الواجهة الرئيسيةشؤون خليجيةشؤون عربية

بالأرقام والتقارير والمنطق.. تفنيد مزاعم حمد بن جاسم لـ”التليجراف” البريطانية

كيوبوست

في السادس من يونيو نشرت صحيفة “التليجراف” البريطانية، حوارًا مع حمد بن جاسم  آل ثاني، رئيس الوزراء القطري السابق، والذي بدا ذا توجه هجومي واضح ضد عدد من بلدان الخليج العربي؛ من بينها -وكما هو متوقع- المملكة العربية السعودية والإمارات. وقد تطرَّق الحوار إلى مجموعة من النقاط؛ من بينها المقاطعة الخليجية لقطر، وقضية الإرهاب، واستضافة قطر كأس العالم، وإيران والحرب في اليمن. في حواره أشار رئيس الوزراء السابق إلى مجموعة نقاط؛ من بينها ما وصفه بـ”حملة سعودية لتقويض استضافة قطر كأس العالم 2022″، وأحاديث عن “غيرة سعودية من ثروات قطر”، ونفي اتهامات لبلاده بدعم الإرهاب في ضوء ما سماه “عدم وجود منظمة دولية تدعم علنًا هذه الادعاءات”، نافيًا حقيقة أن تكون الولايات المتحدة قد اتهمت قطر بهذه الاتهامات. وأسئلة على غرار “لماذا لا نسعى أيضًا إلى السلام مع إيران؟”، وتنويه بضروة وقف حرب سماها بـ”غير الضرورية في اليمن”!

  عبر قراءة متأنية لهذا الحوار، يمكن الخروج بمجموعة من الملاحظات؛ بعضها عام متعلق بشكل الحوار في مجمله وأسلوبه ومرادفاته، وبعضها خاص متعلق بما طرح فيه من نقاط وحجج ذات صلة.

في البداية، وبشكل عام، يبدو مثلما أشرنا هذا الطابع الهجومي الذي اتسم به الحوار، واللغة والمرادفات التي استخدمها رئيس الوزراء السابق “غيرة” و”متهور”! وهي لغة أبعد ما تكون عن لغة السياسة والانضباط السياسي (Political correctness) التي من المفترض أن تتسم بها لغة المتحدث؛ سواء أراد تقديم نفسه مسؤولًا سابقًا أو حتى داعية سلام! وفي النقطة ذاتها يبدو هناك هذا الضعف الواضح في أطروحات رئيس الوزراء السابق، في كثير من النقاط التي تناولها، وهو ضعف إما مصدره  تناقض المواقف مثلما تحدَّث عن الحرب “غير الضرورية في اليمن” والتي شاركت فيها قطر! وإما تناقض في المنهج؛ فهو حينما يهاجم بلدان الخليج مثلما زعم عن علاقة “داعش” بالسعودية! لا يستند إلى أية معلومات أو مصادر أو وثائق يمكن الرجوع إليها، والعكس صحيح حينما يدافع عن بلاده ينفي -من الأساس- حقيقة وجود كم ضخم من الحقائق والمعلومات الموثقة في تقارير رسمية، حكومية وغير حكومية، والتي سوف نشير إلى بعضها بالتفصيل في السطور القادمة.

اقرأ أيضًا: البطولة المشينة.. عُمال الموت في قطر

بشكل خاص، من أبرز النقاط التي تناولها حمد بن جاسم، في حواره، هو الأزمة الخليجية وتداعيات تلك الأزمة بشكل إنساني على المنطقة! هنا ينبغي التنويه إلى عدد من النقاط؛ الأولى: هي أن كلًّا من الدول المشاركة في مقاطعة قطر، هي دول استخدمت حقها السلمي المشروع في التعامل مع سلوك سياسي قطري ذي طابع تدميري. وعلى الرغم من هذ السلوك؛ فإن الدول المقاطعة لم تلجأ إلى حرب أو تدخلات عسكرية مباشرة أو غير مباشرة عبر وكلاء في الدفاع عن مصالحها (على غرار حليفتَي قطر إيران وتركيا)، مثلما لم تلجأ إلى فعل يشوبه العنف. فقط كل ما لجأت إليه تلك الدول هو فعل سلمي مشروع وَفق القانون الدولي كتعبير -بالحد الأدني- عن عدم الرضا، وينأى بها عن التورط في فعل غير أخلاقي. أما النقطة الثانية فهي أن رفض تعامل بلدان الخليج مع قطر ليس منبعه خلافًا سياسيًّا تقليديًّا أو في رؤية إدارة ملفات بعينها، وهي  بالمناسبة كلها أمور مشروعة في السياسة الدولية تحتمل الأخذ والرد. لكن الأمر في حقيقته هو خلاف أخلاقي حول سياسة غير إنسانية (دعم الإرهاب) تنتهك القوانين الدولية واعتمدتها قطر منهجًا. وهو نهج ليست المنطقة فقط مَن تدفع ثمنه بين قتلى ونازحين ومشردين تقدر أعدادهم بالملايين في السنوات الأخيرة فقط، بل العالم كله يدفع  نصيبه فيه من ضحايا وقتلى ومصابين. ومن ثَمَّ كانت مطالب بلدان الخليج واضحة ويمكن دمجها باختصار تحت عنوان عريض “وقف دعم قطر وإيوائها للإرهاب” -سنيًّا كان أم شيعيًّا- وهي جملة يندرج تحتها كل ما ورد في المطالب الـ13 لدول المقاطعة. إنه الإرهاب الذي أنتج -منذ عام 2000 وحتي عام 2017- 10.900 عمل ارهابي حول العالم! وارتفع عدد ضحاياه السنوي -من الأعمال الإرهابية المباشرة- من ما يقرب من 3000 إلى 22.000 سنويًّا في عام 2014! عبر تنظيمات إرهابية كان لقطر أو لا يزال إما علاقات مباشرة وإما غير مباشرة بها؛ قدمت لها  التمويل أو الدعم اللوجيستي أو الملاذات الآمنة على أراضيها، أو حتى وفَّرت غطاءً إعلاميًّا لها تعاطفًا أو تمجيدًا؛ مثلما فعلت قناة “الجزيرة” باستضافة قادة تنظيمَي القاعدة والنصرة وغيرهما وبثّ إصداراتهما.

حديث حمد بن جاسم عن اتهامات لقطر “زورًا” بدعم الإرهاب، ثم محاولة درء التهمة عن النفس بركلها في ملعب الآخرين هو حديث يخالف الحقيقة بشكل كلي أيضًا. هنا رئيس الوزراء السابق يقول إنه لا توجد مؤسسات دولية تتهم قطر بمثل هذه الاتهامات مثلما لم تتهم الولايات المتحدة الأمريكية قطر بها. ربما هو لم يطلَّع على تقارير مختلفة (حكومية، غير حكومية، إعلامية)، أغلبها أمريكي بالمناسبة؛ مثل تقرير أحداث الحادي عشر من سبتمبر الشهير حول الدول التي دعمت تنظيم القاعدة في الصفحات (73، 147،148، 488، 489)؛ حيث ذكر اسم قطر وحدها في هذا التقرير “كميًّا” 14 مرة، حيث الاتهام بين التمويل وتوفير الملاذات الآمنة والدعمَين اللوجيتسي والمعنوي لمنفذي هجمات الحادي عشر من سبتمبر؛ مثلما لم يطَّلع على تقرير مركز أبحاث الكونجرس الصادر في نوفمبر 2014، (صفحتا 7 و9)  والذي يشير إلى علم المسؤولين الأمريكيين باحتضان الأراضي القطرية قادة “حماس”، وأعضاء “طالبان” و”القاعدة” وممولي تنظيم داعش؛ مثلما لم يطَّلع على تقارير وبيانات وزارة الخزانة الأمريكية في أعوام 2011 و2013 و2014 و2015 التي تحدثت عن ممولي “النصرة” و”القاعدة” في قطر، وملاحظات مساعد وزير الخزانة الأمريكية في عام 2014، والتي وصف فيها قطر بأنها “أصبحت بيئة تمويل إرهابية”، مؤكدًا عمل “بعض كبار جامعي التبرعات في قطر كممثلين محليين لشبكات أكبر لجمع التبرعات الإرهابية”، مثلما لم يطَّلع على تغطيات وسائل إعلام كبرى؛ مثل “النيويورك تايمز“، وحتى صحيفة “التليجراف” التي أجرى معها رئيس الوزراء السابق حواره، والتي قالت نصًّا في أكتوبر 2014: “إن ممولًا لتنظيم القاعدة عمل لدى الحكومة القطرية على الرغم من تصنيفه رسميًّا على أنه إرهابي من قِبَل الولايات المتحدة”. وأضافت الصحيفة ذاتها أن “سالم حسن خليفة راشد الكواري، قام بتوجيه مئات الآلاف من الدولارات إلى تنظيم القاعدة عبر شبكة إرهابية في أثناء عمله في وزارة الداخلية في الدولة الخليجية”. والقائمة تتسع (وإن كانت المساحة هنا لا تسع)، أو حتى تقارير المنظمات غير الحكومية والأبحاث الأكاديمية التي أشار أحدها إلى ظهور كبير لدعم “داعش” في حسابات مستخدمي “تويتر” و”فيسبوك” في قطر وَفق دراسة أُجريت عام 2014.

اقرأ أيضًا: قناة الجزيرة المُرتبِكة.. وقطر الأكثر ارتباكًا

من بين النقاط الأخرى التي تناولها حمد بن جاسم، في حواره، قضية استضافة قطر كأس العالم، مطلقًا التُّهم مجازًا هنا وهناك حول السعودية تحديدًا. وفي الحقيقة وبينما ينظر الجميع إلى الرياضة كوسيلة لتقوية الصلات بين الشعوب وإزالة التشاحن والتباغض والاحتقان بينها، هناك كثيرون ممن لديهم مصلحة أخلاقية ضد سياسة السخرة ومنطق “العبودية الحديث” في قطر، وهو الذي يبرره الإعداد لبطولة تحولت صروحها واستاداتها، للأسف، إلى قبور بُنَاتها. في الحقيقة فإن كل مَن هو مؤمن بحقوق الإنسان وكرامة البشر لديه مصلحة في الكشف عن جرائم تُرتكب بحق عمال فقراء وافدين إلى قطر؛ بينهم معدل وفيات يقرب من الـ1000 سنويًّا، ويتوقع أن يبلغ 7000 قبل أن يطلق الحكم صفارة أول مباراة في 2022، ومَن هم أحياء يعيشون في معسكرات -وحسب وصف منظمة العفو الدولية– “مكتظة وقذرة وغير آمنة”، ويجبرون على العمل القسري وفي المقابل لا يسمح لهم بترك معسكرات العمل أو مغادرة البلاد أو ترك الوظيفة، أو حتى الشكوى أو التذمُّر. هذا ما تقوله المنظمات الدولية المشهود لها بالمصداقية، ولربما هذا ما يقوله مَن يأبى تكرر مشهد استضافة ألمانيا بطولة الألعاب الأوليمبية في عام 1936 حينما كانت تحت حكم نازي شيد مجده بمعسكرات العمل والاعتقال. ثم هناك مصلحة أخلاقية أخرى في الوقوف ضد محاولات إفساد المؤسسات الدولية، بالرشاوى وسطوة المال، وتقويض القيم العالمية التي قامت عليها تلك المؤسسات ومنطق إدارتها. هنا لم تكن تهمة حصول مسؤول كبير في “فيفا” على ما لا يقل عن مليون دولار من الرشاوى للتصويت لصالح قطر لاستضافة كأس العالم 2022 ، مصدرها أية دولة من دول المقاطعة مثلًا، لكن كان مصدرها قاعات المحاكم، ومؤسسات إعلامية دولية مشهود لها بالنزاهة، ووَفق شهادات قضائية في تحقيقات فساد “فيفا”.

اقرأ أيضًا: متى يضع العالم حدًّا للمأساة الإنسانية لقبيلة الغفران في قطر؟

أما عن النقطة الأخيرة والجديرة بالاهتمام في حديث رئيس الوزراء السابق فهي السلام والحوار مع إيران؛ متجاهلًا الإجابة عن سؤال رئيسي: هل لدى إيران أية نية حقيقية للسلام في المنطقة؟ إنه السؤال الذي سوف تنفي إجابته بالضرورة حقيقة الطموحات الإيرانية الأيديولوجية التوسعية في المنطقة، والطموحات العسكرية الخارجية التي تملكها وتسعى إليها. وهي كلها ذات طابع هجومي وعدائي؛ من بين ذلك مساعي امتلاك سلاح نووي، وامتلاك فعلي لصواريخ باليستية قادرة على استهداف الجميع في منطقة الخليج، ووجود الحرس الثوري الإيراني على أرض كثير من الصراعات في المنطقة، بشكل مباشر أو عبر وكلائه من التنظيمات المسلحة  والميليشيات. تلك الميليشيات التي صارت تفوق سلطاتها سلطات الحكومات الشرعية في بلدانها، وتقوِّض مؤسسات الحكم واستقرار الأوضاع فيها، وتهدد أمن طرق التجارة الدولية. هي الميليشيات ذاتها التي حالت دون استقرار لبنان؛ مثلما حالت دون استقرار العراق وسوريا والعراق، ومؤخرًا اليمن. ومن ثَمَّ فإن ما تفعله قوات التحالف العربي هو أنها تخوض صراعها في اليمن -والذي لم تعترضه قطر بل شاركت فيه بـ1000 جندي وطائرات وعتاد ثقيل ومتوسط قبل أن تغيّر رهانات سياساتها الخارجية- هو صراع من أجل فرض الشرعية وسيادة وإنفاذ القانون، وحماية طريق التجارة الدولية من محاولات العبث الإيراني بها. وهو ما لا يهدد بلدان الخليج فحسب ومنطقة الشرق الأوسط، بل العالم بأكملة شرقًا وغربًا.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة