصيد، وإيرادات التزوّد بالوقود والتموين؛ حيث يمنع القانون اليمني على السفن الأجنبية مغادرة المياه اليمنية من دون موافقة وزارة الثروة السمكية، كما يمنع عليها التفريغ أو الشحن أو التزوُّد بالوقود أو التموين خارج الموانئ المحددة.

شكوك وفساد

يتركز نشاط الأسطول الإيراني، الذي تم رصده مؤخراً، حول الصومال ومحافظة أرخبيل جزيرة سقطرى جنوب اليمن. وعلى الرغم من أنه شكَّل النسبة الكبرى من السفن التي تصطاد بطريقة غير شرعية في موسم الاصطياد 2019- 2020؛ فإن هناك سفناً أخرى ترفع أعلاماً هندية وباكستانية وسريلانكية.

يُمثِّل الانتهاك الإيراني امتداداً طبيعياً لزيادة مستمرة في قوارب الصيد الصناعية الأجنبية الذي بدأت تتضاعف منذ عام 1990؛ بدأت بالقوارب الصينية والكورية والمصرية، والتي على الرغم من حصولها على التراخيص اللازمة؛ فإن ذلك لم يكن يعني دائماً امتثالها للقوانين في ما يتعلق بطرق الصيد ومواسمه وأماكنه والأدوات المستخدمة؛ مما كان له تأثير سلبي على الموارد السمكية.

اقرأ أيضاً: رموز “الإصلاح” في اليمن.. انتهازية سياسية كشفت عنها الأزمات

ووفقاً لمصدر حكومي خاص، تحدث إلى “كيوبوست”، فإن شخصيات مُتنفذة في السلطات المركزية بصنعاء كانت تأمر الجهات المحلية المسؤولة عن مراقبة أنشطة الاصطياد بالتغاضي عن عدم امتثال السفن الأجنبية للقوانين إلى ما قبل الأزمة اليمنية في عام 2011. وعلى الرغم من أن المصدر لم يُسمِّي تلك الشخصيات؛ فإن مصدراً تجارياً مطلعاً يعمل في قطاع الأسماك أشار إلى تورُّط علي محسن الأحمر، نائب الرئيس اليمني الحالي، إلى جانب آخرين، في هذا النوع من الأنشطة والاستغلال للسلطة.

خريطة مسارات سفن الصيد الإيرانية خلال موسم الصيد 2019- 2020.. ومن خلالها يمكن رؤية نشاط كبير داخل المناطق الاقتصادية الخالصة للصومال واليمن- منظمة “GFW”

من جانبٍ آخر، رجَّح تقرير منظمة “GFW”، قيام السفن الإيرانية بالاصطياد فقط، وذلك بناءً على مراقبة سلوكها. ومع ذلك، يبدي بعض المراقبين الشكوك حول احتمالية قيام تلك السفن أيضاً بتهريب الأسلحة؛ إذ لطالما عُرف خليج عدن بالقرصنة النَشِطة وتهريب الأسلحة والوقود.

تزداد تلك الشكوك حول تورط سفن الاصطياد الإيرانية في تهريب الأسلحة مع تزايد التقارير التي تؤكد الدور الإيراني الفعّال في تزويد الحوثيين بالسلاح، وكذلك تلقِّي ميليشيات حزب الإصلاح الأسلحة عن طريق تهريبها من خلال السواحل الجنوبية. ومؤخراً، تمكنت قوات التحالف العربي من ضبط سفينة على متنها كميات كبيرة من الأسلحة المهربة قُبالة سواحل محافظة حضرموت دون الإشارة إلى الجهات المتورطة في العملية.

الحلول الممكنة

بناءً على قانون الإدارة المحلية واسع الصلاحيات، فقد تم نقل -وإن كان ببطءٍ شديد- العديدَ من سلطات إدارة المصايد من المستوى المركزي إلى المستوى المحلي. وتخضع هذه الإدارات التنفيذية، وكذلك القطاع بكامله، بطبيعة الحال إلى إشراف المجالس المحلية المنتخبة، التي يقع على عاتقها مراقبة حُسن استغلال الثروة السمكية والأحياء البحرية ووضع التدابير الكفيلة بحمايتها. وكما هو واضح، يسهم الفساد وتعطيل عمل المجالس المحلية؛ بسبب الحرب ونقص التمويل وتزايد الصراع بين القوى السياسية، في تردِّي الرقابة بشكل كبير.

وعلى الرغم من تزايد أنشطة الصيد الإيرانية غير المنظمة، وغير المرخصة، في كلٍّ من اليمن والصومال بلا رادع؛ فإنه على العكس من اليمن فقد أحرزتِ الحكومات الاتحادية والإقليمية في الصومال -على ضعفها- بعض التقدم في تعزيز إصدار التراخيص ورصد أنشطة الصيد في مياهها.

اقرأ أيضاً: هل تفتح معارك سقطرى باب أمل أم صراع طويل الأمد؟

يمكن لتعزيز السلطات المحلية في اليمن، بالذات محافظة سقطرى؛ حيث يكثر نشاط هذه السفن، أن يحرز نجاحاً مُشابهاً، بالذات إذا ترافق مع الحصول على الدعم من التحالف العربي ومن عمليات الأمن البحري الدولية؛ لما في تفشي مثل هذه الأنشطة غير الشرعية والمشبوهة ضرر على الأمن والاقتصاد في اليمن والمنطقة.

ومن جانب آخر، يجب على الدول التي تحمل أعلامها الأساطيل المخالفة؛ وفي مقدمتها إيران، ضمان اتخاذ التدابير اللازمة ضد السفن المخالفة واحترام أمن وثروات الشعوب الضعيفة التي تدعي دائماً الوقوف إلى جانبها ونصرتها.

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة