الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

بريدة.. بعد “حوش غنم عاتق” موعد آخر جديد للمدينة مع السينما

عبدالله الزيد♦

اليوم، ومع افتتاح أول دور العروض السينمائية في مدينة بريدة، تبدأ حكاية جديدة يتلمس من خلالها أهالي المدينة الهادئة تفاصيل “فرصة مختلفة لتشكيل نوع جديد من الحقائق..”، كما يقول الفيلسوف الفرنسي آلان باديو، وحينما نتحدث عن موعد آخر جديد؛ فهذا لأنها لم تكن العلاقة الأولى بين أهالي بريدة والسينما! ففي عام 1937م ظهر -ابن بريدة- خليل الرواف، ممثلاً سينمائياً في أول ظهور لممثل عربي سعودي في هوليوود، لفيلم من بطولة النجم الأمريكي المعروف جون واين، وإخراج آرثر لوبين.

اقرأ أيضًا:  حفلة غنائية لمحمد عبده في “بريدة المُحَافِظة” تُسَجِّل ترندًا عالميًّا (الحلقة الأولى)

ولم ولن تكون حكاية “الرواف” الوحيدة لأهالي المدينة مع السينما؛ حيث قدمت شركة “أرامكو” عام 1976م مجموعة من العروض السينمائية، اختارات لها “حوش غنم عاتق” في شارع الصناعة وسط المدينة، بعد استئجار “أرامكو” الحوش وتجهيزه للعروض، في حملة تثقيف سينمائية لحقبة لا يمكن أن تُمحى من الذاكرة، ولتكون هذه الحكاية هي الأخرى أحد النقوش القليلة الباقية على جدار العلاقة بين أهالي بريدة والسينما؛ حيث لم تحظَ تلك العلاقة -وبكل تجرد- بفترات حميمية كثيرة، وحتى تاريخ كتابة هذه المقالة، الذي يتزامن مع موعد افتتاح أول دور عرض في وقت يعد متأخراً مقارنةً ببقية مدن ومحافظات المملكة العربية السعودية، ضمن الرؤية السعودية الطموحة لمشروع جودة الحياة؛ لترك بصمة مضيئة في مشروع استهلاك الفنون والترفيه للسعودية وزائريها.

خليل الرواف من بريدة.. أول ممثل عربي في هوليوود- لقطة من فيلم (I Cover the War! 1937)

على بُعد بِضعة كيلومترات من موقع دار السينما الجديدة في مدينة بريدة، والتي تقع في الركن الشمالي لأحد مراكز التسوق على طريق الملك عبدالله -رحمه الله- أحد أحدث مشروعات البنى التحتية التي تشهد على مرحلة من التحول في وجه المدينة التجارية النشطة، وقبل دخول الألفية الجديدة كانت محلات تأجير أشرطة الفيديو تعد البديل الوحيد والمتاح لسكان المدينة؛ لربطهم مع جديد الإنتاج السينمائي التجاري رغم ما تعانيه تلك الإنتاجات من رقابة أخلاقية صارمة يصعب معها المحافظة على خيارات فنية معقولة ومتعددة لزبائن تلك المحلات القليلة؛ حيث كان استهلاك الفنون بشكل عام والسينما بشكل خاص، يعاني مضايقات، إحداها الفتوى الدينية المتشددة، والتي تحرِّم ليس فقط استهلاك تلك المنتجات ومشاهدتها؛ بل حتى تحريم تأجير المواقع التجارية لأصحاب محلات الفيديو؛ مما يضطر التاجر إلى البحث عن مواقع أخرى بأسعار مرتفعة، أو في مواقع ودهاليز لا تخدمه في الجانب التسويقي والتجاري، وهذا كله ما زال يرتبط معي شخصياً في حادثة: حين كنت أرتاد أحد المعارض التي تبيع وتؤجر كاسيت الفيديو عبر رحلة طويلة وشاقة من وسائل النقل العام، تستمر لمدة ساعات، قادماً من شرق بريدة إلى شمالها، قبل أن أمتلك سيارتي الخاصة؛ حينها كان “بعض” مرتادي المحل يتلثمون بالشماغ؛ لتغطية وجوههم حتى لا يتمكن من معرفتهم أحد في معرض تأجير أفلام الفيديو!

اقرأ أيضًا: حفلة غنائية لمحمد عبده في “بريدة المُحَافِظة” تُسَجِّل ترندًا عالميًّا (الحلقة الأولى)

ورغم كل ما يُقال؛ فقد صبغت المدينة أبناءها بروح العزيمة والتحدي منذ رحلات تجار العقيلات الشاقة على ظهور الجمال، والتي انطلقت في القرن السابع عشر الميلادي وحتى اليوم، عبر سعي حثيث لا يلين نحو النجاح والتفرد؛ فقد تعود سكان بريدة على ألا يكونوا على هامش الحدث في أية تجربة يخوضونها، وكانت السينما جزءاً من تلك التحديات؛ فمع دخول الألفية الجديدة، كان -على سبيل المثال- ابن بريدة والسينمائي والناقد المعروف فهد الأسطا، ضمن الواقفين على خشبة مسرح مهرجان مراكش الدولي؛ لتتويج فيلمه الأخير “آخر زيارة” في جائزة لجنة التحكيم؛ ليسهم “الأسطا” قبل ذلك وبعده ضمن جهود حثيثة وجادة عبر مجموعة من الأعمال النقدية وورش الكتابة التدريبية والتجارب الإخراجية، وذلك لنفث الروح في جسد التجربة السينمائية السعودية، ضمن مجموعة من الشباب السعودي الشغوف من مختلف مناطق ومدن المملكة الأخرى.

صورة لبعض رجال العقيلات- أرشيف

اقرأ أيضًا: مئة عام من التحولات جعلت “بريدة” مدينة استثنائية (الحلقة الثانية)

أخيراً، ورغم التحديات التي تمر بها سينما الصالات التجارية، والنقاش الطويل الذي لا ينتهي في كونها عنصراً مؤثراً في تردي الذائقة الفنية الرفيعة، ورغم التحديات حتى على المستوى التجاري مع ظاهرة منصات البث الرقمية؛ فإن حدثاً مثل افتتاح دار السينما وعودة مثل هذه الروح لمدينة بريدة لا يمكن مطلقاً تجاهله، خصوصاً في مدينة دائماً ما تفاجئ مراقبيها عبر تفاعل لا يمكن توقعه أو تخمينه؛ مما يؤكد ما يتمتع به سكانها من انفتاح، واستيعابهم المذهل لكل ما هو جديد.

♦باحث سعودي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبدالله الزيد

باحث سعودي

مقالات ذات صلة