الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

بريطانيا وعلاقتها بجنوب الجزيرة العربية (3-3)

(الحلقة الثالثة) بين الصراع والاستقرار

كيوبوست- منير بن وبر

اتسمت السياسة البريطانية في جنوب الجزيرة العربية، خلال فترة الاستعمار لعدن، بنهج الدبلوماسية وعقد المعاهدات والاتفاقات مع الزعماء المحليين؛ لكن ذلك لا يعني -بشكل مطلق- أنه الأسلوب الدائم، بل إن الأسلوب يختلف حسب طبيعة الموقف؛ ففي بعض المرات، كما هي الحال في احتلال عدن في عام 1839م، وثورة أكتوبر في الستينيات، استخدم البريطانيون القوة النارية لتحقيق أغراضهم.

ولم تقتصر الجهود الدبلوماسية على العلاقة بين السلطات البريطانية والزعماء المحليين حول عدن فقط، بل شملت أيضاً العلاقات البريطانية- العثمانية؛ حيث تمكن العثمانيون من احتلال شمال اليمن بعد دخول البريطانيين عدن، وكان لدى العثمانيين النية لتوسيع نفوذهم جنوباً. بدأت إحدى المحاولات العثمانية المبكرة لإخضاع الجنوب في عام 1872م عندما بعث العثمانيون برسائلهم إلى زعماء وسلاطين بعض المشيخات في الجنوب، مثل لحج، يطلبون منهم إعلان الولاء للدولة العثمانية. كانت رسائل العثمانيين تجمع بين الترغيب والترهيب؛ حتى إن بعض الزعماء استجابوا لمطالب العثمانيين بالفعل.

اقرأ أيضاً: 120 عاماً من الصراع في اليمن: دور الحدود والقبيلة في الاضطرابات الداخلية

كانت سلطنة لحج، وبحكم قربها من عدن، تخضع لضغط متزايد من العثمانيين، وكان سلطان لحج رافضاً الخضوع لهم؛ مفضلاً الالتزام بمعاهداته مع البريطانيين. لم تثِر ضغوط وتحركات العثمانيين مخاوف سلطان لحج فحسب؛ بل أيضاً مخاوف السلطات البريطانية بشأن التهديدات العثمانية للمشيخات في جنوب اليمن. ونتيجة لذلك، سارعت بريطانيا -بعد التأكد من النيات العثمانية- إلى بذل جهود دبلوماسية وسياسية وعسكرية منذ مطلع عام 1873م؛ تمثلت بعض تلك الجهود أولاً في نقل تحذيرات مشددة إلى والي اليمن العثماني للكف عن محاولات استمالة الزعماء المحليين حول عدن، مؤكدة أن استمرار هذا النوع من الاتصالات يعد عملاً معادياً للحكومة البريطانية. كما أُجريت تحركات دبلوماسية أخرى بين الخارجية البريطانية، وعبر سفيرها في إسطنبول، والحكومة العثمانية؛ من أجل ضبط عمليات السلطات العثمانية في اليمن، وتأكيد حسن نوايا الحكومة العثمانية تجاه سلطنة لحج و”القبائل المجاورة لعدن”. [1]

جنود عثمانيون في صنعاء خلال القرن العشرين- أرشيف

نجحت جهود بريطانيا الدبلوماسية في إفهام العثمانيين مدى أهمية وحساسية الموقف في منطقة عدن وما جاورها بالنسبة إلى البريطانيين؛ لكن الجهود الدبلوماسية لم تكن السياسة الوحيدة، كما أن العثمانيين لم يتخلوا عن طموحاتهم بسهولة؛ وهذا ما يُلاحظ أثناء الحرب العالمية الأولى، 1914- 1918م، حينما وقفت الدولة العثمانية مع الفريق المضاد للبريطانيين.

كان وجود العثمانيين -أثناء الحرب العالمية الأولى- في شمال اليمن يشكل تهديداً للوجود والنفوذ البريطاني في عدن والجنوب؛ لذلك، ولكسب الموقف، سارع البريطانيون إلى عقد تحالف مع الإمام الإدريسي في عسير لقطع مؤخرة القوة العثمانية في شمال اليمن، كما فرضوا حصاراً على سواحل البحر الأحمر، وركزوا مواردهم على حماية ميناء عدن والمنطقة الصغيرة المحيطة به. والجدير ذكره أن الصراع بين العثمانيين والبريطانيين خلال الحرب العالمية الأولى كان عنيفاً في لحج؛ حينما نجح العثمانيون في الاستيلاء عليها ونهبها وتخريبها دون أن تتمكن القوات البريطانية من النجدة في الوقت المناسب، لكن المعارك بعد كارثة لحج لم تتعدَّ المناوشات. وقد أدى تباطؤ المساعدة البريطانية، وأحياناً عدم وجودها أساساً، إلى إذعان بعض القبائل والمشيخات للقوة العثمانية [2].

اقرأ أيضاً: بريطانيا العالمية في عصر تنافسي

كان من نتائج الحرب العالمية الأولى هزيمة الدولة العثمانية، واستقلال شمال اليمن؛ ومع هذه التطورات برزت تطورات عالمية وإقليمية ومحلية أخرى، منها انتهاء العزلة الخارجية، وتصاعد القومية العربية، وتطور الخلافات بين شمال اليمن وجنوبه بسبب رغبة إمام اليمن في ضم الجنوب إلى مملكته. وإزاء هذه التطورات، حاولت بريطانيا تطوير سياساتها في جنوب اليمن بما يتماشى مع الأوضاع الجديدة القائمة، وكان مشروع اتحاد إمارات الجنوب العربي هو أحد مظاهر تلك السياسات.

بدأت فكرة إقامة اتحاد فيدرالي -تابع للحكومة البريطانية- بين إمارات الجنوب في عام 1925م؛ لكن تطبيق الفكرة -جزئياً- لم يتم إلا في نهاية الخمسينيات باتحاد ست سلطنات فقط، ثم زاد عدد الأعضاء في الاتحاد إلى أحد عشر. وفي عام 1962م، تم تغيير اسم الاتحاد من (اتحاد إمارات الجنوب العربي) إلى (اتحاد الجنوب العربي)؛ بسبب قرب دخول مستعمرة عدن في الدولة الاتحادية. وقد كانت الفكرة تقترح إقامة اتحادَين منفصلَين في كامل الجنوب؛ واحد للإمارات الجنوبية الشرقية والآخر للغربية.

اقرأ أيضاً: مارك ميرويتز لـكيوبوست”: لا بديل أمام تركيا سوى التعاون مع دول الشرق الأوسط

وكانت فكرة الاتحادK كما عبر عنها حاكم عدن في عام 1954م، السير توم هيكنبوتام، تهدف إلى مساعدة البريطانيين على جمع مناطق الجنوب “اقتصادياً وسياسياً دون أن يكون هناك تغيير عملي يقضي على عوامل الربط بين السكان ورؤسائهم وبيننا (أي بريطانيا)”. [3] فشل الاتحاد في قيام وتطور ثورة 1963م ضد المستعمر، ودخول المنطقة في مرحلة جديدة تغيرت معها السياسة البريطانية، وكان من مظاهر تلك السياسة محاولات قمع الثورة، والتفاوض على إمكان منح الاستقلال مع الإبقاء على قاعدة عسكرية بريطانية في عدن على أساس الاستئجار؛ لكن هذه المظاهر وغيرها انتهت بخروج بريطانيا من عدن في عام 1967م. 

تعامل الجنود البريطانيين مع المواطنين في عدن أثناء ثورة 14 أكتوبر- أرشيف

لقد كان للفترة الممتدة من احتلال بريطانيا لعدن سنة 1839م إلى خروجها في عام 1967م أثر كبير على هذه المدينة الصغيرة، وتأثير متباين على المناطق المحيطة بها شرقاً وغرباً. وكان من أول مظاهر هذا التأثير النمو السكاني الكبير نتيجة الهجرات إليها بفضل استقرارها الأمني ونمو التجارة والبنية التحتية. ولم تقتصر الأعداد المتزايدة من السكان على العرب فقط؛ بل أيضاً الهنود والأوروبيين والأفارقة بمختلف أديانهم ومذاهبهم.

اقرأ أيضاً: عدن.. مدينة التسامح والتعايش والسلام

أدى النمو المتسارع لعدن إلى إنشاء العديد من الخدمات والمشروعات التي لم تكن موجودة بها أو في أي من المناطق المجاورة لها؛ مثل “بنك عدن” في عام 1850م، وغرفة تجارة عدن في عام 1866م، وتأسيس أول مستشفى في عام 1885م، وتشييد مرافق ميناء عدن الذي كان يستقبل نحو 7000 سفينة سنوياً، ومطار عدن الذي يُعتقد أنه استقبل أول رحلة جوية في تاريخ المنطقة في عام 1919م، وإنشاء مصافي عدن في الخمسينيات. كما تم إنشاء نظام قانوني وإداري للمدينة منذ وقت مبكر، وتطور حتى إصدار “قوانين عدن” في عام 1955م. كما نشأت حركة أدبية وثقافية كبيرة، وكان لظهور المطابع ودور النشر دور في هذا الصدد، إذ أُنشئت أول مطبعة في عدن عام 1854م لشركة “قهوجي دنشو وإخوانه”.

ميناء عدن في الستينيات من القرن الماضي- أرشيف

وصحيح أن التنافس بين العثمانيين والبريطانيين في اليمن كان سبباً للنزاع، إلا أنه من ناحية أخرى أسهم في ضبط النزعة العدوانية العثمانية ومن بعدها رغبة حكام شمال اليمن في ضم الجنوب، وإبقاء مشيخات وسلطنات الجنوب في مأمن إلى حد كبير. لم يكن الوجود العثماني في شمال اليمن مفيداً بقدر ما استفادت عدن من الوجود البريطاني، كما أن المقارنة بين طريقة تعامل العثمانيين وإدارتهم للبلاد بنهج البريطانيين هي مقارنة خاسرة تميل إلى صالح البريطانيين، وهذا لا يعني بأية حال من الأحوال تأييد الاستعمار؛ بل أهمية دراسة عوامل نجاح الأمم وفشلها.

المراجع:

[1] عدن والسياسة البريطانية في البحر الأحمر، د. فاروق عثمان أباظة. ص 585.

[2] اليمن الجنوبي: الحياة السياسية من الاستعمار إلى الوحدة، علي الصراف. ص 50.

[3] تجزئة اليمن، النزاع البريطاني العثماني في جنوب اليمن (1872- 1872م). الدكتور عبدالرحمن بن راشد الشملان. .ص79- 82

لقراءة الحلقة الأولى: بريطانيا وعلاقتها بجنوب الجزيرة العربية (1-3)

لقراءة الحلقة الثانية: بريطانيا وعلاقتها بجنوب الجزيرة العربية (2-3)

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة