الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

بروفايل: عُمره من عمر لبنان … وداع البطريرك نصر الله بطرس صفير

كيوبوست- بروفايل

في وقت مبكر من صباح الأحد 12 مايو الجاري، توفي البطريرك اللبناني نصر الله بطرس صفير، بطريرك الموازنة السابق في لبنان، عن عمر يبلغ التاسعة والتسعين، بعد أيام من العناية الطبية الفائقة في مستشفى أوتيل ديو.

ولد صفير في ريفون في منطقة كسروان الجبلية عام 1920، ولعب دورًا بارزًا خلال الحرب الأهلية التي دارت من عام 1975 إلى عام 1990. وكان صفير قد انتخب للبطريركية عام 1986، ومنحه البابا يوحنا بولس الثاني رتبة كاردينال في عام 1994. وعندما حلّ عام 2011، استقال صفير من منصب البطريرك.

ويتعامل كثيرون مع صفير باعتباره رجلًا عاش من السنين ما عاشته دولة لبنان، بمعنى أنه ولد في عام 1920، وهو العام الذي تم فيه إعلان قيام الدولة اللبنانية بحدودها المعروفة حاليًّا؛ ولذلك يُقال عن البطريرك الراحل إنه رجل من عمر لبنان.

اقرأ أيضًا: في أزمة لبنان الاقتصادية.. فتش عن حزب الله

قدَّم صفير نفسه كواحد من أشد معارضي النظام السوري الذي يقف بشار الأسد على قمته، كما عُرف البطريرك الراحل بمواقفه المدافعة عن حقوق المسيحيين؛ إذ كان شخصية محورية في جهود المصالحة بين المسيحيين والدروز بعد الحرب الأهلية.

وانتخب صفير بطريركًا للكنيسة المارونية في عام 1986، في السنوات الأخيرة للحرب التي شهدت معارك بين الأطراف المسيحية، وشهدت ما سُمّي بحرب التحرير التي أطلقها قائد الجيش، آنذاك، الجنرال ميشال عون، ضد الجيش السوري، وانتهت بأن غادر إلى منفاه الاختياري لسنوات طويلة.

اتفاق الطائف

ودعم البطريرك صفير اتفاق الطائف الذي وضع حدًّا للحرب في لبنان في عام 1989، ولكنه تحول، في وقت لاحق، إلى أحد أكبر وأهم مَن انتقدوا الطريقة التي تم تطبيقه بها.

كما شهدت مرحلة ما بعد “الطائف” مباشرة ما سمّي بفترة الإحباط المسيحي في ظل غياب أو سجن أو تهميش قيادات مسيحية ذات ثقل تمثيلي في البلاد. فتحوَّل مقر البطريرك الماروني، في بكركي، إلى أحد المنابر القليلة لأصوات المعارضين للنظام، آنذاك.

غير أن الدور الأبرز للبطريرك صفير جاء مباشرةً عقب الانسحاب الإسرائيلي من لبنان في عام 2000 عندما أطلق مجلس المطارنة الموارنة برئاسته، في سبتمبر من العام نفسه٬ نداء طالب فيه بانسحاب الجيش السوري من لبنان واستعادة لبنان إلى سيادته.

وقد اعتُبر هذا البيان الشرارة الأولى لانطلاق الدعوات للخروج السوري من لبنان، وهو ما تحقق في ما بعد؛ عندما تم اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري.

معارضة الوجود السوري في لبنان

وفي عام 2000، عند انسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب اللبناني بعد 18 عامًا من الاحتلال، طالب صفير بانسحاب القوات السورية الموجودة في البلاد منذ عام 1976، ووصف لبنان، وقتذاك، بأنه بلد غير مستقل ولا يتمتع بالسيادة في أثناء وجود القوات السورية، وعندما اضطرت سوريا إلى سحب قواتها عام 2005، لم تتوقف تدخلاتها في لبنان؛ ولذلك لم يتوقف صفير هو الآخر عن دعم المعارضين لاستمرار نفوذ سوريا في لبنان.

اقرأ أيضًا: ترجمات: ريّا الحسن.. أول امرأة تواجه الوصاية الذكورية وجنرالات الحرب في لبنان

وفي نفس العام 2000، رعى البطريرك اجتماعًا للقوى والشخصيات المسيحية التي أعلنت دعمها لمطلبه. وشكَّلت هذه القوى تجمُّعًا عُرف بلقاء “قرنة شهوان”، نسبة إلى البلدة التي كان يعقد فيها، وضم غالبية الأحزاب والتيارات المسيحية وشخصيات مستقلة تعترض بشدة على الدور السوري في لبنان.

وبات لقاء قرنة شهوان يُعقد دوريًّا تحت سقف الدعوة لخروج سوريا، بحضور مطران من الكنسية المارونية بتكليف من البطريرك صفير.

ولم يكن موقف البطريرك صفير المعارض للدور السوري بالجديد. فقد سبق له أن اعترض على دور سوريا في لبنان في السنوات التي تَلَت انتهاء الحرب، في مطلع التسعينيات. كما كان من المعترضين على رغبة سوريا في التمديد لرئيس الجمهورية السابق إميل لحود، عام 2004، معتبرًا التمديد خطوة غير دستورية.

حالة حزب الله الشاذة

لم يكتفِ البطريرك صفير بالتصعيد المستمر ضد سوريا وتدخلاتها في لبنان؛ بل رفع البطريرك السقف ضد جماعة حزب الله؛ فاتهم الجماعة بأنها تأتمر بأوامر من الخارج وأن سلاحها غير شرعي، وصولًا إلى حد وصفها بالحالة “الشاذة”.

هذه المواقف للبطريرك صفير قوبلت بانتقادات حادة من حلفاء سوريا في لبنان؛ خصوصًا من المسيحيين، وعلى رأسهم النائب الشمالي سليمان فرنجية، الذي دعا الفاتيكان إلى إقالته. وبعد دخوله في تحالف مع حزب الله، بات انتقاد العماد عون للبطريرك صفير ومواقفه أكثر حدة.

اقرأ أيضًا: لهذه الأسباب.. الحرب مستبعدة بين لبنان وإسرائيل

لم يكن موقف البطريرك الماروني المعارض لسوريا وحزب الله المحطة الوحيدة التي تميَّز بها أداء رأس الكنيسة المارونية في لبنان.

فقد اتخذ موقفًا معترضًا على انتخاب حليف دمشق سليمان فرنجية، لرئاسة الجمهورية عام 1988. ومن ثَمَّ أعلن اعتراضه على الاتفاق السوري- الأمريكي على انتخاب النائب المقرب من سوريا مخايل الضاهر للرئاسة.

وعندما جاء عام 2011، وبشكل مفاجئ، قرر البطريرك أن يستريح؛ إذ رفع رغبته في الاستقاله إلى البابا الذي وافق عليها بعد اجتماعه بصفير، غير أن اهتمامه بما يدور على الساحة السياسية لم يخفت قط.

وستفتقد الساحة الوطنية في لبنان، برحيل البطريرك صفير، رجلًا عقلانيًّا وصلبًا في مواقفه الوطنية وفي دفاعه عن سيادة لبنان واستقلاله وكرامة شعبه، في أعتى المراحل والظروف، حسب ما أكده الرئيس اللبناني ميشال عون، في بيان رسمي.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة