ترجماتشؤون دولية

انتحار فنزويلا: دروس من دولة فاشلة

كيف انتقلت البلاد من الديمقراطية إلى الاستبدادية؟

ترجمة كيو بوست –

المصدر: مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية، بقلم مويسيس نيم و فرانسيسكو تورو.

دعونا نتأمل دولتين في أميركا اللاتينية: الدولة الأولى هي واحدة من أقدم وأقوى الديمقراطيات في المنطقة، وتفتخر بشبكة أمان اجتماعي أقوى من جميع جيرانها، وتحرز تقدمًا بشأن وعودها في إيصال الرعاية الصحية المجانية والتعليم العالي لجميع مواطنيها. تعتبر هذه الدولة نموذجًا للحراك الاجتماعي، ومغناطيسًا للمهاجرين من جميع أنحاء أمريكا اللاتينية وأوروبا. في هذه الدولة، الصحافة حرة، والنظام السياسي منفتح، والأحزاب المختلفة تتنافس بشدة في الانتخابات وتتبادل السلطة بشكل منتظم. تجنبت هذه الدولة موجة العصابات العسكرية والمجالس العسكرية التي أغرقت بلدان أميركا اللاتينية بالدكتاتوريات. وبفضل تحالفها السياسي الطويل وعلاقاتها التجارية والاستثمارية العميقة مع الولايات المتحدة، أصبحت هذه الدولة بمثابة مقر لمجموعة كبيرة من الشركات متعددة الجنسيات. تتمتع هذه الدولة بأفضل بنية تحتية على مستوى أميركا اللاتينية.

اقرأ أيضًا: القضاء على الاحتجاج في البداية أو السقوط: هكذا تصمد الأنظمة الاستبدادية!

الدولة الثانية هي واحدة من أفقر دول أميركا اللاتينية وأحدث دكتاتورياتها. نصف مدارس هذه الدولة مهجورة، ونظامها الصحي مدمر بسبب عقود من الفساد، والإهمال، وقلة الاستثمار. في هذه الدولة، عادت الأمراض المنقرضة منذ زمن طويل إلى الظهور من جديد – منها الملاريا والحصبة. في هذه الدولة، نخبة صغيرة فقط من تستطيع جلب ما يكفي من الطعام. كما أن وباء العنف جعلها من أكثر الدول دموية في العالم. أصبحت هذه الدولة مصدر أكبر هجرة لاجئين على مستوى أمريكا اللاتينية وعلى مدار جيل كامل؛ إذ فر الملايين من البلاد خلال السنوات القليلة الماضية. من النادر أن يدرك مواطنوها زيف انتخاباتها الصورية، ولا تزال النسبة الصغيرة من وسائل الإعلام، غير الخاضعة لسيطرة الدولة المباشرة، تتّبع الخط الرسمي لأنها تخاف من الانتقام. ومع نهاية 2018، سيتقلص اقتصادها إلى حوالي النصف مقارنة بالسنوات الخمس الأخيرة. تعتبر هذه الدولة مركزًا رئيسًا لتهريب الكوكايين، وقد جرى إدانة صانعي القرار في نخبتها السياسية من قبل الولايات المتحدة بسبب تجارتهم بالمخدرات. في هذه الدولة، الأسعار تتضاعف كل 25 يومًا، والمطار الرئيس مهجور، يُستخدم من قبل حفنة صغيرة من شركات الطيران الصامدة، التي تجلب القليل من الركاب من وإلى العالم الخارجي.

فرق التوقيت

هذان البلدان هما في الواقع البلد ذاته؛ فنزويلا في عصرين مختلفين: أوائل السبعينيات واليوم. إن التحول الذي شهدته فنزويلا جذري وكامل وشامل، لدرجة يصعب تصديق أن هذا التحول قد حدث دون حرب. ما الذي حدث لفنزويلا؟ وكيف سارت الأمور بشكل خاطئ؟

الجواب المختصر هو التشافية؛ تحت قيادة هوغو تشافير وخليفته نيكولاس مادورو، عانت البلاد من خليط سامّ من السياسة التدميرية المتعسفة، والاستبدادية المتسلطة، والحكومة الفاسدة، جميعها تحت التأثير الكوبي الذي يشبه في كثير من الأحيان الاحتلال. كل واحدة من هذه الخصائص خلقت مشاكل ضخمة جدًا، إلا أنها شكلت مجتمعة كارثة حقيقية في البلاد. اليوم، فنزويلا دولة فاشلة، فقيرة، قائمة على التجريم، يديرها مستبد مدين لقوة أجنبية. إن الخيارات المتاحة لعكس هذا المسار ضئيلة، بل وخطرة كذلك؛ فاليأس قد يدفع الفنزويليين إلى التفكير في دعم الإجراءات المحفوفة بالمخاطر، مثل غزو عسكري تقوده الولايات المتحدة في البلاد، ما قد يجعل الوضع السيء أسوأ من ذي قبل.

الكثير من المراقبين يرون أن تفسير المأزق الفنزويلي بسيط ويتجسد فيما يلي: في عهد تشافيز، ارتطمت البلاد في شباك الاشتراكية بشكل قوي، ثم نشأت كل الكوارث اللاحقة من الخطيئة الأولى. لكن الأرجنتين والبرازيل وتشيلي والإكوادور ونيكاراغوا وأوروغواي جميعها انتخبت حكومات اشتراكية في الـ20 سنة الماضية، إلا أنها لم تنهار –باستثناء نيكاراغوا- بل ازدهر العديد منها، برغم بعض المصاعب الاقتصادية والسياسية.

اقرأ أيضًا: مترجم: السياسيون الصادقون لن يصلحوا الفساد

إذا كان من الصعب إلقاء اللوم على الاشتراكية بشأن انهيار فنزويلا، فربما يكون النفط هو المذنب. لقد تزامنت المرحلة المفجعة من أزمة فنزويلا مع الهبوط الحاد في أسعار النفط العالمية عام 2014. لكن هذا التفسير غير كاف كذلك؛ فقد بدأ تدهور فنزويلا قبل 4 عقود، وليس 4 سنوات. لقد انخفض الناتج المحلي الإجمالي لكل مواطن عام 2003 حوالي 37% مقارنة بالذروة عام 1978، وهو ما أدى بتشافير إلى سدة الحكم. علاوة على ذلك، جميع الدول النفطية عانت من صدمة مالية عنيفة عام 2014 نتيجة لانخفاض أسعار النفط، لكن فنزويلا هي فقط من لم تتحمل الضغط.

إن أسباب فشل فنزويلا أعمق بكثير من التفسيرات السابقة. لقد فتحت عقود من التدهور الاقتصادي الباب أمام تشافير لتولي السلطة، وهو شخص كاريزمي مغرور، تمسك بأيديولوجية عفا عليها الزمن من أجل الاستيلاء على السلطة وتأسيس حكم استبدادي فاسد على غرار دكتاتورية كوبا. وبرغم أن الأزمة سبقت صعود تشافير إلى السلطة، إلا أن إرثه، إلى جانب التأثير الكوبي، هو محور أية محاولة لتفسير انهيار فنزويلا.

 

صعود تشافيز

جرى تجنيد تشافير في حركة يسارية صغيرة حاولت مرارًا وتكرارًا الانقلاب على النظام الديمقراطي. وقد برز اسمه في الوعي الفنزويلي العام في 4 شباط/فبراير 1992، عندما قاد محاولة انقلاب فاشلة. أدت هذه المغامرة بالرجل إلى السجن، لكنها حولته إلى بطل شعبي محتمل، يجسد إحباطًا متزايدًا من الركود الاقتصادي. وبعد حصوله على العفو، نافس تشافيز على رئاسة البلاد، وفاز عام 1998، ما أدى إلى انهيار نظام الحزبين الذي أرسى الديمقراطية الفنزويلية لمدة 40 عامًا. ويمكن الجزم بأن الغضب والإحباط الشعبيين، الناتجين عن عدم المساواة الاقتصادية، هما من زج بتشافير إلى السلطة.

طبقت فنزويلا الديمقراطية عام 1958 بعد عقود من العثور على النفط. لكن البلاد خسرت عام 2014 إيرادات النفط التي اعتمدت عليها شعبية تشافيز ونفوذه الدولي، كما فقدت البلاد أسواق الائتمان الأجنبية. وقد ترك تشافيز البلاد بعبء ديون هائل، شمل قروضًا كبيرة غير مسددة حتى اليوم. كما سقطت فنزويلا السياسية في نظام أوتوقراطي، يتجاهل ويقمع الناس العاديين طالما ظلوا صامتين.

اقرأ أيضًا: ما هي قصة الفساد؟ من أسلافنا إلى القادة المعاصرين

لقد تحولت الأزمة الناتجة إلى أسوأ كارثة إنسانية في نصف الكرة الأرضية الغربي. من الصعب الحصول على أرقام دقيقة بشأن انهيار الناتج المحلي الإجمالي، لكن الاقتصاديين يقدرون أن الانكماش وصل إلى 40%، تمامًا مثل سوريا الغارقة في حرب أهلية مدمرة. أما نسبة التضخم، فقد وصلت إلى مليون بالمئة في كل عام، ما دفع 61% من الفنزويليين إلى العيش في فقر مدقع. 89% يقولون إنهم لا يستطيعون شراء ما يكفي من الطعام، و64% يؤكدون أنهم فقدوا 11 كيلو غرامًا من وزنهم بسبب الجوع. بينما فر 10% من السكان من فنزويلا باتجاه الدول المجاورة.

وبالإضافة إلى ذلك، تخلت الدولة الفنزويلية عن توفير الخدمات العامة، مثل الرعاية الصحة والتعليم وحتى الشرطة. لم يتبق أمام الفنزويليين اليوم سوى القمع العنيف المتفشي في القطاع العام. فخلال مظاهرات 2014 و2017، ردت الحكومة بآلاف الاعتقالات والتعذيب الوحشي وعمليات القتل.

في فنزويلا، تدير العصابات مشاريع تجارية إجرامية بتعاون وثيق مع الدولة، أو من خلال سلطاتها مباشرة. وقد برزت تجارة المخدرات وإنتاج النفط وموازنة العملة كمصادر دخل حصرية للمقربين من النخبة الحاكمة. كما قامت نخبة صغيرة بسرقة أصول وطنية بدرجة لم يسبق لها مثيل، شملت إنشاء عصابات داخل السجون، تتعاون مع قوات حكومية في عمليات ابتزاز متعددة. كما تحولت مكاتب خزينة الدولة، والبنك المركزي، وشركة النفط الوطنية، إلى مختبرات يجري فيها التخطيط للجرائم المالية المعقدة. ومع انهيار الاقتصاد الفنزويلي، اختفت الحدود التي تفصل الدولة عن المؤسسات الإجرامية.

اقرأ أيضًا: هل ستؤدي تحقيقات الفساد إلى إقالة نتنياهو من منصبه؟

 

المصدر: مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة