الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

اندثار مهنة الحكواتي في العراق

خلال شهر رمضان كان البغداديون يتحلقون حول "القصخون" في المقاهي بعد الإفطار لسماع ما في جعبته من قصص وسِيَر

كيوبوست- أحمد الفراجي

تعرضت مهنة الحكواتي في العراق إلى الاندثار منذ سنين؛ نتيجة التغييرات الكبيرة التي اجتاحت البلاد، منها ظهور الإذاعة والتليفزيون والإنترنت، فضلاً عن فرقة الجالغي البغدادي، وجلب المطربات للغناء بالمقاهي؛ حيث أصبحت منافساً قوياً لتلك المهنة التي لم يبقَ منها سوى الحكايات القديمة في تاريخ كتب التراث البغدادي العتيق.

وتخلو مقاهي بغداد من فعاليات “القصخون”؛ خصوصاً في شهر رمضان، حيث إن القصص التراثية لم تعد تلقى ترحيباً كبيراً من رواد المقاهي، وحل مكانها التليفزيون والإنترنت، فضلاً عن أن ما يهم زوار المقاهي اليوم هو الأخبار السياسية وما يمر به البلد من توترات وتطورات أمنية، بينما حلَّت أحاديث وحكايات صعوبة الحياة وارتفاع الأسعار الغذائية، خصوصاً في رمضان، مكان تلك القصص التاريخية الجميلة.

مقهى الشابندر في بغداد

نبيل عبدالكريم الحسناوي، باحث في تاريخ التراث البغدادي القديم، علق لـ”كيوبوست”، قائلاً: بدأ عمل الحكواتي وعصره الذهبي منذ الحكم العثماني؛ خصوصاً خلال أيام شهر رمضان المبارك وعلى مدى ثلاثين ليلة، لإكمال حكايات مكتوبة لديه، وتشمل القصص والحكايات الكثير من حكايات المساجلات والفتوة والحكم والمعارك لشخصيات من تراثنا العربي على وجه الخصوص.

كان عمل الحكواتي ينحصر في المقاهي المنتشرة في بغداد، وكان يتوقف عن الكلام عند الوصول إلى حدث مهم لكي يشوِّق ويخلق تفاعلاً لدى الحاضرين، ويعود ثانيةً لإكمال الحكاية في اليوم التالي، وكان هناك مَن يدور على أكثر من مقهى في ليلة واحدة، وبقيت هذه المهنة إلى أوائل الستينيات.

اقرأ أيضًا: “المقاهي”.. تاريخ أثرى الحياة السياسية والفكرية في أوروبا

نبيل عبدالكريم الحسناوي

أسباب الاندثار

وأضاف الحسناوي أن مهنة الحكواتي اندثرت بعدها لأسباب؛ أبرزها انتشار السينما والتليفزيون، وعزوف الشباب عن الجلوس على مقاهي الأزقة، وأغلبهم راح يفضل الذهاب إلى مقاهٍ حديثة ومتطورة تُسمى الكازينو، إضافةً إلى انتقال سكان المناطق القديمة إلى أحياء جديدة بعيدة نسبياً؛ الأمر الذي بسببه نشأت أجيال في أجواء أخرى بعيدة عن المحلة البغدادية.

وكانت مهنة “القصخون” قد ظهرت عند تأسيس مدينة بغداد وعُرفت في الشام ومصر بالحكواتي، وزادت شهرة عند احتلال العثمانيين العراق، وكلمة “القصخون” تتكون من قسمَين؛ الأول “القص” بمعنى الحكاية، أما “خون” فتعني راوي الحكاية.

شاهد: فيديوغراف.. المقاهي السعودية نافذة التغيير في المجتمع

حسب قصي إسماعيل الفرضي، وهو باحث أثري بغدادي، فإن القصخون هو الرجل الذي يجلس في المقاهي مساءً ويروي الحكايات، بعد أن يكمل العراقيون مشاغلهم اليومية، باعتباره الوسيلة والمتنفس الوحيد للهو في ذلك الزمان قبل ظهور الإذاعة والتليفزيون والمسرح والملاهي.

قصي إسماعيل

وبيَّنَ الفرضي، في حديثه إلى “كيوبوست”، أن القصخون يقوم باتباع حركات مدروسة ليجذب له المستمعين، ويخترق قلوبهم وعقولهم بطريقة ساحرة واستخدام أسلوب التشويق برواية القصة أو الحكاية، ليس هذا فحسب بل يضع إلى جانبه سيفاً، ويضع النظارات الطبية على أنفه، ويختار الجلوس على منبر عالٍ، ويرفع صوته الجهوري إن كان فرحاً أم غضباً أم حزناً، وكان يتعمد أن لا ينهي الحكاية في نفس اليوم ويؤجلها إلى الغد؛ حتى يستقطب رواداً جدداً للمقهى، وكان البعض يتبعه إلى منزله لأجل إكمال الحكاية، التي غاب أصحابها اليوم بسبب ظهور التقنيات الحديثة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة