الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

انضمام فنلندا والسويد إلى الناتو سيحد من طموحات الحلف.. ولكنه سيزيده قوة

كيوبوست- ترجمات

كينيث بولاك♦

لا تزال قضية انضمام كل من السويد وفنلندا إلى حلف شمال الأطلسي تلقى معارضةً شديدةً من تركيا. ولكن على الرغم من ذلك؛ فإن مستشار الأمن القومي السابق لشؤون الخليج العربي كينيث بولاك، يرى أن الأمر بات قاب قوسين أو أدنى. ويعتبر أن انضمام هاتين الدولتين إلى الحلف سيكون بمثابة الثمن الذي سيترتب على بوتين دفعه نتيجة الخطأ الكبير الذي اقترفه بغزوه أوكرانيا، والمكاسب التي قد يحققها في دونباس.

ولكن بولاك يحذر، في مقال له نشرته صحيفة “فورين أفيزر”، من بعض المخاطر التي تترافق مع هذه الخطوة، والتي يرى أنها قد تكون بمثابة المسمار الأخير في نعش مهام الحلف خارج أوروبا. ظهرت فكرة “القتال خارج المنطقة” في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي، الذي كان السبب الرئيسي وراء وجود الحلف، عندما فكَّرت الدول الأعضاء فيه في إعادة توجيهه لمواجهة التهديدات التي تتجاوز الأراضي الأوروبية. ولكن هذه الفكرة واجهت صعوبات كبيرة حالت دون تحولها إلى واقع على نطاق واسع؛ منها أن الدول الأعضاء لم تتمكن من التوصل إلى إجماع حول كيفية معالجة التهديدات التي اتفقت على وجودها والعدد القليل من الدول التي كانت تمتلك القدرة أو الرغبة في المساهمة في عمليات عسكرية خارج القارة. ويرى الكاتب أن إنهاء مفهوم القتال خارج المنطقة ليس بالأمر السيئ بعد أن ظهر لهم أن تكاليف التدخل في أفغانستان وليبيا قد فاقت كثيراً فوائد هذا التدخل؛ ولكن في الواقع فإن تحويل مركز الثقل الجغرافي لحلف شمال الأطلسي إلى الشمال والشرق سيجعل الحلف يفقد مسار مواجهة التهديدات التي تنشأ في الجنوب.

اقرأ أيضاً: أردوغان ومقامرة الناتو.. ما الثمن الذي دفعته أنقرة؟

ويرى بولاك أنه على الرغم من مشاركة فنلندا والسويد في بعض مهام قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة أو في بعثة الاتحاد الأوروبي التدريبية في مالي؛ فقد كانت هذه التجارب محبطة بالنسبة إلى البلدَين، لدرجة أن السويد سحبت جنودها من مالي في وقت سابق من هذا العام. وفي ظل التهديد الروسي المباشر للسيادة السويدية والفنلندية في منطقة البلطيق وشمالي شبه الجزيرة الإسكندنافية، فإنه من غير المرجح أن توافق الدولتان على إرسال أعداد كبيرة من جيشيهما إلى مهام لا تتعلق مباشرة بالتهديد الروسي. وعلاوة على ذلك، فقد أظهرت استطلاعات الرأي أن السويديين بشكل عام ليسوا مغرمين بالعمليات العسكرية في الخارج، ويكرهون الخسائر أكثر بكثير من نظرائهم في الدول الغربية الأخرى؛ ولكن العقبة الكبرى تتمثل في مقاربة السويد للقانون الدولي، حيث عارضت بشدة حروب الولايات المتحدة في فيتنام والعراق. ومن غير المرجح أن توافق السويد على أية عملية مستقبلية للناتو ما لم تكن دفاعاً عن النفس من قِبل أحد أعضاء الحلف.

وعلى الرغم من أن انضمام فنلندا والسويد من المرجح أن ينهي عمليات الناتو في الخارج؛ فإن هذا ليس بالأمر السيئ بالضرورة، بل إنه سيعزز من قدرة الحلف ويوفر له المزيد من الموارد للدفاع عن أوروبا، ويقلل من اعتماده على الولايات المتحدة، وسيكون بمثابة تلطيخ لأي انتصار قد تحققه روسيا في أوكرانيا؛ ولكنه في الوقت نفسه سوف يعزز ثقل الحزب في شمال شرق أوروبا ويترك الجزء الجنوبي من القارة مكشوفاً بشكل خطير. وهذه مخاطرة معقولة على المدى القصير؛ لأن منطقة البحر المتوسط ليست هي الأولوية في الوقت الراهن بعد أن أظهرت الحرب في أوكرانيا أن الخصم الأكبر للحلف هو روسيا التي لا تزال تهدد شرق أوروبا.

حلف شمال الأطلسي يوجه دعوة رسمية إلى فنلندا والسويد لانضمام إلى عضويته- وكالات

وينوه بولاك بأن التحدي الروسي لا يقتصر فقط على شرقَي أوروبا؛ بل يمتد إلى شطرها الجنوبي. فالبحر المتوسط هو المنفذ الرئيسي الذي يمكن أن يتيح لأوروبا إنهاء اعتمادها على الغاز الروسي من خلال موردين جدد في شرقَي البحر المتوسط وشمال إفريقيا وحتى الغاز القطري المسيل الذي يمر عبر قناة السويس. وقد ثبت مؤخراً أن بوتين كان يعمل على تعزيز النفوذ الروسي في المتوسط واستخدام هذا النفوذ بشكل مؤذٍ لأوروبا. وقد استفاد من تدخله في الحرب في سوريا في الحصول على موطئ قدم لروسيا في البحر المتوسط، وعزز هذا الوجود من خلال مشاركة مجموعة فاغنر في الحرب الليبية.

اقرأ أيضاً: كلارك كوبر لـ”كيوبوست”: روسيا فوجئت بوحدة حلف الناتو في دعم أوكرانيا

وموسكو ليست وحدها؛ فإيران أيضاً استغلت مشاركتها في الحرب السورية لبناء شبكة من القواعد العسكرية في جميع أنحاء سوريا، ولتأسيس عدد من الميليشيات الموالية بها في العراق ولبنان. وبكين أيضاً صعدت من جهودها للوجود في المنطقة من خلال شراء حصص في الموانئ ومشروعات البنية التحتية على شواطئ المتوسط، وأنشأت أول قاعدة بحرية خارجية لها في جيبوتي عند مدخل البحر الأحمر الذي يربط المحيط الهندي بالبحر الأبيض المتوسط.

حرب روسيا وأوكرانيا- وكالات

وبالنظر إلى ذلك، فإن تركيز الناتو على التهديد الروسي لشمال وشرق أوروبا ومنطقة القطب الشمالي، لا ينبغي أن يكون على حساب التحديات الكامنة في البحر المتوسط، وبما أن صدمة الهجوم الروسي على أوكرانيا لا تزال حديثة فسيكون من الصعب إقناع فنلندا والسويد وحتى أعضاء آخرين في الحلف بالتركيز على منطقة المتوسط. وسيقع على عاتق الولايات المتحدة، كزعيم استراتيجي للحلف، أن تقنع حلفاءها بأن فرض رقابة على موسكو في البحر المتوسط سيقلل من التهديد الروسي لأوروبا من خلال الحد من خيارات روسيا الاقتصادية والسياسية.

ونظراً لأن طموحات روسيا لا تقتصر على منطقة المتوسط؛ بل تتعداها إلى إفريقيا والشرق الأوسط، فإن استراتيجية الناتو الجديدة في منطقة المتوسط سوف تتطلب مقاربة جديدة لفكرة “العمل خارج المنطقة”، تتمثل في أشكال جديدة من الشراكات مع الجهات الفاعلة على الضفة الأخرى للبحر، وتستفيد من الروابط القوية الناشئة عن اتفاقيات إبراهيم بين دول الخليج العربي وإسرائيل. وهذا الأمر لن يتطلب تورط الولايات المتحدة في صراعات مستعصية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بل سيتم التركيز على الدبلوماسية والأمن الجماعي لتأمين منطقة المتوسط ودعم الحلفاء بالتدريب والمعدات والمعلومات الاستخباراتية والدعم اللوجستي؛ بحيث يضمن الناتو أنه حتى لو لم يكن البحر الأبيض المتوسط بحيرة غربية فهو لن يكون مياهاً معادية على الإطلاق.

♦زميل أول في معهد أميريكان إنتربرايز، ومحلل سابق في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لشؤون الخليج العربي، ومدير سابق لمجلس الأمن القومي لشؤون الخليج العربي.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة