الواجهة الرئيسيةشؤون خليجيةملفات مميزة

انبعاث “داعش” والعدالة في آن

إحباط استهداف الأمن وإعدامات للإرهابيين حيث "الفتنة أشد من القتل"

كيوبوست

الاستراتيجية الاستباقية في التصدي لاستهداف التنظيمات المتطرفة في السعودية، ومنها “داعش” الذي ينبعث من رمادها في مناطق التوتر؛ تُعيد إلى الأذهان الاحتفالات الجذلة والساذجة لعدد من المسؤولين الغربيين والمحللين الذين أعلنوا “موت داعش”، ليخرج كالعنقاء “طائر النار” الأسطورة في الشرق القديم، ويعيث قتلًا وفسادًا وتشعل حرائق الكراهية في كل مكان محتمل في العالم يمكن أن ينجح فيه عبر خلايه النائمة، وذئابه المنفردة، وقوافل الانتحاريين صغارًا وكبارًا ونساءً؛ الذين اتخذوا قرار إنهاء حياتهم، وبيعة خليفة مزعوم مختبئ في سرداب الحنق على الحياة.

أربعة شبّان سعوديون لم يتجاوزوا بالكاد العشرينات من ربيع عمرهم، قاموا على عجل بتسجيل فيديو قصير المدة، لكنه طويل في الدلالة على مدى تأثير خطابات التكفير والخروج على الدولة، وتقويض أمنها، يختتمون فيه في مشهد عبثي وضع كفوفهم بعضها فوق بعض، لتمثيل البيعة للبغدادي على الهواء؛ لينتقل عبر ريح التقنية ومسارب الإنترنت المفتوحة على مصراعيها لكل ما هب ودب من منتجات التنظيمات.

اقرأ أيضًا: “داعش” في سريلانكا برعاية القرضاوي!

عملية الزلفي رغم إحباطها أمنيًّا؛ فإنها حملت دلالات وتحولات للتنظيم، بحاجة إلى المزيد من التأمُّل والرصد؛ فمنها على سبيل المثال أن التنظيم رغم اندثاره على مستوى جغرافيا مناطق التوتر، ينتعش على مستوى التجنيد وإيقاظ الخلايا النائمة؛ لإثبات الوجود، وهو ما وصفته منتجات إعلام “داعش” الأخيرة ومجلاته بـ”مرحلة الصبر”، وإعادة رصّ الصفوف والإشارة إلى كل الفاعلين من كوادره العائدين من مناطق التوتر إلى البدء في موجات جديدة من العمليات الانتحارية غير الهرمية التي يصعب رصدها؛ لإثبات أن “داعش” لا يزال يؤكد شعاره التسويقي منذ نشأته “باقٍ ويتمدد”.

في عام 2015، نشرت وزارة إعلام تنظيم داعش تسجيلًا صوتيًّا لأبي بكر البغدادي، خلاصته أن استهداف السعودية يعد أكثر مكاسب التنظيم وأولوياته المرحلية في مقابل تصميم المملكة، آنذاك، على حرب شاملة مفتوحة على الإرهاب ومؤيديه، وكما ورد في بيان رئاسة أمن الدولة عقب حادثة الزلفي، تم العثور في مخابئ الإرهابيين على أسلحة ومواد متفجرة، وما يشبه مصنعًا للعبوات الناسفة؛ ما يؤكد أن الخلية خططت للعملية في توقيت لم يأتِ مصادفة أو عرضيًّا، ذلك أن يوم 21 في ذاكرة كل السعوديين هو ذكرى تفجير الوشم على يد كتائب الحرمين التابعة لتنظيم القاعدة المنافس الأول لتنظيم داعش في سوق الموت والقتل والكراهية؛ وهو ما يعني أيضًا رغبة “داعش” في التركيز على عمليات نوعية صغيرة بعد خروجه من مناطق التوتر مثخنًا بالجراح مخلفًا عديدًا من العائلات والأطفال لكوادره الذين هربوا باتجاه بلدان عديدة شرقًا وغربًا.

ما بدا هزيمةً لـ”داعش” لدى السياسيين والإعلاميين لم يكن سوى فترة كمون مؤقتة لا تعبر إلا عن تحوُّل مرحلي في استراتيجية تنظيمات الإرهاب ذات التعقيد المجدول بكل احتمالات التطور والتجدد والانبعاث، خصوصًا مع بقاء مصادر إنتاج خطاباتها الفكرية، وتوفّر قدرتها على التمويل الذاتي، وتلقي التبرعات التي ما عادت مقتصرة على أفراد أثرياء مؤمنين بخطاب الإرهاب، بل تجاوزته إلى تدخلات دول عديدة في المنطقة تحاول إذكاء شعلة نار الإرهاب والإبقاء على وحش الكراهية حيًّا لتنفيذ مآربها التخريبية، عدا المناخ السياسي المتقلّب في عالمنا اليوم، خصوصًا في منطقة الشرق الأوسط، يجعل من تمدد حالة العنف أمرًا مرهونًا بالقدرة على استقطاب المزيد من الشبّان المأخوذين بعالم “داعش” الذي يحاول تجاوز فكرة التنظيم المؤسسي إلى الكيانات العابرة للحدود.

اقرأ أيضًا: ” تنظيم داعش” يغادر الجغرافيا.. و ثروته تبقيه كمصدر تهديد دائم

نجاح العملية الاستباقية السعودية أعقبه حدث ارتقبه كثير من الباحثين عن العدالة من أهالي وأُسر ضحايا العنف والإرهاب، والطامحين إلى تحقيق العدالة الشرعية والقانونية بحق المجرمين ودعاة الفتنة وتقسيم الأوطان وبيع الولاءات؛ حيث أصدرت وزارة الداخلية السعودية، يوم الثلاثاء 23 أبريل الجاري، بيانًا تفصيليًّا نشرته وكالة الأنباء السعودية “واس“، بشأن تنفيذ حكم القتل تعزيرًا وإقامة حد الحرابة في عدد من الجناة في كلٍّ من مناطق الرياض ومكة المكرمة والمدينة المنورة والشرقية والقصيم وعسير؛ ما يؤكد أن الحرب على الإرهاب ليست طائفية أو جهوية أو مناطقية.

وعللت وزارة الداخلية ورئاسة أمن الدولة عملية تنفيذ القانون تلك بأنها طالت عددًا من الإرهابيين ودعاة الفتنة؛ لتبنيهم الفكر الإرهابي المتطرف وتشكيل خلايا إرهابية للإفساد والإخلال بالأمن وإشاعة الفوضى وإثارة الفتنة الطائفية والإضرار بالسلم والأمن الاجتماعي ومهاجمة المقرات الأمنية باستخدام القنابل المتفجرة، وقتل عدد من رجال الأمن غيلةً، وخيانة الأمانة بالتعاون مع جهات معادية بما يضر بالمصالح العليا للبلاد.

 

جميع المتورطين في القتل والتآمر على أمن البلاد من الجنسية السعودية شكَّلوا خلايا إرهابية للإفساد والإخلال بالأمن وإشاعة الفوضى وإثارة الفتنة الطائفية، وقد تمت إحالتهم إلى القضاء الشرعي بعد توجيه الاتهام إليهم بارتكابهم تلك الجرائم، وصدرت بحقهم صكوك شرعية تقضي بثبوت ما نُسب إليهم شرعًا والحكم عليهم بالقتل تعزيرًا. وحسب البيان الذي نقلته “واس“،  أُقيم حد الحرابة المستند إلى الشريعة الإسلامية في اثنين منهم: عزيز مهدي العمري، وخالد بن عبد الكريم التويجري الذي تم صلبه وتعليق جثته؛ لقيامه بعمل وحشي تمثل في نحر وذبح رجل أمن برتبة لواء في منطقة القصيم.

في التفاصيل التي لم يُشر إليها البيان، فإن26  من المسلحين قاموا بالقتل والاعتداء، ويشمل ذلك قتل رجال الأمن، والقضاة بمَن فيهم قاضٍ من الطائفة الشيعية قُتل غيلةً على يد بعض المتطرفين الإرهابيين من أبناء طائفته، كما أن بقية المتهمين قاموا بأعمال التجسس التي تم توثيقها لدول معادية؛ على رأسها دولة ملالي طهران التي سَعَت منذ عقود إلى بناء خلايا لها في السعودية، كان من أشهرها تنظيم حزب الله الحجاز، والقيام بعدد من التفجيرات والعمليات الإرهابية في المنطقة الشرقية والخبر، واستهداف أمن الحجيج، هذه الخلية قامت بتسريب معلومات، والمشاركة في فعاليات تنظيمية سرّية تهدف إلى تقويض سلطة الدولة، وتزويد الاستخبارات الإيرانية بمعلومات بالغة الحساسية، وهو ما يندرج في كل دول العالم تحت مسمى الخيانة العظمى.

المصلوب حرابةً خالد بن عبد الكريم التويجري قام مع آخرين بقتل اللواء ناصر العثمان في منطقة القصيم، لكن التويجري باشر اغتيال اللواء بطريقة بشعة ضمن استراتيجية التنظيمات الإرهابية في ما عرف بـ”إدارة التوحُّش” من خلال ذبحه ونحره بالسكين.

اقرأ أيضًا: ثروة داعش

في ما يخص بعض الأسماء من الإرهابيين المنتمين إلى التنظيمات الشيعية المتطرفة، والتي تحظى برفض أبناء الطائفة الشيعية الوطنيين الشرفاء الذين طالهم أذى هذه العناصر التخريبية قبل غيرهم، جاء حسين آل ربيع، الإرهابي الذي كان يتجول بدراجة نارية مستعرضًا بحمل سلاح رشاش، مطلقًا أعيرة نارية أمام مرأى الجميع، وقام بتصوير ما فعل؛ لمحاولة التسويق لخطاب الطائفية والولاء لملالي طهران، ليقوم بعدها باستهداف الدوريات الأمنية، ونقاط، وقبلها كان عضوًا فاعلًا في حضور التجمعات التخريبية؛ بهدف إثارة الفتنة الطائفية في المجتمع، لا سيما بعد القبض على زعيم الغلاة الذي تم إعدامه “نمر النمر”.

 النيابة العامة في السعودية صنَّفت حسين آل ربيع كأخطر المطلوبين؛ لتزعمه خلية إرهابية تضم 24 مطلوبًا، نفذ حكم الإعدام في 13 شخصًا؛ منهم في أربع مناطق، وتصدر اسمه في لائحة الدعوى لكونه الأخطر؛ حيث شارك آل ربيع مع زملائه في الاعتداء المسلح على رجال الأمن وعابري السبيل وإتلاف الممتلكات العامة، واشترك مع حسين آل مسلم ومحمد آل ناصر ومصطفى آل درويش وعبد الله آل سريح في استشهاد وإصابة أكثر من 10 أشخاص من رجال الأمن والمواطنين؛ إضافة إلى السطو المسلح على المحلات التجارية، واعتراض المارة بقصد سرقة ما يحملونه من أموال.

على مستوى الخسائر الفادحة التي طالت الوطن جراء تلك الأعمال الإرهابية، فإنها تؤكد أن لحظة العدالة التي حان وقتها، لم تأتِ من فراغ؛ فإن الإرهابيين المسلحين والانتحاريين المعدمين تسببوا في قتل أكثر من 400  من رجال الأمن في السعودية، بالاغتيال المنظّم، أو عبر المواجهات المسلحة التي أصابت رجال الأمن وهم يؤدون مهامهم في الذود عن الوطن، وإحباط العديد من الحوادث الإرهابية الكارثية في أهدافها، بفضل استراتيجية “الضربات الاستباقية”.

وفي ردود الأفعال تجاه المحاكمات، يمكن أن نقرأ حجم التأثير الكبير للعدالة التي طالت الإرهابيين على الكيانات السياسية المعادية للسعودية، والتي تحاول التشغيب على قراراتها السيادية.. وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، استغرب عدم سماع أي تعليق من الإدارة الأمريكية على وصفه قطع رؤوس  37من السعوديين، متناسيًا المئات من المعدمين في العراء دون محاكمات في دولة الملالي؛ انتقامًا منهم، خصوصًا من السُّنة المناقضين لدولة الملالي الطائفية.

النظام القطري الذي يؤوي رؤوس الفتنة والتحريض والإرهاب من كل الأصناف، والذي تحول إلى حاضنة رؤوم لأبرز قيادات الإسلام السياسي، والتنظيمات المسلحة كـ”طالبان”، يحاول أيضًا استغلال الحدث بالتشغيب على العدالة السعودية؛ عبر استضافة معارضين فارّين لإعطاء صبغة الطائفية على قرارات الإعدام، رغم أنها جمعت متهمين محسوبين على السُّنة والشيعة على حد سواء، لكن السُّم الذي تدسه قناة “الجزيرة” في شعارات المظلومية الجوفاء، تجاوزه النظام القطري، عبر صحيفة “الشرق” وموقعها الإلكتروني، إلى مرحلة خطرة وغير مسبوقة حتى من قِبَل دولة الملالي؛ حيث وصفت الإجراءات القضائية في صدر صفحتها بـ”المجزرة”، وهو ما لم يجرؤ عليه كل الدول المعادية صراحةً للسعودية، وحتى تلك المنظمات الحقوقية التي لم يصل سقفها إلى مثل هذا الوصف الذي يعتبر في القانون الدولي انتهاكًا صريحًا يُعاقب عليه القانون.

اقرأ أيضًا: ما السر وراء تركيز داعش على “إستراتيجية الصبر” في الفترة الحالية؟

في السعودية يجب التأكيد أن المنسوب زورًا إلى الشيعة والسُّنة هو فعل أقلية شاذة، لكنها مسنودة بصمت الأكثرية المسيَّسة لمآرب خاصة؛ ومنها الاستفادة من رعاية الدول المعادية للسعودية والانتفاع عبر استغلال الإرهاب وتوظيفه.

المواطنون السعوديون من أبناء الطائفة الشيعية، هم مكون أصيل للهوية الوطنية الثرية بتنوعها، وجزء لا يتجزأ من النسيج الثقافي والسياسي والاجتماعي، وهم أول مَن يدرك خطورة المأزق الذي يدفع باتجاهه بعض المقامرين سياسيًّا كإيران وقطر وتركيا، على حساب الاستقرار السياسي لجسد الخليج والشرق الأوسط؛ حيث السعودية قلبه النابض بالاستقرار.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة