الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

اليمن.. ماذا سيسفر عن الكيانات السياسية الجديدة؟

يُسخِّر حزب الإصلاح البراغماتية وتبديل الأقنعة كأساليب لخدمة مصالحه الخاصة ولخدمة هدف الإخوان المسلمين الأكبر في الانتشار والتوسع

كيوبوست

قال مسؤول يمني سابق إن التحضيرات جارية لإطلاق حركة سياسية جديدة على المستوى الوطني تُسمى جبهة الإنقاذ الوطني، وتسعى إلى استعادة يمن موحد ذي سيادة، وذلك حسب ما نقله مايكل هورتون، زميل الشؤون العربية في مؤسسة جيمس تاون، في تقريرٍ نُشر له على موقع المؤسسة الأمريكية المهتمة بشؤون سياسات الدفاع.

وحسب هورتون، فإن الكيان الجاري التحضير له يضم مزيجاً من الفاعلين السياسيين من حزب المؤتمر الشعبي العام، وحزب الإصلاح والحراك الجنوبي. وتشمل قائمة المنظمين الأساسيين لهذا المشرع كلاً من حميد الأحمر، وأحمد صالح العيسى، وأحمد الميسري. ويهدف المجلس، حسب التقرير، إلى استعادة مؤسسات الدولة في إطار فيدرالي.

اقرأ أيضاً: ماذا بعد رفض الحوثي اقتراح وقف إطلاق النار في اليمن؟

وعلى الرغم من أن هذا الكيان الجديد المُزمع إطلاقه ليس الوحيد؛ فإنه من الجدير بالاهتمام فهم ما تقوم به المجموعات السياسية المختلفة التي تعيد تشكيل نفسها وتوائم مصالحها، ذلك لأن هذه الجماعات، في نهاية المطاف، سوف تحول مصالحها إلى سياسات تُطبَّق على نطاق سيطرتها، وهناك مخاوف جادة من أن يعني ذلك منح الصراع المزيد من الفرص لأن يخلق نفسه بنفسه مراراً وتكراراً.

كيانات متعددة

لم يتحدث تقرير منظمة “جيمس تاون” عن مزيدٍ من التفاصيل حول جبهة الإنقاذ الوطني؛ لكن وزير الداخلية اليمني السابق، أحمد الميسري، تحدث في لقاء له مؤخراً حول تحركات مشابهة؛ حيث قال إن العمل جارٍ لجمع مكونات من الحراك الجنوبي والقوى السياسية الجنوبية في منصة وطنية جنوبية تقود الشأن الجنوبي. وأكد الميسيري أنهم “جزء من الدولة”، وسيبقون جزءاً من الدولة، ومع جيش الدولة.

اقرأ أيضاً: إخوان اليمن وعواقب الدعوة لتدخل تركيا

كما تحدثت تقارير إعلامية أخرى عن نشاط دؤوب لإنشاء كيانات سياسية جديدة يقودها القيادي في حزب الإصلاح (الإخوان المسلمين في اليمن) حميد الأحمر وآخرون. ويأتي كل ذلك في وقتٍ تسعى فيه عدة شخصيات ومجموعات لعكس اهتماماتها ومصالحها في كيانات سياسية نشطة؛ حيث يترأس مثلاً أحمد العيسى، السياسي ورجل الأعمال والقيادي في حزب المؤتمر الشعبي العام، الائتلاف الوطني الجنوبي، والذي يهدف إلى حل القضية الجنوبية من خلال دعم مشروع الدولة الاتحادية.

حميد الأحمر قيادي في حزب الإصلاح- أرشيف

كما أسس عدد من الشخصيات الجنوبية ما يُعرف بمجلس الإنقاذ الوطني اليمني الجنوبي، المناهض للتدخل الأجنبي في اليمن، والساعي لإنشاء شراكة وطنية ودولة اتحادية، حسب أهدافه المعلنة. ويضم هذا المكون عدداً من المجموعات من عدة محافظات؛ مثل عدن وشبوة وأبين والمهرة، وعدداً من الأحزاب؛ مثل “المؤتمر” و”الإصلاح”.

اقرأ أيضاً: اليمن… ستون عاماً من البحث عن الدولة

العميد طارق محمد صالح، ابن شقيق الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، يقود هو الآخر المكتب السياسي للمقاومة الوطنية، المُنشأ مؤخراً. وهو يهدف إلى تقويض خطر الحوثيين، بالذات في مناطق ساحل الحديدة؛ حيث تقاتل قوات طارق الحوثيين. ويسعى الكيان الجديد لإنشاء علاقات قوية بالقوى الإقليمية والدولية واستعادة الجمهورية والحفاظ عليها.

 ملامح مشتركة

إلقاء نظرة سريعة على لغة خطاب هذه الكيانات المتعددة يعطينا فكرة عن بعض العوامل المشتركة بينها، والتي من أهمها السعي لإقامة يمن اتحادي يضم كل الأطياف والمجموعات المختلفة؛ بما في ذلك الحوثيون والجنوبيون، أي دولة قومية اتحادية، أو ربما جمهورية مُعاد صياغتها.

اقرأ أيضاً: هل يمكن أن يحل السلام في اليمن؟

العامل المشترك الآخر الأكثر بروزاً هو أن هذه الكيانات تضم شخصيات من عدة أحزاب ومناطق بعضها متباين بشدة، وحتى عدائي. كما أن بعض الشخصيات والأحزاب تُعتبر في نظر شريحة واسعة من السكان منبوذة وخائنة ومتطرفة، وهذا لا يعني بالطبع أن لها أنصاراً في نفس الوقت.

التناقضات الظاهرة بين اللاعبين الأساسيين في هذه التحركات هي ما يضفي الخطورة عليها؛ إذ إنها تعيد التأكيد من جديد على العلاقة النفعية، أو أسلوب العمل البراغماتي الذي ينتهجه حزب الإصلاح منذ تأسيسه لتحقيق وموازنة مصالحه القبلية والسياسية والفردية والفكرية. إن تقلب الولاءات هذا سمة طاغية في السياسة اليمنية بشكل عام، وقد يصبح الإسلامي اشتراكياً أو يصبح الجمهوري ملكياً في اليوم التالي بناء على الحوافز السياسية أو الاقتصادية الصحيحة.

يمكن تمييز أحد الشواهد الكثيرة على ذلك عند النظر إلى تاريخ حزب الإصلاح؛ حيث تمكن من التكيُّف عبر التحالف مع السلطة الحاكمة ولعب دور الحزب المعارض، كما امتلك بعض قادة الحزب، كعبدالله بن حسين الأحمر، وعلي محسن الأحمر، أدواراً وعلاقات وطيدة بحزب المؤتمر وعلي عبدالله صالح.

يُسخِّر حزب الإصلاح هذا التكتيك لمصلحته الخاصة ولخدمة هدف الإخوان المسلمين الأكبر في التوسع والانتشار من خلال المراهنة على قوة “الفكرة” أكثر من قوة “التنظيم” كمؤسسة، ما دامت الفكرة تحقق الهدف وتجذب الجمهور. لذلك فإن البراغماتية وتبديل الأقنعة وسيلة أساسية لطريقة عمل حزب الإصلاح، خصوصاً عندما يواجهون وضعاً وتحدياً يهدد بمنافع أقل؛ مما يجعلهم على استعداد لقبول “نصف الكوب الفارغ”، مثلما هي الحال حالياً في اليمن؛ حيث يسيطر الحوثيون على شمال البلاد، وحيث يمقت الجمهور في الجنوب المُحرر حزب الإصلاح.

هذه الملامح المشتركة، والسياسة المتقلبة والمضللة، تضع أمامنا المزيد من الأسباب لعدم اليقين بشأن مستقبل الصراع في اليمن؛ بل والشك في انتهائه في الأجل المنظور، فلقد ظل اليمن القومي الموحَّد يقاوم أسباب انهياره طيلة 24 سنة إلى أن سقط بشكل كامل بعد سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء وتمددهم شمالاً.

عواقب تجاهل التباينات

أدَّت سيطرة الحوثيين إلى اشتداد الافتقار إلى الإحساس بسلطة الدولة وغياب الاتفاق بشأن الشكل المناسب للعمل السياسي؛ مما تزايد معه التساؤل حول شرعية النظام، خصوصاً لدى الجنوبيين الذين يرغبون بشدة في الانفصال واستعادة دولتهم التي كانت موجودة قبل عام 1990.

الرئيس اليمني السابق علي صالح (وسط الصورة) خلال التوقيع على اتفاقية الوحدة اليمنية- أرشيف

تُعد قضية الحوثيين والجنوبيين أدلة دامغة على مدى صعوبة نجاة الدولة القومية، التي تضم مجموعات وطوائف مختلفة تاريخياً أو عقائدياً أو قبلياً أو طائفياً، وعندما تكون المصالح المحلية شديدة الانقسام وسيادة الدولة الداخلية مقيدة بشدة. لقد عانى اليمن منذ عام 1990 تفككاً واسع النطاق بين الدولة والمجتمع نتيجة هذه الاختلافات.

اقرأ أيضاً: كيف تؤثر الاختلافات الثقافية على أمن واستقرار اليمن؟

وعلى الرغم من أن النظام اليمني كان يُوصف بالهيمنة العسكرية؛ فإنه كابد الضعف الشديد خارج المدن الرئيسية، مثل صنعاء وعدن؛ حيث تبدأ بعدها سيطرة القبيلة وجماعات النفوذ والمصالح والهوية المختلفة، ولقد عنى كل ذلك بالفعل أن مصطلح “المصلحة الوطنية”، كما يجادل بعض علماء العلاقات الدولية، ليس سوى أداة بلاغية يستخدمها أولئك الذين يسعون إلى دعم سياسات خاصة أكثر من كونها سمة حقيقية وملموسة للوطن ككل، ويُخشى أن ما تقوم به التكتلات السياسية الجديدة اليوم هو مجرد تكرار رتيب لهذا المصطلح الزائف، وهو مصطلح يروج له أيضاً الإسلاميون، كقادة حزب الإصلاح والإخوان المسلمين، على اعتبار أنه خطوة أولى نحو دولة إسلامية عالمية واحدة.

لقد أصبح المشهد اليمني اليوم مزدحماً بالجهات المحلية والخارجية الفاعلة، ولا شك أن يؤثر ذلك على شكل التحالفات ومواءمة المصالح والسياسات بين المجموعات المتعددة، وحتى تلك المجموعات شديدة الاختلاف. لكن تجاهل المصالح السياسية المحلية والتشبث الأعمى بتكرار أخطاء الماضي من خلال المصطلحات الوطنية المضللة لن يؤدي إلا إلى خلق المزيد من الحوافر لصراعات مُستدامة مزعزعة لاستقرار المنطقة. إن ما يحتاج إليه اليمن اليوم هو إعادة التفكير الجاد وشديد الموضوعية في عدم تجانس وحدته ومجموعات الهوية المتنافسة.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة