الواجهة الرئيسيةشؤون خليجية

برنامج سعودي يتميز عالميًا في تأهيل السجناء

برنامج الرعاية والتأهيل بناء: تجسيد مفهوم الالتزام المدني لمنظومة العدل الجنائي

كيو بوست – كامل الخطي – كاتب سعودي

تقوم مديرية المباحث بالمنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية بتنفيذ برنامج رعاية وتأهيل المحكومين الذين قاربت مدد محكومياتهم على الانقضاء. لا يُعْرَف الكثير عن هذا البرنامج، ولا عن الجهود التي يبذلها القائمون عليه، ولا عن كم ونوع الموارد المُوَظَفَة لضمان نجاحه.

انطلق برنامج الرعاية والتأهيل (بناء) عام ١٤٣٤ هـ (2014م) كفرع مخصص للمحكومين من أبناء منطقتي الأحساء والقطيف على ذمة قضايا ممارسة العنف بدوافع سياسية، وهذا البرنامج هو جزء من برنامج الأمير محمد بن نايف للمناصحة. نَجَحَ البرنامج في تخريج 20 دفعة من مستفيديه، كان آخرها دفعة تمّ تخريجها هذا العام شملت 14 مستفيدًا.

اقرأ أيضًا: بين الوسطية والتطرف: الحرب الفكرية الإماراتية بذخيرة رقمية 

بَلَغَ عدد من استفاد من البرنامج حتى لحظة اجتماعي بالقائمين عليه، 50 محكومًا. يعمل في البرنامج أكثر من 49 أخصائيًا وأخصائية من خارج المنظومة الأمنية، ويتوزع الأخصائيون والأخصائيات على مختلف التخصصات مثل الطب النفسي، وعلم النفس الإكلينيكي، وعلم الاجتماع، والصحة النفسية، والخدمة الاجتماعية، والطب البشري. يوجد ضمن فريق العاملين في البرنامج، وحدة الجودة، الوحدة المسؤولة عن دعم البرنامج وفق منهج علمي يقيس التزام البرنامج بالخطط الموضوعة، والأهداف التي يُراد من البرنامج تحقيقها.

 

مراحل تأهيل المستفيدين من البرنامج

يمرُ المستفيد من البرنامج بمراحل متعددة ومتدرجة، تبدأ خلال 6 أشهر قبل انضمامه الفعلي للبرنامج، إذ يخضع المستفيد لفحوصات طبية شاملة، ولتقييم نفسي دقيق بغرض قياس مدى ملائمته للبرنامج. وإذا أبانت الفحوصات بأن المستفيد المرشح لم يجهز بعد للالتحاق بالبرنامج، يقوم فريق البرنامج بتقديم المساعدة للمستفيد المرشح لكي يصل إلى المستوى الذي يؤهله الالتحاق بالبرنامج.

ويقوم فريق البرنامج بالعمل مع أسر المستفيدين ومع محيطاتهم الاجتماعية لكي تصبح العلاقة بين المستفيد وبين بيئته الاجتماعية، علاقة تبادلية تقوم على زرع رغبة صادقة عند المستفيد بعدم الالتفات لماضيه وعزمه على التغير للأفضل، من ناحية. ومن ناحية أخرى، استعداد أسرة المستفيد ومحيطه الاجتماعي لقبوله وعدم النفور منه، وتقديم الدعم العاطفي والأسري الذي قد يسهم في تسريع قابلية المستفيد لقطع صلته بماضيه، وفي تعظيم رغبته في المضي قدمًا نحو حياة جديدة يتحول من خلالها من ممارس للعنف بدوافع سياسية إلى عضو منتج في المجتمع.

إضافة للعمل الطبي والنفسي والاجتماعي، يتبنى البرنامج منهجًا علميًا مهمته الكشف عن معارف ومهارات وقابليات المستفيدين، والعمل على تنمية وتطوير المواهب والمهارات الخاصة بعد الكشف عنها، كما يقوم البرنامج بتقديم الدعم الاقتصادي للمستفيدين وأسرهم إذا استدعت الحالة تقديم مثل هذا الدعم.

اقرأ أيضًا: دراسة إيطالية تكشف: 3 دول عربية تميزت في جهود مكافحة التطرف

يتسع حيّز البرنامج ليتجاوز جدران السجن – الفندق الذي يحل فيه المستفيد وأسرته ضيوفًا على البرنامج لمدة أسبوعين قبل الإفراج عنه، إلى شراكة مجتمعية فعّالة تتمثل في قيام مجموعة من مستشفيات ومستوصفات القطاع الخاص بتقديم الرعاية الطبية للمستفيدين في حال الحاجة، كما أن هناك مجموعة من شركات ومؤسسات القطاع الخاص تفتح باب التوظيف لخريجي البرنامج، وبذلك لا يواجه المتخرج الرفض بحجة أنه محكوم سابق، وهذا أمر على جانب عظيم من الأهمية؛ فحال الاستقرار الأسري والعاطفي والوظيفي، يعين المستفيد على الاندماج في شكل الحياة الجديد، ويخلق لديه الدافع للحفاظ على مكتسباته المستجدة، التي بجانب كونها مصدر لحياة كريمة له، هي حياة خالية من الخوف والتوجس.

لا يتوقف عمل البرنامج عند نقطة تخريج المستفيدين وحصولهم على وظائف، بل هناك وحدة في البرنامج متخصصة في متابعة المشكلات التي قد تنشأ في البيئة المحيطة بالمستفيد بعد خروجه من السجن، إذ تقوم هذه الوحدة بتشخيص المشكلات، وتقوم أيضًا بالمساعدة على تجاوزها.

 

مبررات وجود برنامج تأهيل ورعاية المحكومين

هناك عدد من الأسباب الوجيهة التي استدعت وجود مثل هذا البرنامج المختص برعاية المحكومين وإعادة تأهيلهم. من هذه الأسباب، المسؤولية المدنية لمنظومة العدل الجنائي؛ إذ أنّ المملكة العربية السعودية أحد أعضاء المنتدى الدولي لمكافحة الإرهاب الذي يضم العديد من دول العالم الوزانة، إلى جانب أن للمنتدى شراكات إستراتيجية مع أغلب المنظمات الدولية، ومنظمات الأمم المتحدة على وجه الخصوص.

وقد صدر عن المنتدى الدولي لمكافحة الإرهاب مذكرة روما التي تتضمن توصيات غير ملزمة بالممارسات الجيدة التي يمكن للدول الأعضاء تطبيقها في برامج إعادة تأهيل المحكومين ودمجهم. ومن مذكرة روما، أقتبس النص التالي: “كما أن أول سؤالين يتعين الإجابة عنهما لدى وضع برنامج ناجح لإعادة التأهيل، هما: ما هي أهداف هذا البرنامج، وكيف يمكن تعريف النجاح وقياسه. ولعل السؤال الأكثر أهمية هو فيما إذا كان هدف البرنامج هو تغيير تفكير وآراء السجناء أم أنه مجرد إحداث تغيير في سلوك السجناء (نزع التطرف أم فك الارتباط)”.

اقرأ أيضًا: تبني الاعتدال: الأزهر المصري والمدارس الإسلامية الإندونيسية

ومن المرجح أن تكون إعادة التأهيل التي تهدف إلى تحقيق فك الارتباط أكثر نجاحًا في تحقيق أهدافها، لكن هذا النهج قد يكون أقل فعالية على المدى البعيد في الحد من جاذبية الأيديولوجيات المتطرفة العنيفة، وفي تقليص احتمال القيام بمزيد من أعمال العنف والإرهاب. والسؤال الثاني الذي يجب على الدول النظر فيه، حسب الاقتضاء، هو ما إن كان البرنامج سيركز على المتطرفين الذين يمارسون أعمال العنف ممن هم في المستوى المنخفض أو المتوسط في التنظيم، أم على من هم في مراكز القيادة (أي فك الارتباط الفردي أو الجماعي)، أم سيركز على كليهما.

إن التركيز على القياديين قد يكون له تأثير أكبر على المدى الطويل، إلا أن تحقيقه قد يكون أصعب. وحسب الاقتضاء، يمكن للدول أن تنظر في وضع مجموعة واسعة من معايير قياس النجاح، خصوصًا تلك التي تساعد على تحديد مدى فاعلية البرنامج على المدى الطويل. وتشكل العودة إلى الإجرام أكثر الإحصائيات المستخدمة في الحكم على مدى نجاح البرامج. وإذا كان هذا المقياس هامًا بلا شك، إلا أنه يعاني من العديد من القيود؛ فلن يتم القبض على كل الذين يعودون إلى ارتكاب الجرائم مجددًا ومحاكمتهم”.

 

السجون كملاذ آمن للمتطرفين

تشير مذكرة روما ومذكرات أخرى نشرها المركز الدولي لمكافحة الإرهاب -الذي يتخذ من مدينة لاهاي الهولندية مقرًا له- إلى أن السجون قد تكون “ملاذًا آمنًا” للمتطرفين، و”بيئة خصبة” لتجنيد المزيد من المستعدين للقيام بأعمال عنيفة بدوافع سياسية، وإن من الواجبات المدنية التي على منظومة العدل الجنائي القيام بها، العمل على تخفيض احتمال عودة المحكومين إلى ممارسة العنف وحياة الجريمة بعد الإفراج عنهم؛ ففي عام ٢٠١٠، صرّح مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكية، بأن ٢٠٪ من السجناء السابقين في معتقل خليج غوانتنامو يشتبه في عودتهم لممارسة الأعمال الإرهابية، وقد أكدت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما صحة المعلومة الواردة في التصريح. يذكر أن مدير الاستخبارات الوطنية في الولايات المتحدة الأمريكية هو رأس هرم مجتمع الاستخبارات الأمريكية المتكون من ١٧ وكالة ومنظمة استخباراتية جميعها تحت مظلة الفرع التنفيذي للحكومة الأمريكية.

لهذا السبب، ولأسباب أخرى، تأتي أهمية تنفيذ برامج إعادة التأهيل والعمل على دمج المحكومين مع محيطاتهم الاجتماعية بعد انقضاء محكومياتهم. من ضمن الأسباب الأخرى الموجبة لضرورة تبني الدول لبرامج تهدف إلى إقصاء الجناة السابقين من ساحات العمل الإجرامي، ومساعدتهم على إعادة التموضع في مواقع أخرى في الحياة بعد خروجهم من السجون، السبب الاقتصادي؛ ففي تقرير نُشِرَ عام ٢٠٠٢ بعنوان “الحد من معاودة الإجرام من قبل السجناء السابقين”، أعدته وحدة الإقصاء الاجتماعي -وحدة تأسست عام ١٩٩٧، وأُلْحِقَت بمكتب نائب رئيس الحكومة البريطانية- ذُكِرَ أن معاودة الجريمة من قبل السجناء السابقين، يكلف الاقتصاد البريطاني ١١ مليار جنيه إسترليني في العام الواحد.

اقرأ أيضًا: فلسفيًا ولغويًا: كيف يمكن مواجهة الروايات المتطرفة؟

كما خلص التقرير إلى مجموعة توصيات حيوية جاء على رأسها التوصية بضرورة قيام حكومة المملكة المتحدة برسم وتطبيق إستراتيجية وطنية لإعادة تأهيل السجناء السابقين ومساعدتهم على عدم الإقدام على ارتكاب الأفعال الإجرامية مجددًا، بالاستناد إلى الحقائق الواردة في التقرير، وأن على جميع الهيئات والإدارات الحكومية ذات العلاقة، الإسهام في تنفيذ تلك الإستراتيجية الوطنية، على أن تتولى وزارة الداخلية مهمة قيادتها والعمل على تطبيقها كما ينبغي.

ما يلفت النظر ويستدعي الإعجاب ببرنامج الرعاية والتأهيل (بناء) الذي تديره مديرية المباحث بالمنطقة الشرقية، هو أن البرنامج لم يعرف أي حالة ارتكاس أو نكوص منذ انطلاقه قبل 4 أعوام، رغم أنّ برنامج المناصحة الأساس (برنامج الأمير محمد بن نايف) قد عانى من حالات ارتكاس ونكوص استدعت مراجعته بشكلٍ شامل. هذا التميز الذي يتمتع به برنامج (بناء) لم يأتِ صدفة، كما أن حالات الارتكاس والنكوص التي عانى منها برنامج المناصحة الأساس لم تأتِ صدفة كذلك.

ومن اطّلاعي الشخصي على محتويات برنامج بناء، لاحظت أن البرنامج لم يعتمد على رجال الدين، وإنما اعتمد على المؤهلين الأكاديميين القادرين على تشخيص المشكلات واقتراح علاجاتها وفق المناهج العلمية، والقوام الرئيس من الأخصائيين والأخصائيات الذين هم من خارج المنظومة الأمنية، أبناء وبنات منطقتي الأحساء والقطيف، فبالإضافة للمؤهلات العلمية للعاملين، فهم ينتمون للفضاء الاجتماعي ذاته، وهذه ميزة نسبية لا يستهان بها، فأنا أعتقد بأن أبناء الفضاء الاجتماعي الواحد أقدر على فهم بعض المسائل والمشكلات الدقيقة التي قد لا يكفي المؤهل العلمي بمفرده لفهمها واقتراح علاجها.

على الجانب الآخر، ازدحم برنامج المناصحة الأساس برجال الدين الذين إذا انكشفوا على مفردات المعرفة المتخصصة، انكشفوا انكشاف المثقف الموسوعي الذي قد ينال الإعجاب لسعة اطّلاعه وتنوع معارفه، إلا أنه لا يصلح لممارسة عمل يتطلب الاستغراق الدقيق في تخصص بعينه. لذلك أرى جدوى الاستئناس بالنجاح الذي حققه ويحققه برنامج الرعاية والتأهيل (بناء)، واستخلاص أجود الممارسات الكفيلة برفع نسبة نجاح برنامج المناصحة الأساس.

حمل تطبيق كيو بوست على هاتفك الآن، من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة