الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

باكستان.. حزب إسلامي يجبر الحكومة على مقاطعة فرنسا

للمرة الأولى في تاريخ جمهورية باكستان الإسلامية.. تنجح منظمة دينية في إملاء قواعد السياسة الخارجية على حكومة منتخبة

كيوبوست

في حدثٍ سياسي لافت في باكستان، وقَّع قادة حزب إسلامي يحمل اسم “تحريك لبيك باكستان” (TLP)، وهو حزب سياسي يريد توسيع نطاق تطبيق الشريعة الإسلامية حول العالم، اتفاقية مع وزيرَي الداخلية والشؤون الدينية في باكستان، يقضي هذا الاتفاق، الذي كُتب بخط اليد ونشرته الحركة عبر حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي، بتنفيذ الحكومة أربعة شروط.

أولها أن تلتزم الحكومة في غضون ثلاثة أشهر بتقديم اقتراح إلى البرلمان لطرد السفير الفرنسي من باكستان، وأن تمتنع إسلام آباد عن تعيين سفير جديد في باريس؛ حيث ظلّ هذا المنصب شاغراً منذ الصيف الماضي، وأن تبدأ السلطات حملة وطنية تحرض على مقاطعة المنتجات الفرنسية على المستوى الحكومي، كما الشعبي، وأن يتم إطلاق سراح ناشطي الحزب الذين تم اعتقالهم خلال التظاهرات الأخيرة المناوئة لفرنسا في باكستان.

اقرأ أيضاً: لورنزو فيدينو يكشف لـ”كيوبوست” عن تاريخ تغلغل الإخوان في النمسا

في المقابل، وافقت الحركة على إنهاء تعبئتها؛ حيث دعا زعيمها خادم حسين رضوي، أنصاره، إلى مسيرة بالقرب من إسلام آباد يوم الأحد الماضي. ومنذ ذلك الحين، أغلق 2000 متظاهر مفترق طرق فايز آباد، أحد المداخل الرئيسية للعاصمة، على الرغم من إطلاق الغاز المسيل للدموع من قِبل الشرطة لتفريقهم.

بدأت “تحريك لبيك” نشاطها كحركة تطالب بإطلاق سراح ممتاز القادري، الحارس الشخصي الذي قتل عام 2011 الرجل الذي كان من المفترض أن يحميه؛ وهو حاكم ولاية البنجاب سلمان تيسير؛ لأنه دعا إلى إصلاح قانون التجديف المثير للجدل، وبعد إعدام قادري شنقاً عام 2016، تحولت الحركة إلى حزب سياسي ناجح. ففي الانتخابات التشريعية 2018 جمع مرشحوه أكثر من 2.23 مليون صوت، وفازوا بمقعدَين في مجالس الأقاليم.

تعود جذور هذا الحزب الإسلامي إلى “الحركة البريلوية” ذات الاتجاه الصوفي، والتي تحظى بشعبيةٍ واسعة في أنحاء باكستان؛ خصوصاً في إقليم البنجاب، الأكبر من حيث عدد السكان. ومن خلال جعل التجديف برنامجه الوحيد، وضع الحزب نفسه في موقع حامي الإسلام، ويبدي مؤيدوه استعدادهم للقيام بأي شيء للدفاع عن النبي محمد، في حين يتم تصوير الخصوم على أنهم أعداء هذا الدين.

الاتفاق بين “تحريك لبيك” والحكومة هو تتويج لأكثر من شهرَين من التعبئة؛ ففي 4 سبتمبر الماضي، وبعد 48 ساعة من إعادة نشر الرسوم الكاريكاتيرية من قِبل دورية “شارلي إيبدو” الساخرة، تظاهر الآلاف من أنصار الحركة في لاهور وكراتشي وروالبندي، مطالبين برحيل السفير الفرنسي.

عمران خان وإيمانويل ماكرون- روسيا اليوم

منذ الثمانينيات، كانت باكستان مسرحاً للعنف بين الشيعة والسُّنة؛ حيث يصر العديد من المنظمات السُّنية الراديكالية على أن الشيعة ليسوا مسلمين، ولا يستحقون أن يكونوا باكستانيين. في هذا السياق، فإن الدفاع عن النبي محمد هو أحد مجالات الإجماع القليلة بين الطرفَين المتنازعَين؛ حيث ينص قانون العقوبات على توقيع عقوبة الإعدام في حالة التجديف.

إعادة نشر الرسوم منح هذا الحزب السياسي الراديكالي الفرصة للعودة إلى الواجهة، بعد أن كاد يوشك على الانقراض؛ فقد سُجن عدد مهم من قياداته في عام 2018 بعد توجيهه دعوة إلى الجيش للتمرد وقتل قضاة المحكمة العليا الذين كانوا قد برَّأوا للتو آسيا بيبي؛ السيدة الباكستانية المتهمة بالتجديف والتي لجأت إلى فرنسا بعد ذلك.

اقرأ أيضاً: جمعية “مسلمي فرنسا”.. ذراع الإخوان المسلمين التي تتحرك بحرية!

صفقة مع الإسلاميين

تأتي السرعة التي أبرمت بها حكومة رئيس الوزراء عمران خان، صفقة مع الإسلاميين في الوقت الذي كانت فيه باكستان من أُولى الدول الإسلامية التي ردت على تعليقات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بشأن حرية التعبير؛ حيث اتهم عمران خان الرئيس الفرنسي بـ”مهاجمة الإسلام دون فهمه”، و”الإضرار بمشاعر ملايين المسلمين في أوروبا وحول العالم”. مثل هذه اللغة جديدة على مستوى العلاقات بين البلدَين، والنادر أيضاً استدعاء السفير الفرنسي في إسلام آباد إلى وزارة الخارجية.

العلاقات الفرنسية- الباكستانية لم تكن في أوجها يوماً؛ خصوصاً مع التقارب الفرنسي الواضح خلال السنوات الأخيرة مع الهند، العدو اللدود لباكستان، إلا أن رئيس الوزراء عمران خان، حاول مدّ جسور الثقة مع الفرنسيين، وكانت باريس تستعد لاستقباله لفتح صفحة جديدة من العلاقات بين البلدين.

كما لا يمكن إغفال أن تصريحات عمران خان تستجيب لاعتباراتٍ انتخابية؛ حيث يأمل حزبه؛ حزب العدالة والتنمية، في الفوز بأغلبية ساحقة في انتخابات مجلس الشيوخ في مارس 2021؛ ما سيسمح له بالسيطرة على غرفتَي البرلمان، فالحزب يسيطر بالفعل على الأغلبية في الجمعية الوطنية.

من غير الواضح كيف ستنفذ الحكومة الباكستانية بنود الاتفاقية الموقعة مع حركة “تحريك لبيك”، هل ستلغي إسلام آباد منصب سفيرها في باريس إلى الأبد؟ تتساءل صحف فرنسية عدة عن ذلك.

أما بالنسبة إلى مقاطعة المنتجات الفرنسية، فلن يكون للأمر تأثير كبير؛ فباكستان تحتل المركز 74 في قائمة الدول المستوردة من فرنسا في عام 2018. وحدها مجموعة “توتال” النفطية، تمتلك أكثر من 800 محطة وقود في جميع أنحاء البلاد؛ وهي التي يمكن أن تتضرر بشدة جراء ذلك.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة