الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

اليمن في كتابات الغربيين (3-3)

(الحلقة الثالثة) حياة الحكام والمجتمع

كيوبوست- منير بن وبر

استطاع قلة من المغامرين والتواقين إلى المعرفة واكتشاف المجهول، القدوم إلى اليمن وجنوب الجزيرة العربية عندما كانت هذه المناطق تحت سيطرة حكومات مختلفة خلال القرن الماضي، كما حظي قليل منهم بزيارة اليمن حتى قبل القرن العشرين. وقد كانت انطباعات أولئك الأجانب مختلفة باختلاف أنظمة الحكم والثقافات والتاريخ الذي تزخر به هذه المناطق، وغالباً ما تم التعبير عن هذه الانطباعات بصراحة ودقة، وفي بعض الأحيان بطريقة قصصية متعمدة -على ما يبدو- للفت أنظار قراء أدب الرحلات.

عادة ما يلتقي أولئك الرحالة والزوار بالحكام والسلاطين ورجال الدولة خلال رحلتهم أو فترة عملهم، وقد أتاحت لهم هذه الفرص التعرف عن كثب على طريقة حكم البلاد وطبائع الحكام، ولكن الانطباعات لم تكن إيجابية على الدوام؛ ففي كتاب “من كوبنهاجن إلى صنعاء” الذي يسرد قصة بعثة أوروبية إلى اليمن، بين عامَي 1761- 1767م، رُوي كيف عانت البعثة جشع وعرقلة حاكم تعز، والذي يرفض حتى الأوامر العليا الصادرة عن الإمام في صنعاء؛ بسبب رغبته في الحصول على المال من البعثة. وقد لجأت البعثة أخيراً إلى قاضي المدينة العادل الذي أرسل إلى الحاكم رسالة توبيخ، قال فيها: “لا تكن جشعاً مع هؤلاء الأجانب، فهم ضيوفنا”.[1]

اقرأ أيضاً: 120 عاماً من الصراع في اليمن (1-10)

في كتاب “اليمن، الثورة والحرب”، يقول البريطاني إدجار أوبالانس: “زُرت اليمن للمرة الأولى عام 1948؛ حيث كان يحكمها خلال تلك الأيام طغيان بربري من جانب الإمام أحمد”، ويواصل قوله: “من بين كل البلدان التي سافرت إليها لم أخرج بذلك الانطباع الذي خرجت به من خلال زيارتي إلى اليمن، وهو الرجوع القهقري إلى فترة العصور الوسطى”.[2] وفي كتابَي “كنت طبيبة في اليمن” و”سنوات في اليمن وحضرموت” لكل مِن كلودي فايان وإيفا هوك، يمكن بوضوح ملاحظة الانطباعات السلبية عن حكم الإمامة في اليمن، أو ما يُعرف بشمال اليمن، وحياة العائلة الحاكمة والرعية؛ مثل التدخل المفرط حتى في أصغر الأمور من قِبل الملك، أو ما يُعرف بالإمام، وحالة البؤس والمرض والفقر الذي ينتشر بالبلاد.

باب اليمن صنعاء- وسائل التواصل الاجتماعي

وبالإضافة إلى الطبقة الحاكمة، أبدى الأجانب الذين كتبوا عن اليمن اهتماماً تجاه الطبقات الاجتماعية، وسهولة ملاحظة الفرق بين الطبقات المختلفة وطريقة تعاملها بعضها مع بعض. تقول كلودي فايان “الشيء الثابت في الثياب اليمنية والطابع المميز هو الجنبية، وهو الخنجر المعقوف الذي يثبت في حزام من الجلد.. ويكفي أن تلقي نظرة على خصر محدثك لتعرف إذا كان من آل البيت أو كان غنياً وأين وُلد”.[3] ويشير كتاب “حضرموت.. إزاحة النقاب عن بعض غموضها” إلى أن السيد، والمقصود به أولئك الذين ينحدرون من نسل النبي، صلى الله عليه وسلم، “يُمنح مكان الشرف في الحياة اليومية؛ فهو يؤم الناس في الصلاة، ويتأكد من القيام بها. ويحيونه بتقبيل يده، وحتى السلاطين لا يمكنهم تجنب ذلك، على الأقل في الظاهر”.[4]

اقرأ أيضاً: أثر البيئة الإسلامية والتصوف في شعراء حضرموت

عبَّر الرحالة عن اندهاشهم بتواضع الحياة التي تخلو تقريباً -في بعض الأماكن- من التعقيدات الطبقية رغم وجود هذه الطبقات في المجتمع. وحول هذا الإعجاب يقول ميولين وفيسمان عن تجربتهما في حضرموت: “الحياة هنا ديمقراطية؛ ففي غرفة الاستقبال المحشوة بالناس، يجلس العبيد والخدم والأطفال وصاحب الدار معاً ويشربون من نفس الإناء، ويعبون لأنفسهم القهوة”، كما يعطي الكاتبان نفس الوصف لبدو حضرموت بقولهم “البدو هنا ديمقراطيون إلى حد بعيد”. [5]

وتصف دورين إنجرامز في كتاب “أيامي في الجزيرة العربية” رحلتها على الحمير مع “السادة” من مدينة المكلا الساحلية إلى وادي حضرموت، وتتحدث عن كرم أحد شيوخ القرى التي مروا بها، وعن بساطة “كل شيء” و”نغمات المزمار” الشجية والمسلية، وقد وصفت مرافقَيها بالقول “كانت مرافقتي لهذين الرجلَين في السفر تجربة ممتعة بالنسبة إليَّ؛ إذ أحسست أنني أعيش معهما حياة المنطقة باعتباري جزءاً منها ولست أجنبية في بلاد غريبة عنِّي”، وعن استرجاعها ذكريات تلك الرحلة لاحقاً تقول إنجرامز “عندما أتذكر الآن تلك الأيام أستغرب كيف أنه لم يخالجني قط أدنى شعور بالخوف وأنا وحدي معهما، مع أنني أتردد في عبور زقاق خالٍ في إنجلترا”.[6]

ملجأ حجري وأمامه الحمير.. حيث قضت إنجرامز إحدى لياليها في رحلتها- من كتاب “أيامي في الجزيرة العربية”

على الرغم من الحياة البسيطة والأوضاع المتدهورة في الوقت الذي زار فيه بعض الرحالة والموظفين الأجانب اليمن وجنوب الجزيرة العربية قبل ثورتَي الستينيات من القرن الماضي؛ فإن انطباعهم عن الحياة العائلية والترابط بين أفراد المجتمع والحفاوة البالغة كانت لافتةً لنظرهم؛ فحول الحياة العائلية في صنعاء، تقول كلودي فايان “أطفال الأسرة الواحدة متحدون متضامنون، والكبار منهم يشرفون على الصغار وعلى أخواتهم وسلطتهم لا تُنازع. وكثيراً ما كنت أتبين، وأنا مندهشة مستغربة، أن إخوة متحدين هم في الواقع من أمهات مختلفات”.[7]

اقرأ أيضاً: دار المصطفى.. قصة منبر إسلامي معتدل من حضرموت

ويقول كل من ميلوين وفيسمان حول كرم سكان حضرموت “لعله من المناسب أن نتقدم بالعرفان لحفاوة العرب؛ فمَن مِن الغربيين كان سيخفي امتعاضه إذا توقف حفل زواجه بمجيء قافلة من الناس المرهقين الجوعى؟ ومَن منا كان سيفتح كل داره فوراً للمسافرين (أبناء الطريق)، ويقوم بنفسه بإحضار الماء لإطفاء ظمئهم، ويعد لهم في الحال الطعام الذي يقيم أودهم؟”.[8]

لم تكن زيارات الكثير من الأجانب إلى اليمن وجنوب الجزيرة العربية لأغراض الاستكشاف المحض والمغامرة؛ بل كان لدى بعض منهم استعداد لمساعدة أهالي هذه البلاد، أو تكليف من حكومته للمساعدة والدراسة؛ فإحدى المهمات الأساسية -مثلاً- للبعثة الأوروبية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر كانت دراسة النباتات في “العربية السعيدة”، والطبيبة الأوروبية، إيفا هوك، قدمت إلى حضرموت في النصف الثاني من القرن العشرين بدعوة من بريطانيا لرفع المستوى الصحي في حضرموت، كما عملت دورين إنجرامز وزوجها على تقدم العديد من الخدمات للسلطات في عدن وحضرموت؛ منها خدمات الاستشارة ودعم الصحة والتعليم، وكان أحد أبرز إنجازاتهما صلح “إنجرامز” الشهير الذي وضع أُسساً للسلام بين القبائل المتنازعة في حضرموت.

اقرأ أيضاً: المرأة في جنوب الجزيرة العربية (1-3)

تُعد كتابات الأجانب عن اليمن وحضرموت وعدن وغيرها من البلاد الواقعة في جنوب وجنوب غرب الجزيرة العربية مصدراً مهماً وموضوعياً ودقيقاً لمعرفة الكثير عن حياة هذه البلاد في حقبة بعيدة نسبياً، وعلى الرغم من بعض الانطباعات السلبية التي عبروا عنها بصراحة؛ فإن الجوانب الإيجابية كانت لها مساحة كبيرة في كتاباتهم، كما كانت لهم إسهامات في تطوير البلاد واكتشاف آثارها وتاريخها العريق. واليوم، لا يُعد اليمن، الذي أصبح موحداً منذ عام 1990م، في أحسن أحواله؛ لكنَّ اليمنيين لا يزالون يتطلعون بشوق إلى تلك الأيام التي كانت تدب فيها الحياة، ويتجول السياح والرحالة في أزقة المدن الساحرة كصنعاء وشبام والهجرين، وعلى جبال وشواطئ جزيرة سقطرى، ويعطي السكان أفضل ما لديهم من حسن ضيافة وود تُخلده كتابات الأجانب على مر العصور.

المراجع:

[1] كنت طبيبة في اليمن، مرجع سابق. ص 100

[2] حضرموت، إزاحة النقاب عن بعض غموضها، مرجع سابق. ص 101.

[3] كنت طبيبة في اليمن، كلودي فايان. ص 18.

[4] حضرموت، إزاحة النقاب عن بعض غموضها، دانيال فان در ميولين و هـ. فون فيسمان.

[5] المرجع السابق، ص 101 و 67.

[6] أيامي في الجزيرة العربية، دورين إنجرامز، من ص 77 – 91.

[7] من كوبنهاجن إلى صنعاء، توركيل هانسن. ص 262.

[8] اليمن، الثورة والحرب، إدجار أو بالاس. ص 29.

الحلقات السابقة:

لقراءة الحلقة الأولى: اليمن في كتابات الغربيين (1-3)

لقراءة الحلقة الثانية: اليمن في كتابات الغربيين (2-3)

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة