الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

اليمن.. كيف نستفيد من تجارب الاستقرار لحل مشكلة الكهرباء؟

اليمن – منير بن وبر

تبلغ مشكلة العجز في تقديم الكهرباء في اليمن ذروتها، في منتصف كل عام تقريباً، وتستمر طوال أشهر الصيف؛ يونيو ويوليو وأغسطس؛ وذلك بسبب ارتفاع درجات الحرارة منذ أواخر الربيع وطوال فصل الصيف، بالذات في الجنوب والسواحل الغربية؛ حيث المناخ الحار.

تنقطع الكهرباء في بعض المناطق طوال اليوم تقريباً، وفي مناطق أخرى يصل الانقطاع إلى أكثر من 14 أو حتى 20 ساعة، يصبح هذا العجز لا يُطاق في المناطق الحارة؛ حيث قد تتجاوز الحرارة خمسين درجة مئوية. تؤدي هذه المشكلة المتكررة كل عام إلى خروج الآلاف، بالذات في المناطق الحارة، كعدن والمكلا، للاحتجاج في الشوارع والتعبير عن غضبهم الشديد ضد الحكومة المركزية المنفية في الخارج والسلطات المحلية العاجزة.

وعلى الرغمِ من كل ما يعانيه اليمن طوال العقود الثلاثة الماضية من فساد وسوء إدارة؛ فإن مُنحنى تنمية قطاع الكهرباء بقي في ارتفاع -غالباً- منذ عام 1990 إلى عام 2016، وكانت الزيادة في قدرة القطاع تزداد بنسب شبه ثابتة كل عام، بالإضافة إلى قفزات محدودة في بعض الأعوام.

اقرأ أيضاً: لماذا يحتاج اليمن إلى أكبر عملية إغاثة في العالم؟

تأثير السياسة والتنمية الشاملة

لطالما عُرِف قطاع الكهرباء في العالم النامي بأنه مُسيس إلى درجة كبيرة. وحسب تقرير للبنك الدولي، فإن مرافق الكهرباء في هذه الدول هي محور طبيعي لسياسة المحسوبية، كما أن تكلفة ونوعية الإمدادات بها يمكن أن تصبح قضية انتخابية يمكنها إثارة الاضطرابات العامة، وحتى الإطاحة بالحكومات.

يمكن ملاحظة تأثير السياسة على قطاع الكهرباء في اليمن من خلال إلقاء نظرة على مُنحنى تطور هذا القطاع؛ ففي عام 1992 قفزت نسبة الحاصلين على الخدمة في البلاد إلى 44% من إجمالي السكان، بعد أن كانت 37% في عام 1990، وجاءت هذه الزيادة قُبيل الانتخابات البرلمانية التي جرت في عام 1993، والتي تنافس فيها أكثر من عشرة أحزاب سياسية، بالإضافة إلى المرشحين المستقلين.

استمر التحسُّن في خدمة الكهرباء منذ 1993 بنسبٍ أقل؛ لكن شبه ثابتة تراوحت بين 3 و2% إلى عام 2006 الذي جرت فيه الانتخابات الرئاسية، حيث قفزت نسبة الزيادة فيه إلى 6%، وبلغ إجمالي المستفيدين من الخدمة 56% من إجمالي السكان بعد أن كانت 50% في عام 2004.

اقرأ أيضاً: اليمن.. كيف سيؤثر إعلان الإدارة الذاتية في الجنوب على مستقبل البلاد؟

ولكن التحسن في خدمات الكهرباء بلغ ذروته في عام 2010؛ حيث وصلت نسبة المستفيدين من الخدمة إلى 74% من إجمالي السكان، بعد أن كانت 60% في عام 2008، ويُعزى ذلك جزئياً إلى خطة التنمية الشاملة التي انتهجتها الدولة؛ استعداداً لاستضافة كأس الخليج العربي لكرة القدم 2010، أو ما اشتهر حينها بـ”خليجي عشرين”.

وبالإضافة إلى تأثيرات “خليجي عشرين”، أسهمت آمال الانتعاش الاقتصادي على ما يبدو أيضاً في التحسن الملحوظ في الخدمة؛ وذلك بعد تدشين الإنتاج في مشروع (بلحاف) لإنتاج الغاز المسال في محافظة شبوة في عام 2009. يُعد مشروع (بلحاف) الأكبر في تاريخ اليمن؛ حيث زادت ميزانيته على 4 مليارات دولار، ورُجحت إيراداته المقدرة على مدى عشرين عاماً بين 30 و50 مليار دولار.

الأزمة والفساد

تؤدي الأزمة في البلاد دوراً مباشراً في تأخر وصول شحنات الوقود، وأحياناً حتى عدم القدرة على دفع تكاليفها، حسب تصريحات المسؤولين. على سبيل المثال، تستورد حضرموت كميات من الوقود من مصفاة عدن، ولطالما تعرضت هذه الشحنات إلى التأخير، وبالتالي تردّي خدمة الكهرباء.

التوقيع على منحة بـ60 مليون دولار شهرياً دعماً سعودياً لتشغيل الكهرباء في اليمن عام 2018- “ديبريفر”

لا توجد أسباب معلنة واضحة عن سبب تلك المشكلة؛ لكن لطالما عرفت مصفاة عدن كأحد أكبر مصادر الفساد في البلاد منذ ما قبل الأزمة، فوفقاً لوثيقة مسربة من السفارة الأمريكية في صنعاء، فإن وزارة النفط اليمنية كانت تحجب بيانات مصفاة عدن عن البرلمان؛ لتغطية أنشطة غير مشروعة، تشمل تلك الأنشطة تهريب المشتقات النفطية إلى الدول المجاورة؛ ومن بينها الصومال.

اقرأ أيضاً: الاقتصاد اليمني بين عجز الحكومة وطغيان المتمردين

حالات فساد مشابهة عُرفت في مرافق إنتاج النفط والغاز في مأرب أيضاً؛ وهي مصدر آخر للوقود، من بينه غاز الطبخ. كما أشار تقرير للأمم المتحدة في 2018 إلى المزيد من حالات الفساد في ملف توليد الكهرباء في عدن ولحج وأبين.

وبالإضافة إلى حالات الفساد المحتملة، فقد تسبب الصراع في اليمن في الإضرار بما يقرب من 55% من مرافق قطاع الطاقة في البلاد؛ بما في ذلك خطوط نقل الكهرباء ومحطات الطاقة، وقد تعرَّض 8% منها إلى دمار كامل، حسب بعض الدراسات. وبطبيعة الحال، يمثل هذا تحديًا للدولة على المستوى الوطني والمحلي؛ نظراً لارتفاع تكلفة إنشاء وصيانة مثل هذه المرافق، واستمرار الاضطرابات التي يمكن أن تعيد تدمير ما يتم إصلاحه في بعض المناطق.

الاستجابة للمشكلة

كمقارنة بين اليمن ودول أخرى تعاني عجزاً في قطاع الكهرباء نرى أن نسبة عدد السكان الذين كانوا يحصلون على الخدمة في كينيا -مثلاً- كانت 19% فقط في عام 2010، مقارنة بـ74% في اليمن بنفس العام. لكن الوضع في كينيا أخذ في التحسن منذ ذلك الحين، حتى وصلت نسبة الحاصلين على خدمة الكهرباء في عام 2018 إلى 75%؛ بينما أخذ الوضع في التدهور في اليمن.

ووفقاً لتقرير حديث صادر عن عدة وكالات دولية؛ بينها وكالة الطاقة الدولية، فإنه من البلدان العشرين التي سجَّلت أكبر نسب من العجز في الكهرباء، أظهر بعض الدول؛ مثل كينيا، تحقيق أكبر تحسُّن، ويُعزى ذلك، حسب التقرير، في جانب كبير منه إلى اتباع نهج شامل يجمع بين توليد الكهرباء من الشبكة العامة، والشبكات المصغَّرة، والطاقة الشمسية من خارج الشبكة العامة.

اقرأ أيضاً: اليمن.. الصراع يدفع إلى انتشار الطاقة الشمسية

من الممكن أن يؤدي تبني نهج شامل مماثل إلى حل مشكلة الكهرباء في اليمن، وهناك بالفعل مبادرات مجتمعية وتجارية وخارجية وأخرى تتبناها السلطات المحلية في هذا الاتجاه؛ لكن إنهاء الصراع في اليمن، والعودة إلى الحياة السياسية الطبيعية على الأقل في المناطق المحررة، واستكمال خطط التنمية الشاملة، تبقى الحل الأمثل للمشكلة، كما سيؤدي تبني مبادئ الشفافية الكاملة والمحاسبة والرقابة ومكافحة الفساد إلى تسريع التنمية وتحقيق نتائج ملموسة خلال فترة وجيزة.      

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة