الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

اليمن في كتابات الغربيين (1-3)

(الحلقة الأولى) بلاد البخور الساحرة

كيوبوست- منير بن وبر

لطالما كان لقب “العربية السعيدة” مصدر فخر واعتزاز لسكان جنوب الجزيرة العربية عبر التاريخ، واسماً فاتناً للرحالة والمستكشفين والمغامرين، ولطالما كان هذا الاسم أول ما يُعرّف به المُبتعثون إلى اليمن وحضرموت وعدن من دبلوماسيين وموظفين أجانب في مختلف المجالات؛ ولعل من بين أكثر ما يضيف الجاذبية على هذا اللقب هو أن هذا الجزء من العالم بقي غامضاً لمئات السنين، ويا لسحر الغموض.

كانت تسمية “العربية السعيدة”، الآتية من اللغة اليونانية، لها ما يبررها؛ حيث تتمتع مناطق جنوب وجنوب غرب شبه الجزيرة العربية بمناخ يختلف عن المناخ الصحراوي في وسط وشمال، وشمال غرب شبه الجزيرة العربية. كان للمناخ اللطيف والأرض الخصبة والموقع الاستراتيجي دور أساسي في ازدهار هذا الركن من العالم؛ والذي ارتبط اسمه ببعض أهم المنتجات كاللبان والقهوة، وارتبط ببعض أشهر القصص والأساطير كقصة ملكة سبأ، بلقيس، وإرم ذات العِماد، وبلاد الأحقاف، فكان كل ذلك دافعاً لزيارة جنوب الجزيرة العربية والكتابة عنها، ووصف أحوالها وآثارها وثقافة أهلها، وترك بصمة عليها، والخروج بانطباعات عنها.

اقرأ أيضاً: الحَوطة.. سبيل أجداد الحضارمة لتحقيق السلام

في كتاب “البوابات الجنوبية لجزيرة العرب”، يبدو واضحاً تأثير ما قِيل عن “طريق البخور” على قرار الرحالة البريطانية فريا ستارك، لخوض مغامرة في عدن وحضرموت وشبوة في الثلاثينيات من القرن العشرين؛ سعياً منها لاستكشاف عاصمة مملكة حضرموت القديمة، شبوة، التي كانت محطة مهمة لقوافل البخور، التي تُنقل بضائعها لاحقاً عبر ميناء قنا المطل على بحر العرب. بدأت فريا ستارك مقدمة كتابها بما ورد في كتاب “الطواف حول البحر الأريتري” لربان يوناني مجهول من القرن الأول الميلادي، والذي تحدث عن البحَّارة والتجار والمرافئ التي يمر بها.

وقد تحدث كتاب “الطواف حول البحر الإريتري” عما يعترضهم من مخاطر طوال الطريق، وما شاهدوه من ثروات الأمم، ووصف ميناء المخا اليمني بأنه مزدحم بمالكلي السفن العرب والملاحين والمشتغلين بشؤون التجارة، كما ذكر عدن، مكان التقاء الشرق بالغرب، ومدينة قنا حيث الميناء، والتي يمتد منها نحو الداخل شبوة، حيث يقطن الملك. وقد كان التجار هناك يتاجرون باللبان الذي يُحرق للحصول على البخور المستخدم في المناسبات الدينية في حضارات العالم القديم، كما تُضاف إلى البخور بضائع أخرى كاللؤلؤ، والحرير المجلوب من الصين، والألماس من الهند، والذهب والتمر من الخليج العربي.

إنتاج البخور من اللبان- كوسي أول

وقد نما على طول الطريق التجاري هذا في جنوب الجزيرة العربية حضارات مثل المعينيّة والسبئية والقتبانية وحضرموت وحِمير. فكان ذلك الازدهار ملهماً للرحالة فريا ستارك، التي ذكرت في كتابها أن مفتاح التجارة لتلك الحضارات القديمة كان يقع في ممرات حضرموت الضيقة؛ حيث أشجار اللبان وميناء قنا، فانطلقت في مغامرة شيقة لزيارة الساحل العربي والمكلا ودوعن وشبام وسيئون وتريم.. وغيرها من المناطق.[1]

غلاف كتاب “الطواف حول البحر الإريتري”

وقبل فريا ستارك بقرون، ألهم جنوب الجزيرة العربية والحضارات التي ازدهرت على طريق الحرير واللبان، العديدَ من الرحالة والعلماء، ومن بين أشهر الرحلات: البعثة الأوروبية التي قام بها خمسة أفراد انطلقوا من الدنمارك إلى اليمن في النصف الثاني من القرن الثامن عشر بأمر من ملك الدنمارك. وقد سُردت مغامرة أولئك العلماء في كتاب “من كوبنهاجن إلى صنعاء”. وصحيح أن القصة انتهت بشكل مأساوي؛ حيث واجهوا خلال رحلتهم المرض وجشع الحكام والموت الذي لم يبقِ منهم سوى عالم واحد فقط، إلا أن البعثة، التي كانت الأولى التي ترسلها حكومة ما إلى شبه الجزيرة العربية، كانت دليلاً على مدى جاذبية جنوب الجزيرة العربية للعلماء والمكتشفين والباحثين عن المجد؛ ويمكن ملاحظة تلك الجاذبية في وصف بداية انطلاق الرحلة إلى “أرض المعجزات؛ حيث اللبان والمر العلاجي والبلسم، إلى جنة الله على الأرض، التي حلم الإسكندر الشاب بغزوها، والتي منذ الأزل أُطلق عليها “العربية السعيدة”. [2]

اقرأ أيضاً: تريم وزبيد.. مدينتان روحيتان تضربان عميقاً في التاريخ الإسلامي

إن وصف منطقة ما في الجزيرة العربية بأنها “جنة الله على الأرض” مثير للدهشة؛ لأنه وصف يتناقض مع صورة هذه المنطقة الصحراوية القاحلة، وتزداد دهشة المرء عندما يعلم أن إحدى أقدم الحضارات كانت قد ازدهرت في جنوب هذه الأرض القاسية. في كتابهما “حضرموت.. إزاحة النقاب عن بعض غموضها” يصف ميولين وفيسمان وادي حضرموت بأنه “كان بحق جنة الله على الأرض؛ وذلك بسبب النظام المتطور جداً للخزانات وقنوات الري”، كما يصف الجزيرة العربية عموماً بأنها “بلاد عظيمة، عظيمة في اتساعها وعظيمة في تاريخها”.[3] 

شجرة لبان في عمان- بريتانيكا

وحول وصف ما أحدثته الزراعة وشجرة اللبان من ازدهار في جنوب الجزيرة العربية يقول ويندل فيلبس، مؤلف كتاب “كنوز مدينة بلقيس”: إن حضارات العالم القديم كانت تستخدم “اللبان والصمغ والتوابل في التحنيط والتبخير وفي صناعة العقاقير. كما أنها تُحرق في المآتم والأفراح وغير ذلك من الاحتفالات، بالإضافة إلى ما يُحرق يومياً في كثير من البيوت. وعلى أية حال، فقد كانت الطقوس الدينية تستهلك أكبر كميات من البخور أو غيرها، وكان المسك مقدساً. أما البلد الذي يصدِّر هذا النوع من البخور، وهو جنوب شبه الجزيرة العربية، فقد أُحيط بهالة عظيمة من القداسة؛ وذلك لأنه يزود العالم القديم بأكثر منتجاته قدسية: ألا وهو البخور.. وطوال ألف سنة، وربما أكثر من ذلك بكثير، ظل جنوب شبه الجزيرة العربية مزدهراً فوق ما يتصور العقل”.[4]

اقرأ أيضاً: اكتشاف أدوات حجرية عمرها 8000 عام في جنوب اليمن

وإن كان اللبان هو ما منح حضارات جنوب الجزيرة العربية مكانة عالمية في غابر الأزمان؛ فإن البُن -كما يسميه اليمنيون- أو القهوة، هو ما منح هذا الجزء من العالم شهرة واسعة لاحقاً؛ لم تكن القهوة مشروباً شائعاً في الفترة المبكرة من القرون الوسطى، ولم يشربها سوى العرب والفرس، وكانت تُزرع في إثيوبيا والصومال، قبل أن تنتقل إلى اليمن لاحقاً ومنها إلى جميع أقطار العالم، وقد أصبحت القهوة شراباً وطنياً تركياً في القرن السادس عشر، وانتشرت على نطاق واسع في أوروبا منذ القرن السابع عشر.

حبوب ومشروب القهوة- “جيتي إمجس”

الدبلوماسي السوفييتي الدكتور أوليغ بيريسيبكين، كتب الكثير من التفاصيل حول القهوة في اليمن؛ إذ عمل بيريسيبكين لعدة سنوات في اليمن، ولم ينسَ أن تاريخ البن والاتجار في القهوة اليمنية هو من الأمور المهمة التي يجب الاطلاع عليها، فزار مناطق زراعتها وتحدث بإعجاب عنها في كتابه “اليمن واليمنيون في ذكريات دبلوماسي روسي”.

وكان ما أورده ونقله بيريسيبكين عن البن يعطي المزيد من التأكيدات المستمرة على جدارة جنوب الجزيرة العربية بلقب “العربية السعيدة” كما يُنظر إليها تاريخياً؛ إذ ينقل بيريسيبكين عن عالم النباتات في جامعة المدينة الإيطالية بادوي، البروفيسور البيني، وصفه حديقة أحد الأتراك -في القرن السادس عشر-  قائلاً: “رأيت شجرة تعطي ثماراً هي حبوب البن، ويحضر منها العرب والمصريون شراباً يستهلك بدلاً من النبيذ ويُباع علناً في المطاعم الصغيرة كما يُباع النبيذ عندنا، ويُسمى هذا المشروب (القهوة) وتنقل هذه الحبوب من (بلاد العربية السعيدة)”.[5]

إن سحر الثراء والغموض والشجاعة التي أحاطت بمنطقة جنوب الجزيرة العربية كانت ملهماً ودافعاً للعديد من الغربيين لاكتشاف هذه المنطقة، ولقد كان البخور وطريق التجارة وأسرار الملاحة والبن والأساطير والقصص الدينية هي ما سعى أولئك المغامرون لاكتشافه، وخلال رحلاتهم تلك تسنَّى لهم الاقتراب من سكان هذه البلاد، ومعرفة طبائعهم وعاداتهم وتقاليدهم، وخرجوا منها بكتابات تتحدث عن انطباعاتهم، كما حظي السكان المحليون ببعض المنافع المهمة من خبرات أولئك الزائرين. 

المراجع:

[1] اليمن واليمنيون في ذكريات دبلوماسي روسي، د. أوليغ بيريسيبكين. ص84

[2] كنوز مدينة بلقيس، ويندل فيلبس، ص 7 – 8.

[3] من كوبنهاجن إلى صنعاء، توركيل هانسن، ص 23.

[4] حضرموت، إزاحة النقاب عن بعض غموضها، دانيال فان در ميولين و هـ. فون فيسمان  ص 19 – 21.

[5] البوابات الجنوبية للجزيرة العربية، فريا ستارك. ص 37 – 43.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة