الواجهة الرئيسيةشؤون عربيةمقالات

اليمن.. كيف سيؤثر إعلان الإدارة الذاتية في الجنوب على مستقبل البلاد؟

اليمن – منير بن وبر

يأتي إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي إدارته الذاتية لجنوب اليمن، في وقت تشهد فيه العاصمة المؤقتة عدن كارثة سيول، بينما تشهد المحافظات الشمالية توسعاً محموماً للمتمردين الحوثيين، فضلاً عن تزايد حالات الإصابة بالكوليرا والتهديد بدخول فيروس كورونا الذي قد يبيد مئات الآلاف في حالة تفشِّيه.

ويأتي كل هذه الأحداث بعد أن منح المجلس الانتقالي الجنوبي، من خلال اتفاق الرياض، الحكومةَ الشرعية فرصة لإدارة البلاد بطريقة تشاركية فعالة؛ كان من شأنها أن تخفف من وطأة آثار الحرب المدمرة، وتهيئ لمرحلة قادمة يُتفق فيها على مصير اليمن بطريقة أكثر هدوءاً.

اقرأ أيضًا: سيناريوهات تشكيل قيادة مشتركة بين “إخوان اليمن” وتركيا ضد تحالف دعم الشرعية في طور التبلور ما لم تجد ما يردعها

وعلى الرغم من جرأة الخطوة التي قام بها المجلس الانتقالي وما تفرضه من تحدٍّ في الأزمة اليمنية شديدة التعقيد بالفعل؛ فإنها لا تزال تتمتع بمرونة كافية للمناورة، حيث لم يُعلن المجلس الانتقالي استقلال الجنوب واستعادة الدولة، وهو المطلب الذي دأب عليه منذ تأسيسه، وحتى ما قبل اتفاق الرياض، وبالتالي لا تعني الإدارة الذاتية للجنوب سوى التعجيل بنظام حكم جديد يكون فيه جنوب اليمن إقليماً ضمن الدولة اليمنية أو -على الأقل- العودة إلى ما يشبه مخرجات الحوار الوطني مع فرض تعديلات على خطة الأقاليم الفيدرالية الستة.

مواطن يمني يضع كمامة على وجهه – رويترز

أقاليم وفيدرالية

سبق أن اتفق اليمنيون، قُبيل الانقلاب الحوثي، على نظام فيدرالي من ستة أقاليم؛ هي آزال والجُند وتهامة وحضرموت وسبأ وعدن، لكنَّ الحوثيين اعترضوا على هذا التوافق بحجة أنه يقسم اليمن إلى “أغنياء وفقراء“؛ وذلك رغبةً منهم في ضم محافظتي حجة والجوف إلى إقليمهم الذي أُطلق عليه إقليم “آزال”. اعترضت بعض القوى الجنوبية على التقسيم أيضاً، وفضَّلت دولة من إقليمين: شمال وجنوب.

اقرأ أيضًا: “الإصلاح الإخواني” بوابة أردوغان للتدخل العسكري في اليمن

توسُّع الحوثي المثير للجدل إلى محافظة الجوف يشير إلى توجهه نحو فرض تحقيق طموحه بحده الأدنى؛ بحيث لا يكون هناك أغنياء وفقراء، حسب تعبيرهم، وذلك قُبيل التوصل إلى تسوية سياسية للصراع في اليمن، ويبدو أن المجلس الانتقالي يسعى إلى فرض قسمة عادلة أيضاً؛ وذلك بعد أن أضاعت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً الكثير من الفرص في التوصل إلى حلول ناجعة، أو تبني استراتيجيات مكافحة تمرد فعالة ضد الحوثيين، والتي يُفترض أن تشمل تقليل الدعم الملموس وغير الملموس للمتمردين، بالإضافة إلى تحسين الخدمات الأساسية في المناطق المحررة وغير المحررة؛ لهذا يمكن القول إن خطوات المجلس الانتقالي التصعيدية ليست سوى نتيجة طبيعية لفشل الحكومة وتخاذلها.

وعلى الرغم من أن إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي للإدارة الذاتية في الجنوب يحظى بشعبية في أوساط الجماهير هناك؛ فإن الأمر ليس كذلك لدى بعض النُّخب ورؤساء المحافظات في حضرموت والمهرة وشبوة ممن رفضوا الخطوة.

الأوضاع في اليمن تزداد سوءًا – المصدر: BBC

التحالف العربي بدوره رفض تحركات “الانتقالي” أيضاً ووصفها بـ”المستغربة”، ودعا إلى العودة السريعة إلى اتفاق الرياض، وبطبيعة الحال ربما يلتزم “الانتقالي” بضبط النفس؛ لكن ذلك لا يعني بالضروة العودة إلى اتفاق الرياض، فاليمن أصبح في حاجة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى إلى إيجاد حل سياسي شامل وفعال يشمل جميع الأطراف؛ بما في ذلك الحوثيون.

اقرأ أيضًا: تناقضات علي محسن الأحمر تضع أزمة اليمن على المحك

نزعة الاستقلال

في الواقع، لا يطالب الحوثيون والقوى الجنوبية بتلبية المظالم التي لحقت بهم لعقود، بقدر ما يسعون إلى استعادة أدوار تاريخية في الاستقلال والحكم الذاتي لمناطقهم. لدى اليمنيين عموماً نزعة شديدة إلى الاستقلالية؛ ففي شمال اليمن حكم الأئمة الزيدية، وهم أسلاف الحوثيين لقرون من الزمن، بتأييد من قبائل الشمال؛ بالذات قبائل حاشد، كبرى قبائل اليمن، ومع ذلك كانت العلاقة بين “حاشد” والأئمة علاقة أنصار لا رعايا، وعندما يحاول أحدُ الأئمة تجاهل هذه القاعدة ينشأ الصراع بين القبائل والأئمة، كما حدث في حرب شمال اليمن الأهلية في عام 1962م.

اقرأ أيضًا: العلاقات التركية مع حزب الإصلاح اليمني.. قضايا يجب أن تحظى بالاهتمام

الاستقلالية بين الجماعات الجنوبية المختلفة هي حقيقة مهمة أيضاً؛ فقد تكوَّن جنوب اليمن من عدة دويلات صغيرة، ولم تُفرض وحدته في كيان واحد سوى في نهاية الستينيات. عدم تأييد السلطات المحلية في حضرموت اليوم لإعلان المجلس الانتقالي يذكرنا برفض سلطان حضرموت الانضمام إلى اتحاد الجنوب العربي في منتصف الستينيات.

يبدو أن إعلان المجلس الانتقالي، وردود أفعال السلطات المحلية في الجنوب، سيمنحان المراقبين والمُتطلعين إلى إيجاد تسوية سياسية في اليمن، الفرصةَ لمعرفة الشكل الملائم للدولة اليمنية المستقبلية بناءً على الواقع؛ وهو في الحقيقة واقع له جذور تاريخية عميقة، وخلاصته هي منح القوى مناطق نفوذها التاريخية في إطار دولة فيدرالية أو اتحاد كونفيدرالي.

اقرأ أيضًا: سياسيون جنوبيون لـ”كيوبوست”: إعلان المجلس الانتقالي خطوة مدعومة شعبياً

لا يمكن بأية حال من الأحوال الافتراض بأن الاتحادات الاندماجية وحدها يمكن أن تجلب الرخاء لشعوبها؛ فالاستقلالية يمكنها أيضاً فعل ذلك عندما تكون الوحدة سبباً للخراب. 

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة