الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

انتكاسة ميليشيات طرابلس رغم المحاولات التركية- القطرية لدعمها  

كيوبوست

تشهد الميليشيات الموالية لحكومة الوفاق انقسامًا كبيرًا؛ خصوصًا بعدما أدَّى دعم أنقرة لميليشيات طرابلس بالقوات التركية والمرتزقة السوريين إلى تجدد الخلاف بين ميليشيات طرابلس ومصراتة، وذلك في الوقت الذي تسعى فيه قطر من خلال زيارتها إلى تونس إلى محاولة الضغط على الرئيس التونسي؛ لمراجعة موقفه من الأزمة الليبية، خصوصًا مع تكرار رفض تونس أن تكون بوابةً للتدخل التركي في الشأن الليبي، فضلًا عن محاولة الدوحة التأثير على مبادرة الرئيس التونسي قيس سعيّد؛ لجمع ممثلي القبائل الليبية لحل الأزمة الليبية، وهو ما يثير التساؤل حول انعكاس هذه التطورات على مسارات التسوية السلمية والحسم العسكري في ليبيا.

ويلاحظ أن هذه التطورات تأتي في وقت تمكَّن فيه الجيش الوطني الليبي من تحقيق انتصارات ميدانية متتالية؛ حيث نجح في تحقيق انتصارات عسكرية في جنوب طرابلس ضد المرتزقة المدعومين من أنقرة وميليشيات طرابلس. ففي عين زارة، تمكن الجيش الوطني الليبي من إحباط محاولات المرتزقة والميليشيات في تحقيق تقدم عسكري في العاصمة طرابلس من خلال نصب كمين محكم للميليشيات في محور عين زارة جنوب شرقي طرابلس، بما رتبه ذلك من مقتل بعض المقاتلين الموالين لـ”الوفاق”[1]، وخسارة عدد من الآليات.

اقرأ أيضًا: لماذا يُعد التدخل في ليبيا جزءًا من استراتيجية أنقرة في الشرق الأوسط؟

وبالتزامن مع هذه العملية، تمكَّن الجيش الوطني الليبي من توجيه ضربة استباقية إلى خلايا تابعة لتنظيم داعش الإرهابي في مدينة “سبها” جنوب ليبيا؛ حيث تمكن الجيش من اعتقال القيادي في التنظيم الإرهابي عمر فاضل السعيد محمد الأمين، المكنى بـ”أبي عبدلله”، والذي كان يعد لتنفيذ عمليات إرهابية، في خطوة يبدو أنها كانت تهدف إلى محاولة تشتيت انتباه الجيش الليبي، وصرفه عن معركة طرابلس[2]. كما تمكن الجيش الليبي في 1 مارس الجاري من فرض سيطرته الكاملة على منطقتَي الهيرة والعزيزية[3]، من كبرى البلديات في مناطق جنوب غرب طرابلس، وذلك بعد يومَين من إسقاط عدة طائرات مسيّرة تستخدمها الميليشيات التي تسيطر على العاصمة[4].

ومن الملاحظ أن هذه الانتصارات قد تحققت على الرغم من إرسال أنقرة عناصر إرهابية ومرتزقة سوريين لدعم حكومة الوفاق؛ الأمر الذي كان من المفترض أن ينعكس إيجابًا على قدرة الميليشيات الموالية لـ”الوفاق” في الدفاع عن طرابلس، بل وإمكانية اتجاهها لتحقيق مكاسب ميدانية، حتى ولو كانت محدودة، غير أن استمرار خسارة هذه الميليشيات على الرغم من الدعم والإسناد التركي المباشر يرتبط بعدد من العوامل، والتي يأتي في مقدمتها ما يلي:

إرسال المقاتلين إلى معسكرات التدريب في ليبيا- وكالات

انقسامات طرابلس: كان من أحد التداعيات المترتبة على معارك طرابلس في عام 2019، هو تصاعد اعتماد ميليشيات طرابلس على مصراتة، وذلك على الرغم من أن الأولى قامت خلال عام 2018 بطرد ميليشيات مصراتة من العاصمة طرابلس للاستئثار بالسلطة والنفوذ على حكومة الوفاق، غير أن تراجع هذه الميليشيات وخسارتها في المواجهات أمام الجيش الوطني الليبي على مدى عام 2019، دفع هذه الميليشيات إلى الاعتماد من جديد على ميليشيات مصراتة؛ لإبطاء تقدم الجيش الوطني الليبي؛ الأمر الذي انعكس سلبًا على نفوذ الإخوان المسلمين والتنظيمات الإرهابية المتحالفة معهم على العاصمة طرابلس.

ومع إقدام تركيا على رفع مستوى تورطها في الصراع الليبي؛ خصوصًا أن بعض العناصر السورية التي نقلتها إلى سوريا محسوبة على تيار الإخوان المسلمين. ولذلك، تمكنت أنقرة من التأثير على التوازن القائم بين ميليشيات طرابلس ومصراتة، لصالح الأولى، وهو ما انعكس من جديد في تفاقم التوتر بين هذه الميليشيات، ولعل أحد ملامح ذلك هو عودة ميليشيات طرابلس إلى التحدث باسمها القديم وهو “قوة حماية طرابلس”، وتأكيد دورها في تحرير طرابلس من حكم القذافي، ومهاجمة تصريحات وزير الداخلية فتحي باشا آغا، الذي اعتبر ميليشيات مصراتة القوات “الشرعية” الوحيدة[5]، وهو مؤشر على أن الدور التركي أثار الاحتقان بين هذه القوى، وأسهم في تجدد الصراع بينها؛ بما يعزز في النهاية من إمكانية انشقاق هذه القوى وخروجها عن “الوفاق”.

اقرأ أيضًا: خبير سعودي: روسيا اللاعب الأكثر ذكاءً في الأزمة الليبية

انشغال تركي: عانت أنقرة خسائر متتالية في الصراع السوري، تنذر بضياع نفوذها؛ خصوصًا بعدما تمكن الجيش السوري من تحرير عديد من المناطق من قبضة التنظيمات الإرهابية الموالية لتركيا في إدلب، إذ سعت أنقرة لاحتواء هذا التطور، عبر إرسال قواتها المسلحة لوقف انهيار التنظيمات الإرهابية أمام تقدم الجيش السوري، وتحديدًا جبهة فتح الشام، الموالية لتنظيم القاعدة.

وانعكس ذلك سلبًا على قدرة الرئيس التركي على إدارة الملف الليبي، بالنظر إلى أن العمليات العسكرية في شمال سوريا، ترتب عليها سقوط عدد كبير من القوات التركية، بما تسبب في إحراج الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ودفعه للدخول في معارك كلامية تصعيدية، للإيحاء بقوة موقف أنقرة في الأزمة السورية، وللتغطية على الانكشاف الذي تعرض إليه؛ خصوصًا بعد رفض كلٍّ من الولايات المتحدة وأوروبا وحلف شمال الأطلسي دعم أردوغان في مغامراته في شمال سوريا، وخصوصًا أن مثل هذا الدعم كان سينذر بتصعيد التوتر مع موسكو، في وقت يدرك فيه الغرب، وتحديدًا الولايات المتحدة أنها لم تعد تملك أوراقًا مؤثرة في الشأن السوري؛ بل وبات الرئيس الأمريكي ترامب، يفكر في سحب ما تبقى من قوات أمريكية محدودة من هناك.

أطماع أردوغان في السلطة تتجاوز تركيا- “أسوشييتد برس”

ولولا تركيز واشنطن وتل أبيب على تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا والعراق، وحرمان طهران من إقامة قواعد عسكرية على الحدود العراقية-السورية، لكانت واشنطن سحبت ما تبقى من قوات عسكرية لها هناك.

خسارة موسكو: تمثَّل أحد التداعيات الاستراتيجية على معارك سوريا في تصاعد حدة الاحتقان في العلاقات التركية- الروسية؛ خصوصًا مع إصرار موسكو على دعم النظام السوري في معركته لطرد الإرهابيين، وتركيز الكرملين المستمر على أن تركيا أخفقت في تنفيذ تعهداتها الرامية إلى تحجيم التنظيمات الإرهابية في إدلب، بل والسماح لهم بمهاجمة القواعد الروسية في سوريا. ومن شأن هذا الخلاف أن يمتد إلى الأزمة الليبية، خصوصًا في ظل الحديث التركي عن دعم روسيا لخليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي، بالمرتزقة التابعين لشركة “فاجنر” الروسية، ورفض موسكو قيام أنقرة بإرسال إرهابيين إلى سوريا. وقد يكون هذا العامل قد دفع أنقرة إلى التفكير في تحاشي التصعيد في الشأن الليبي؛ حتى لا تتكرر خسائرها بصورة متزامنة هناك، على نحو يهدد نفوذها في كلٍّ من سوريا وليبيا في الوقت نفسه.

اقرأ أيضًا: المواجهة الروسية- التركية في إدلب.. بين خيارات الحرب والتهدئة

تفوق عسكري: سعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى تعزيز قدرته على دعم الميليشيات المتحالفة مع حكومة الوفاق، وذلك عبر إمدادها بنظم دفاع جوي قصير المدى؛ لتمكينها من اعتراض الطائرات المسيّرة التابعة للجيش الوطني، ومن ثَمَّ إبطاء تقدم الجيش الوطني، فضلًا عن الحد من قدرة الجيش الوطني على استهداف الوجود التركي في طرابلس ومطار معيتيقة؛ بما يسمح له بتصعيد دعمه لـ”الوفاق” كيفما يشاء عبر إقامة خطوط إسناد آمنة من استهداف الجيش الوطني، غير أن هذه الإجراءات لم تسمح له بتحقيق هدفه؛ إذ لجأ الجيش الوطني إلى استخدام المدفعية طويلة المدى، والتي سمحت له باستهداف الجزء العسكري من مطار معيتيقة الذي تستخدمه القوات التركية في أواخر فبراير[6]، وكذلك سفينة تركية محملة بالأسلحة والذخائر في ميناء طرابلس البحري في 18 فبراير 2020[7]؛ أي أن أنقرة أخفقت في تحقيق تفوق عسكري نوعي لميليشيات “الوفاق” غير الشرعية.

تدخل قطري: في ظل تراجع قدرة أنقرة وميليشياتها المسلحة المتحالفة معها في تحقيق تقدم عسكري يُذكر، بالإضافة إلى إخفاق أردوغان في إيجاد قاعدة له في تونس تمكنه من التدخل في الشأن الليبي، قام الأمير القطري تميم بن حمد، بزيارة إلى تونس في أواخر فبراير 2020[8]؛ في محاولة للضغط على تونس لتفهم المصالح القطرية- التركية في ليبيا، بما في ذلك دعم التيارات المرتبطة بالإخوان المسلمين والتنظيمات الإرهابية هناك. ومن جهة ثانية، تسعى الدوحة لاستغلال حزب النهضة الإخواني، كأداة ضغط إضافية؛ من أجل إقناع الرئيس التونسي قيس سعيّد، بالتجاوب مع المطالبات التركية- القطرية.

اقرأ أيضًا: التهديد العثماني الجديد في “المتوسط” وشهية السلطان أردوغان للنفوذ

وعلى الجانب الآخر، تسعى الدوحة للتأثير على مبادرة الرئيس التونسي لجمع القبائل الليبية من أجل إيجاد حل ليبي داخلي للأزمة التي تعانيها البلاد على مدى السنوات التسع الماضية[9]، بما يضمن وضعًا بارزًا لحلفائها في أية تسويات مستقبلية. ولا يتوقع أن تنجح قطر في تحقيق أي من أهدافها؛ خصوصًا مع استمرار تدهور حلفائها من الميليشيات الليبية في تحقيق أي انتصار ميداني يمكن أن تستغله قطر وتركيا في تعزيز الوزن التفاوضي لميليشيات “الوفاق” في ليبيا.

وفي الختام، تؤشر مجمل هذه التطورات على نجاح الجيش الوطني الليبي في تحقيق انتصارات تدريجية في العاصمة طرابلس على حساب ميليشيات “الوفاق”. ولا تزال فرص نجاح أنقرة والدوحة في دعم نفوذهما في ليبيا أمرًا صعب المنال، وذلك على الرغم من حجم الدعمَين المادي والعسكري لحكومة الوفاق، التي تفتقد كل مقومات الشرعية. ولابد أن يدرك المجتمع الدولي خطورة السياسات التركية- القطرية الرامية إلى مناصرة التنظيمات الإرهابية لتعزيز النفوذ الإقليمي. وإذا كانت أنقرة أيقنت مؤخرًا تراجع الدول الغربية عن دعمها في سوريا، فإن ليبيا قد تكون المحطة التالية لانحسار النفوذ التركي- القطري.

المراجع:

[1] https://bit.ly/38gBbad

[2]  https://bit.ly/3cmHuMH

[3] https://bit.ly/2VB71f6

[4] https://bit.ly/2x2aCZv

[5] https://bit.ly/2vvewcU

[6] https://bit.ly/2Tw7WL9

[7] https://arbne.ws/3aw7a83

[8] https://bit.ly/2vytCOJ

[9] https://bit.ly/3cmibu8

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة