الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

انتعاش التدين في رمضان بالمغرب.. صحوة روحانية أم طقوس زائفة؟

تنقسم الآراء في المغرب حيال ظاهرة "انتعاش التدين" في شهر رمضان بين فريقين

المغرب- حسن الأشرف

بحلول شهر رمضان الكريم، تنتعش سلوكيات وطقوس تعبدية عند العديد من المغاربة، كما لدى معظم شعوب البلدان الإسلامية الأخرى، ومنها امتلاء المساجد عن آخرها، خصوصاً في صلوات التراويح، في الوقت الذي كانت “بيوت الله” تشكو قلة المصلين فيها خارج رمضان، كما تكثر مبادرات الصدقة والخير حيال الفقراء والمعوزين في المجتمع، وهو الأمر الذي يكاد يتكرر في كل شهر رمضان، ويتجدد بشأنه السؤال إذا ما كان الأمر يتعلق بصحوة دينية حقيقية تحتاج للعناية والتوجيه، أم هو “تدين موسمي” فقط لا يخلو من نفاق ديني وسلوكي.

وتنقسم الآراء حيال ظاهرة “انتعاش التدين” في شهر رمضان بين فريقين، الأول يرى أن وفرة مظاهر التدين في شهر رمضان تحديداً أمر مطلوب ومرغوب، لأنه موسم ديني عظيم، ولأنه دليل على ارتباط الشعب بهويته الإسلامية، بينما الفريق الثاني يؤكد أن هذا الانتعاش الديني في رمضان لا يعبر عن صحوة دينية أو التزام بالتعاليم والأخلاق الدينية، بقدر ما هو “طقوس اجتماعية زائفة”.

اقرأ أيضاً: صلاة الأسطح الجماعية تزيد تفشي الوباء

التراويح وقفة رمضان

وبمجرد حلول شهر رمضان في المغرب، تمتلئ المساجد خصوصاً في صلوات التراويح بشكلٍ لافت، باعتبار أنها في باقي الأيام والشهور، بل بمجرد انقضاء الشهر الكريم، تعود إلى حالتها العادية، حيث “يشكو” رواد بيوت الله من قلة أعداد المصلين.

وتضع تقارير مراكز بحثية الأعداد الوفيرة للمصلين خلال رمضان مقياساً لارتفاع نسبة تدين المغاربة، حيث يملأ ملايين المصلين عدداً من المساجد في البلاد، خصوصاً التي يؤمها أئمة ذوو أصوات حسنة أو أئمة معروفون، ومنها مسجد الحسن الثاني بمدينة الدار البيضاء التي حدث في سنواتٍ سابقة أنه في ليلة السابع والعشرين (ليلة القدر) يؤم الشيخ عمر القزابري أكثر من ربع مليون مصلٍ في ليلة واحدة.

الشيخ عمر القزابري يؤم آلاف المصلين كل ليلة في رمضان

ويبدو أن إقبال ملايين المغاربة على المساجد للصلاة في رمضان، خصوصاً لأداء صلاة التراويح، سيكون أكبر في شهر رمضان الحالي، بالنظر إلى أن المغاربة حُرموا سنتين متتاليتين من أداء التراويح في المساجد، بسبب الحالة الوبائية في البلاد.

وفي رمضان أيضاً تتنامى مبادرات الخير والإحسان، سيما توزيع ما يسمى في المغرب “القفة الرمضانية”، والتي تتكلف جمعيات أو محسنون بتوزيعها على الأسر المعوزة والفقيرة، من أجل دعمها في هذا الشهر الفضيل، خصوصاً أنه جاء متزامناً مع موجة غلاء لافت للأسعار، بسبب ارتفاع ثمن المحروقات، وهو ما زاد من الأعباء المالية والاقتصادية للعائلات المغربية.

اقرأ أيضاً: في شهر رمضان الكريم.. لنتذكر نساء اليمن

طقوس اجتماعية زائفة

يقول الباحث في الشأن الديني والحركات الإسلامية، سعيد لكحل، في هذا الصدد، إن المغاربة اعتادوا منذ زمن طويل على تقديس شهر رمضان لاعتباراتٍ دينية، لكن تقديسهم هذا لم يكن مبالغاً فيه، حيث كانوا يتعبدون بالقدر المستطاع، ويحيون ليالي رمضان بأنشطة مختلفة وسهرات متنوعة.

ويضيف لكحل في حديثٍ مع “كيوبوست” بأن “سلوكات الإفراط في التدين لم تبرز إلا مع ظاهرة الإسلام السياسي التي بدأت تجتاح المجتمع منذ بداية سبعينيات القرن العشرين، ذلك أن تنظيمات الإسلام السياسي جعلت من مظاهر التدين أسلوبها الرئيسي في اختراق المجتمع، وتمزيق نسيجه الثقافي”، متابعاً بأنه “كلما مرت السنون ازداد التركيز على مظاهر التدين أكثر من الدين وأخلاقه”.

سعيد الكحل

ويرى الباحث أن “الغاية من هذا هي تسريع وتيرة التحكم في المجتمع؛ ومن ثم تحديد اتجاهات الأفراد ومواقفهم ليكونوا قاعدة اجتماعية داعمة للمشروع المجتمعي لهذه التنظيمات، وفي نفس الوقت يوظفونها لعرقلة جهود التحديث ومشاريع التنوير”، مستدلاً بما اعتبره “تجييشاً من طرف الإسلاميين المغاربة لقواعدهم الاجتماعية ضد مشروع خطة إدماج المرأة في التنمية سنة 2000”.

وذهب لكحل إلى أن “مظاهر التدين التي نرى المبالغة فيها خلال شهر رمضان لا تعبر عن صحوة دينية أو التزام بالتعاليم والأخلاق الدينية، بقدر ما هي  طقوس اجتماعية زائفة مثل زيف شعارات ومظاهر التدين لدى تنظيمات الإسلام السياسي ومنظّريها”.

اقرأ أيضاً: “العدالة والتنمية” المغربي يمتطي صهوة “المرجعية الإسلامية”

ووفق المتحدث، فإن التجارة بالدين أفقدته جوهره الروحي والأخلاقي الذي يسمو بالفرد، ويجعله يكف عن المنكر والإثم ما استطاع، بحيث يجعل من صيامه واعظاً له ورقيباً يتدخل لمنعه كلما همّ بفعل شيء منكر أو إثم مهما كان بسيطاً”، مورداً أنه “هكذا اعتاد المغاربة على التصرف خلال شهر رمضان قبل ظهور الإسلام السياسي”.

ويستطرد لكحل بأن “ما يؤكد أن مظاهر التدين سطحية وزائفة هو الدراسة التي أشرفت على إنجازها جامعة نوتنغهام البريطانية، والتي صنفت المغاربة الشعب الأكثر خداعا في العالم والأقل نزاهة”، وذلك من بين 159 بلدا عبر العالم”، ليخلص إلى أنه من “المفترض، وتبعا لمظاهر التدين، أن يكون المغاربة في صدارة الشعوب الأكثر نزاهة والأقل خداعا”.

استثمار روحانية رمضان

ويرد الدكتور عبد الكريم القلالي، الأستاذ بجامعة فاس، على ما أورده سعيد لكحل، بالقول إن إظهار الشعائر الدينية مطلوب من المسلمين في كل وقتٍ وحين، غير أنه في بعض الأوقات يكون آكد”، مبرزاً أن “انتشار مظاهر التدين في المغرب وغيره من البلدان خلال رمضان أمر مرغوب، يدل على ارتباط الشعب بهويته الإسلامية، وحبه لدينه، ووجود أصل الفطرة فيه، وقابليته للتفاعل حين تتوفر الدواعي”.

د.عبدالكريم القلالي

ويردف القلالي بأن الإقبال على فعل الخيرات في شهر رمضان أكثر من غيره، هو أمر مرتبط بالتماس بركات هذا الشهر، والنبي صلى الله عليه وسلم نفسه كان يجتهد في هذا الشهر أكثر من غيره، لما فيه من بركات لا توجد في غيره من الشهور”، مورداً أن “الإنسان قد يجد في نفسه نشاطاً للعبادة في وقتٍ دون آخر، والإيمان يزيد وينقص، وإقبال المغاربة على التدين أكثر في هذا الشهر فيه تأثر بروحانياته والتماس لبركاته، ومن الناس من يواصل بعد رمضان توبته واستغفاره، ومنهم من يتراجع تبعاً لتقلبات النفس الإنسانية”.

ورداً على مسألة النفاق والطقوس الزائفة، يقول القلالي في حديثٍ مع كيوبوست، إنه “لا يمكن لنا أن نحكم على أحد بنفاقٍ أو غيره في حال تراجعه، عما كان عليه في رمضان، لأننا لا نعلم النوايا، وقد شكا الصحابي الجليل حنظلة رضي الله عنه ما كان يجده من تقلب في حياته بعد انصرافه من عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي: “لو كنتم كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة في الطرقات..”، بل في الشرع الإسلامي ترغيب على اغتنام العبادة في لحظات إقبال النفس”.

اقرأ أيضاً: نموذج التدين المغربي يحارب التطرف بالتسامح و”إمارة المؤمنين”

وشدَّد الباحث الديني على أن “المطلوب أن نستثمر رمضان في تشجيع المجتمع على التدين، خصوصاً من لا يأتي للمسجد إلا قليلا، وأن نستثمر روحانية الشهر في ترك الأمور المهددة للمجتمع كالمخدرات، ومن وجدناه أقبل في رمضان نحثه على الثبات، وإن تراجع بعد رمضان لا نتهمه في صدقه ودينه وذلك أمر بينه وبين ربه”، متابعا بأن “ما هو منتشر بين المجتمع من تقدير لهذا الشهر وتوقير وتعظيم هو تعظيم لشريعة الله وحياء من الله، ومن يمتنع عن فعل بعض المعاصي في هذا الشهر تقديرا له ينبغي تشجيعه ودعوته المواصلة بعد رمضان”.

ويكمل المتحدث: “بذلك تتحقق تزكية الفرد والمجتمع، وكم من شخص كان منحرفا ثم صار مستقيما بعدما وجده من التشجيع في رمضان سواء من أسرته أو مجتمعه أو من خلال استماعه لمواعظ رمضان وتأثره بآيات الله، وكل من دخل هذا الطريق وجب علينا أن نعينه ونأخذ بيده، ولا ينبغي أن نعيره بما كان يفعله قبل رمضان أو بعده، والتوفيق والهداية من عند الله، والعبد يأخذ بأسباب الهداية”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة