الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

بروفايل: السوري طيب تيزيني يرحل مغادرًا “الساحة المبتذلة”

في وداع واحد من أهم مئة مفكر عالمي

كيوبوست

 في العام 1998، اختارت منظمة “كونكورديا” الألمانية- الفرنسية، المفكر السوري طيب تيزيني، ليكون واحدًا من أهم مئة مفكر وفيلسوف عالمي في العصر الحديث.

وعلى الرغم مما ارتكبه النظام السوري الذي يقف على رأسه الآن بشار الأسد، من فظائع وحماقات لا تخفى على أحد؛ فإن تيزيني قرر أن يبقى متمسكًا بمدينته ومحل ميلاده مدينة حمص السورية، ليعيش بها على خلاف العديد من المفكرين والكتاب الذين آثروا مغادرة سوريا بعدما تحوَّلت إلى كابوس مقيم، وأصر تيزيني على قراره وبقي في حمص إلى أن وافته المنية فجر السبت 18 مايو 2019 عن عمر يبلغ الخامسة والثمانين.

اقرأ أيضًا: قبل أن تصبح ليبيا سوريا جديدة

ولد تيزيني في حمص عام 1934، وتلقى علومه فيها ثم غادر إلى تركيا بعد أن أنهى دراسته الأولية، ومنها إلى ‏بريطانيا ثم إلى ألمانيا لينهي دراسته للفلسـفة فيها، ويحصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة عام 1967 أولًا، والدكتوراه ‏في العلوم الفلسفية ثانيًا عام 1973. عمل في التدريس في جامعة دمشق وشغل وظيفة أستاذ في الفلسفة حتى وفاته‎.

كانت بدايات الوعي السياسي عند طيب تيزيني في مدينة حمص التي كانت مركزًا سياسيًّا وثقافيًّا مهمًّا لسوريا، وانخرط المفكر السوري في الحياة عبر السياسة في هذه المدينة، حينما كانت تخرج فيها تظاهرات من المدارس في مناسبات عدة؛ منها عيد الاستقلال وعيد المدينة.

معارضة النظام السوري

وقف تيزيني مع الثورة السورية، وطالب بشار الأسد منذ بدايتها بالتنحي، وتحدث في أكثر من منبر عن فساد النظام وعن الدولة الأمنية التي ابتلعت المجتمعات العربية وسوريا بشكل خاص.

وفي العام 2011، كان تيزيني ضمن مجموعة من المثقفين والحقوقيين، ممن اعتصموا مع عشرات من الأهالي في شهر مارس، أمام وزارة الداخلية في دمشق؛ للمطالبة بالإفراج عن معتقلي الرأي في سوريا. وتم اعتقاله مع آخرين قبل أن يُعاد إطلاق سراحهم بعد يومَين. كما كان مع معارضين آخرين؛ بينهم ميشيل كيلو ولؤي حسين وفايز سارة، في عداد معارضين دعتهم السلطات في بداية الحركة الاحتجاجية إلى ما سمَّاه النظام “خلق نواة حوار” بين السلطة والمعارضة؛ في محاولة بائسة لتجميل وجه النظام القبيح.

وخلال مشاركته في لقاء تشاوري حواري في يوليو 2011، حضره نائب الرئيس السوري، آنذاك، فاروق الشرع، ونحو 200 شخص آخرين، طالب تيزيني بـ”تفكيك الدولة الأمنية”، لافتًا إلى أن هذا شرط لا بديل عنه، مرجعًا السبب الأساسي لكل ما تمر به سوريا من مشكلات إلى الطريقة التي تدير بها الدولة الأمنية الأمور هناك.

 فشل الإسلام السياسي

كان تيزيني يعتقد أن فشل تيارات الإسلام السياسي في تحقيق حضور سياسي ناجح بعد ثورات الربيع العربي، يعود إلى أن الماضي في فكر تلك التيارات ونقاشاتها هو الأكثر حضورًا من الحاضر، وأن المرحلة الجديدة لم تكن متطابقة مع ما ينبغي أن يحدث؛ لذلك يمثل هذا الأمر نقطة حاسمة في إخفاق المشروع الإسلامي، من وجهة نظره، وهو المشروع الذي انشغل في الأساس بدولة خلافة وزعامة دينية موهومة، دون الأخذ في الاعتبار بمعطيات الواقع الجديد ومتطلباته المختلفة.

اقرأ أيضًا: تسجيلات صوتية تكشف مساعدة تركيا لداعش في سوريا

 سوريا ساحة مبتذلة للعالم

في العام 2017، وصف تيزيني سوريا بأنها “ساحة مبتذلة للعالم”، وأن الكل يسعى إلى تحصيل موقع له فيها؛ إذ تعيش اليوم تمزقًا هائلًا. حدث ما حدث، ولن يمرّ بسهولة. وأوضح المفكر السوري أن فريقًا من المنتفعين يريد أن يبقى خمسين سنة، وآخر 25 سنة، وثالثًا يريد أن يبقى دائمًا، فالخلاف صار حول فترات البقاء والتملك في سوريا، وهذا ينذر بأن سوريا قد تمزَّقت.

ولكن تيزيني كان يملك من اليقين ما جعله مؤمنًا بأن هذا لن يحدث، وأن سوريا في لحظة واحدة يمكن اكتشافها متآخية حتى الثمالة؛ بحيث لا يستطيع أي أحد من الأغراب “أن يأخذوا ما يأخذون”، حسب وصفه.

إسهاماته الفكرية

عمل تيزيني على مشروع فلسفي متكامل، ينقب في جذور الفكر العربي محاولًا تجديده، وكتب في هذا السياق أغلب مؤلفاته التي كان أشهرها: كتاب “مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط” خلال سبعينيات القرن الماضي.

وفي العام 1997، بدأ تيزيني يركز أكثر على معالجة عوائق النهضة العربية سواءً في فكر الذات أو تلك الناتجة عن الحضارة الغربية، وأنجز في تلك المرحلة العديد من الأعمال؛ مثل “من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي” في العام 1996، و”النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة” في العام 1997، و”من ثلاثية الفساد إلى قضايا المجتمع المدني” في العام 2001، وفي العام 2005 نشر كتابَين من أهم كتبه؛ هما: “من اللاهوت إلى الفلسـفة العربية الوسيطة”، و”بيان في النهضة والتنوير العربي”.

ثم تتابعت أعمال المفكر الذي كان قد انخرط فكريًّا وعمليًّا في الثورة السورية على النظام السوري، واشترك في أولى التظاهرات عليه، فصدر له كتاب “الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الأولى” و”مقدمات أولية في الإسلام المحمدي الباكر” وكتاب “من التراث إلى الثورة” الذي يعد مقدمة نظرية في التراث العربي والإسلامي، وجزءًا من نظرته النهضوية وإعادة قراءته ومقارباته للفكر العربي.

اقرأ أيضًا: الرابحون والخاسرون في معادلة نهاية داعش داخل سوريا

 

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة