الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

باريس من على متن دراجة!

جولة بالدراجة على ضفاف نهر السين في يوم مشمس هي تجربة رائعة.. كيف أصبحت مدينة النور مدينة للدراجات؟

كيوبوست- ترجمات

باميلا دروكرمان♦

كنت أنظر إلى راكبي الدراجات في مدينة باريس على أنهم أبناء قبيلة محاربة لا يعرفون الخوف؛ فقد كان معظمهم رجالاً بلباس المعركة الكامل من خوذة وعواكس ضوئية، وسلاسل مجهزة بأقفال. وكانت المسارات القليلة المخصصة للدراجات في المدينة تتعرض إلى الاقتحام من الحافلات والسائقين عديمي الرحمة، حتى صارت تسمى “ممرات الموت”.

أنا أتجنب المخاطرة، ولدي ثلاثة أطفال. على مدى ستة عشر عاماً من إقامتي في باريس لم أركب دراجة قط؛ ولكن شيئاً ما تغير مؤخراً، والأمر لا يتعلق فقط بالخشية من التقاط فيروس كورونا أثناء التنقل بالمترو. وبفضل قرار وإجراءات جريئة في المدينة، أصبحت باريس مدينة الدراجات، وإن لم تصبح بعد “جنة الدرّاجين”.

اقرأ أيضاً: كيف غيرت الدراجة أوجه الحياة حول العالم؟

وليست باريس وحدها؛ فالوضع يتحسن في برلين وبروكسل أيضاً. ولا تزال باريس متخلفة عن عواصم الدراجات الأوروبية الحقيقية؛ مثل أمستردام وكوبنهاغن التي بدأت بالعمل على تجهيز بنيتها التحتية للدراجات منذ السبعينيات. ولكن يُمكن التنويه بسرعة باريس في تنفيذ هذا التحول. وعندما يعود الزائرون بعد غيابهم بسبب الجائحة، سوف يجدون ممرات الدراجات المعزولة تخترق العاصمة، وتربط بين ضواحيها القريبة؛ فقد تم إغلاق شارع ريفولي العريض الذي يمر بمتحف اللوفر، أمام السيارات الخاصة بشكل كامل، وأصبح السائقون الباريسيون يتوقعون رؤية الدراجات، وأصبح بعضهم يتجنب صدمها.

فما الذي حدث؟ وكيف أصبحت باريس مدينة آمنة للدراجين شديدي الخوف مثلي بعد أن كان ركوب الدراجة فيها يبدو عملاً انتحارياً؟

يرجع الفضل بشكل كبير إلى السيدة آني إيدالغو، التي تولت منصب عمدة باريس عام 2014؛ فبعد انتخابها بوقتٍ قصير تبنت حكومة باريس المحلية “خطة الدراجات” الخمسية التي تهدف إلى تخصيص مسارات للدراجات فقط، وفصلها بشكل كامل عن حركة السير في المدينة.

اقرأ أيضاً: هل تترك المدينة لتستقر في الريف؟

وسرعان ما انتشرت ورشات العمل في شوارع باريس الرئيسية. شرطة المدينة حذرت من أن تحقيق المشروع غير ممكن، وحذر مناصرو السيارات من أن باريس سوف تشهد سباق “تور دو فرانس” في شوارعها كل يوم، وفي المقابل اشتكى لوبي مؤيدي الدراجات المتنامي من أن العمل على المشروع متأخر جداً عن الجدول الزمني المحدد له.

استمر المشروع في التقدم. قال جان-سيباستيان كاتييه، رئيس اتحاد الدراجات “Paris en Selle”: “من السهل وضع خطة لنشر الدراجات في كل مكان؛ ولكن هكذا خطة لن توضع موضع التنفيذ ما لم توافق عليها السلطة السياسية. أنا أفهم ذلك، ونحن ماضون في خطنا على كل حال”.

جاءت اللحظة المفصلية في ديسمبر 2019، عندما أدى إضراب الاتحاد الوطني لعمال النقل إلى توقف حركة الكثير من الحافلات والقطارات لأشهر عديدة. لم يكن العمل على تنفيذ “خطة الدراجات” قد اكتمل بعد؛ ولكن كان هنالك العديد من المسارات الجاهزة التي شهدت أعداداً غير مسبوقة من الدراجين المتوجهين من وإلى أعمالهم. وسرعان ما افتتحت المدينة مسار الدراجات المرصوف بالحجارة في شارع الشانزيليزيه.

ثم جاء فيروس كورونا والإغلاق العام. وفي غياب حركة السير أدرك الجميع، حتى سكان الضواحي من أمثالي، كم كان الحيز المخصص للسيارات كبيراً. وبدت لنا الشوارع نفسها أنظف وأقل ضجيجاً، وأدركنا أنها يمكن أن تستوعب أشياء أخرى.

كما اكتشفنا كم كانت باريس صغيرة ومنبسطة في معظمها؛ فالمدينة نفسها تعادل 7% من مدينة لندن و13% من نيويورك. حتى ضواحيها ليست بعيدة جداً؛ خصوصاً في وجود الدراجات الكهربائية. (في عام 2018 وضع مشروع الدراجات التشاركية في المدينة والذي يعرف باسم “Vélib’” دراجات كهربائية في الخدمة، وافتتح العديد من المحطات في الضواحي).

وبينما كان المواطنون مثلي يعانون الحصار في المدينة، كانت السلطات فيها تفكر في مشكلة وبائية: عندما يخرج الباريسيون من الإغلاق العام، يجب ألا تحصل ازدحامات في الحافلات وعربات المترو.

ومن خلال الاجتماعات الأسبوعية التي عقدتها الفرق الفنية والناشطون عن طريق الفيديو، تم وضع خرائط لمسالك للدراجات تتبع ثلاثة من أكثر خطوط المترو ازدحاماً في المدينة؛ بحيث يتمكن السكان من إيجاد طريقهم بسهولة. وأعلنت الحكومة المحلية أنها سوف تمول جزئياً خطة للضواحي أطلقت عليها اسم “RER V”.

اقرأ أيضاً: مدينة الاحتفالات دبي تصبح ملاذاً للسياح بينما أوروبا تعاني الإغلاق!

خلال فترة الإغلاق الأول، وبعده بفترة وجيزة، جهزت ورشات العمل نحو 160 كيلومتراً من ممرات الدراجات الهوائية المؤقتة “coronapiste” في باريس وضواحيها باستخدام علامات الطلاء الأصفر النافر على أسفلت الشوارع. وفجأة ظهرت ممرات مخصصة للدراجات تتفرع غرباً باتجاه منطقة “لا ديفينس” التجارية، وشمالاً باتجاه “سيني سانت دوني” أفقر مناطق فرنسا. فوجئ الناشطون، الذين أمضوا سنوات في الضغط من أجل تنفيذ خططهم، لرؤية مسارات الدراجات تظهر أمام أعينهم، قال ستيفن فان أوستيرين، المتحدث باسم مجموعة باريس الكبرى للدراجات: “كان الأمر أشبه بحلم، أعتقد أننا فعلنا في عشرة أيام أكثر ما كنا لنفعله في عشر سنوات”.

وعندما خرج الباريسيون من الحجر في مايو، دفعهم الخوف من الفيروس، والممرات الجديدة الآمنة، إلى تحول نفسي جديد؛ فقد قفزت أعداد النساء اللاتي يستخدمن الدراجات، وغصّتِ الشوارع في ساعات الذروة بالدراجات أكثر من السيارات. وأتاحت الدراجات الكهربائية إمكانية التنقل لمسافات أبعد، ولم تكن المسارات الجديدة محصورة بسكان المدينة فقط.

نعم، حتى أنا اشتريت دراجة، وسرعان ما اكتشفت أن استخدامها لم يكن عملياً فحسب؛ فقد أحببت الرياضة في الهواء الطلق وقربي الجديد من أرض باريس. وبعد ستة عشر عاماً قضيتها في السيارات أو مترو الأنفاق أو سيراً على الأقدام، اكتشفت أن رحلة بالدراجة على ضفاف السين في يوم مشمس هي تجربة رائعة.

لم أكن وحدي، إذ يحث مؤيدو الدراجات الفرنسيون الناس على الاستمتاع بالطقس وبالتفاعل مع الدراجين الآخرين. كتب ديدييه ترونشيه، في كتابه المصور الجديد “رسالة قصيرة في الفلسفة” إن كلمة دراجة (Velo) هي مجرد ترتيب جديد لكلمة الحب (Love).

ولكن الصورة ليست وردية في كل مكان؛ فالعديد من المسارات لم تكتمل بعد ولا تزال خطيرة، وما زلت لا أسمح لأطفالي بركوب الدراجة وحدهم؛ ولكنني أتوقع أن يستمر الوضع في التحسن. صحيح أن تخصيص عدد كبير من ممرات الدراجات هو أمر ليس بالسهل؛ ولكن كما قال السيد فان أوستيرين: “إن الأمر يشبه كرة الثلج، فبمجرد أن يصبح لدينا عدد كبير من الناخبين على الدراجات، سيزداد ميل السياسيين إلى خلق المزيد من المسارات لهم، وهذا ما يحدث في باريس الآن؛ الدراجات تنتشر في كل مكان”.

لقد جعلت العمدة إيدالغو مشروع “coronapistes” مشروعاً دائماً، وتعهدت بأن تجعل باريس مدينة صديقة للدراجات بنسبة 100% قبل استضافتها دورة الألعاب الأوليمبية الصيفية عام 2024.

وأنا أتطلع بشوق إلى جولة على دراجتي لأشاهد معالمها.

♦كاتبة رأي، ومؤلفة كتاب «لا يوجد راشدون.. قصة منتصف العمر»

المصدر: نيويورك تايمز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة