الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

اليمن في قلب أزمة غذاء عالمية.. هل من سبيل للنجاة؟

كيوبوست- منير بن وبر

أعلن برنامج الغذاء العالمي، مؤخراً، اتخاذ ما سماها “قرارات صعبة” بخصوص المساعدات التي يقدمها إلى المستفيدين في اليمن. وقال البرنامج في إشعار لوسائل الإعلام، نُشر عبر صفحته على “فيسبوك”، إن البرنامج يجد نفسه مضطراً إلى تقليص المساعدات التي يقدمها للأشخاص الأكثر احتياجاً في البلاد. 

يصل حجم التقليص المعلن إلى ما دون الخمسين في المئة من الاحتياجات اليومية لخمسة ملايين شخص من الأشد احتياجاً. ونحو خمسة وعشرين في المئة من احتياجات ثمانية ملايين شخص آخرين. كما سيتم إيقاف أنشطة تعزيز القدرة على الصمود وسُبل كسب العيش والبرامج التغذوية وأنشطة التغذية المدرسية لبضعة ملايين أخرى.

اقرأ أيضاً: الطفولة في اليمن تئن تحت وطأة الحوثي

سبب التقليصات المعلنة -حسب البرنامج- هو نقص التمويل وتداعيات الحرب في أوكرانيا والتضخم العالمي. وهذا يعني أن الأزمة اليمنية التي تستمر منذ سنوات قد أُضيف إلى أسبابها المحلية أسباب عالمية لا تقوى على مواجهتها. تستمر أسعار الغذاء العالمية في الارتفاع منذ عام 1990 تقريباً، ومن غير المرجح أن تنخفض بمعدل معتدل في أي وقت قريب، ربما حتى مع التدابير التي تفرضها الحكومات المستقرة. 

أدت الظروف المناخية الأكثر قسوة كذلك؛ مثل الجفاف أو الفيضانات، دورها المأساوي في استمرار عواقب وخيمة بشكل متزايد على الفقراء في جميع أنحاء العالم. أما في الدول التي تشهد صراعاً، مثل اليمن، فقد أصبح الحصول على الغذاء الضروري أكثر صعوبة أكثر من أي وقت مضى.

اقرأ أيضاً: الإمارات تستكمل مع الشيخ محمد بن زايد جهودها لعودة السلام إلى اليمن

وفقاً للأمم المتحدة، يعاني ما يقرب من نصف سكان اليمن الآن انعدامَ الأمن الغذائي. تشمل أسباب هذه الكارثة تدمير البنية التحتية والتضخم وإعاقة جهود المساعدات الإنسانية ونقص التمويل وتعرقل النشاط الاقتصادي. 

رسم يوضح مقدار التقليص في المساعدات المقدمة من برنامج الغذاء العالمي- “كيوبوستس”

ومع تفاقم الأزمة، واندلاع حرب تهدد بتوتر عالمي وعرقلة سلاسل إمداد الغذاء العالمي، تُجبر العائلات في اليمن على اتخاذ المزيد من الخيارات المستحيلة؛ مثل إطعام أطفالهم أو دفع تكاليف الرعاية الطبية. ومع وجود الكثير من الأشخاص في حالة عوز شديد، من المرجح أن يزداد الوضع سوءاً حتى قبل أن يتحسَّن في أكثر السيناريوهات تفاؤلاً.

الحرب في أوكرانيا والأزمة في اليمن

وفقاً لأغلب التقديرات، يستورد اليمن نحو 40 في المئة من القمح من روسيا وأوكرانيا؛ وبالتالي لا شك في أن عرقلة الإنتاج والتصدير في هذين البلدَين بسبب الحرب ستكون لها آثار سلبية بالفعل على أسعار الغذاء في اليمن. يزداد الأمر سوءاً بسبب تأثير الحرب كذلك على أسعار الوقود، والذي يؤثر بدوره على كل مناحي الحياة؛ كالنقل الذي لا غنى عنه في التجارة.

محطة وقود مزدحمة بسبب أزمة الوقود- وكالة الأناضول

لكنَّ أسعار الغذاء والوقود في ازدياد مستمر منذ ما قبل الحرب، وقد تواصلت تلك الزيادة مع، وبعد، اندلاع الحرب بالطبع. هذه الحالة تجعل القدرة على ربط ارتفاع الأسعار بالحرب أقل دقة؛ لكن التجَّار -عموماً- سرعان ما يجدون في الحرب حجةً سهلةً لتبرير رفع الأسعار.

لا يعاني اليمنيون عدمَ توافر الغذاء في الأسواق، على الأقل إلى هذا الحين، بقدر ما يعانون عدمَ القدرة على شراء احتياجاتهم؛ وهذا يجعل الملايين منهم يعتمدون بشكل أو بآخر على المساعدات العينية أو المالية المقدمة من المنظمات الإغاثية والإنسانية.

اقرأ أيضاً: اليمن.. هل تسهم قوات العمالقة في حماية نفط وغاز شبوة؟

تسببت الحرب في أوكرانيا منذ اندلاعها في تزايد المخاوف من تدهور الأوضاع في اليمن؛ وذلك بسبب أزمة الغذاء العالمية المحتملة وعرقلة سلاسل إمداد الغذاء. إضافة إلى انصراف العالم -والمانحين- إلى الوضع الطارئ في أوكرانيا؛ مما قد يقلص المساعدات الخاصة باليمنيين.

يُنذر إعلان برنامج الغذاء الأخير بأن المخاوف المستمرة منذ بضعة أشهر قد تحققت، وأن اليمنيين في قلب أزمة عالمية.

أزمة محلية داخل أزمة عالمية

بشكل عام، يُعد التضخم والحروب والتباطؤ الاقتصادي والعوامل الطبيعية القاسية؛ مثل الجفاف، أهم أسباب أزمات الغذاء العالمية. وفي الواقع، يعاني اليمنيون كلَّ هذه الأسباب تقريباً بسبب الحرب المحلية؛ حيث تصبح تكاليف إنتاج المنتجات والخدمات أكثر كل يوم، وبالتالي ترتفع الأسعار. ويؤثر الصراع على النشاط الاقتصادي من خلال التهجير وأزمات الوقود وتخريب البنية التحتية. كما أن الجفاف وأزمة المياه في كثير من مناطق اليمن يضيفان المزيد من أسباب الشقاء.

طوابير الغاز المنزلي في اليمن- “شنخوا”

من بين جميع أسباب أزمة الغذاء العالمية، وحتى المحلية، يمكن القول إن التضخم سبب ينبغي مراقبته عن كثب. يعني التضخم انخفاض قدرة الناس على الشراء بما لديهم من أموال بسبب انخفاض قيمتها. يؤدي هذا في النهاية إلى ارتفاع الأسعار وإقحام الأُسر في كفاح مرير لتغطية نفقاتها، وبالتالي يزداد الأمر سوءاً يوماً بعد آخر.

يعاني اليمن تضخماً مدفوعاً بالتكلفة وتضخماً داخلياً متزايداً منذ اندلاع الحرب؛ حيث تزداد تكلفة إنتاج السلع والخدمات، وتزداد معها مطالبات العمال برفع الأجور؛ مما يؤدي في النهاية إلى رفع الأسعار. من جانب آخر، يعاني الريال اليمني انخفاضَ قيمته بشكل درامي؛ وتشمل أسباب ذلك تراجع عائدات التصدير مقابل ارتفاع الواردات، وتزايد نشاط التجار والمضاربين بالعملة الذين يبيعون العملة في الأسواق.

اقرأ أيضاً: “المجلس الرئاسي”.. هل يشكِّل فرصة حقيقية لصنع التسوية في اليمن؟

لا يؤدي التضخم إلى أزمة غذاء محلية في اليمن فقط؛ بل في الحقيقة يُعد أيضاً أحد أسباب أزمات الغذاء العالمية. يزداد الأمر سوءاً عندما تندلع حرب في مكان ما؛ وتزيد بالتالي معدلات التضخم بسبب تعطيل طرق التجارة والتسبب في نقص بعض السلع. هذا ما يحدث حالياً بسبب الحرب الأوكرانية- الروسية، ويلقي بظلاله على اليمن وكثير من دول العالم.

هل من سبيل للنجاة؟

عندما تحدث أزمة غذاء عالمية فإن تأثيرها يكون مختلفاً على البلدان المختلفة؛ ففي الدول المتقدمة والغنية، كالولايات المتحدة مثلاً، تكون الحكومة والمنظمات المختلفة قادرةً على توفير الغذاء ومساعدة الأشخاص الأكثر احتياجاً. هناك أيضاً بنية تحتية متطورة للتعامل مع تخزين وتوزيع المواد الغذائية والإمدادات الأخرى.

الحمير كوسيلة نقل في عدن لنقل المياه والوقود- AFP

لا تمتلك البلدان النامية والفقيرة جداً، أو التي تعاني الصراعات كاليمن، مثل تلك المزايا؛ لذلك يكون التأثير مدمراً. دون حكومة قوية أو بنية تحتية قوية، يمكن أن يُصاب الناس بسرعة بسوء التغذية، وحتى التضور أو الموت جوعاً. وحتى إن كانت هناك مساعدات متاحة؛ فقد يكون من الصعب إيصالها إلى مَن هم في أمسّ الحاجة إليها. وهذا هو سبب أهمية محاولة منع حدوث أزمات الغذاء في المقام الأول.

لقد تم تقديم مليارات الدولارات منذ بدء الصراع في اليمن للتعامل مع أزمة الغذاء والأزمة الإنسانية عموماً؛ لكن الجهود لم تمنع تطور الأزمة بالشكل المأمول، ولا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الأموال، حسب منظمات الإغاثة.

اقرأ أيضًا: وثائقي عن حرب اليمن يقلب الحقائق ويلعب على التناقضات!!

لحل أزمة الغذاء العالمية، أو على الأقل المساهمة في تخفيف حدتها، يقترح العلماء تشجيع استخدام مصادر الطاقة المتجددة، وزيادة إنتاج الغذاء. إضافة إلى إنتاج المزيد من المنتجات النباتية؛ أي الأطعمة المستخرجة من النباتات بشكل أساسي. يمكن أن يؤدي تطبيق حلول مماثلة بشكل أكثر كثافة -مما هو عليه الآن- في اليمن، إلى إنقاذ الملايين من السكان، وتقليل الحاجة المتزايدة والمستمرة إلى الأموال السائلة.

يوجد في اليمن قوة عاملة كثيفة وماهرة، ويمكن لتلك القوة المساهمة بفعالية في إبعاد المجتمع عن شبح المجاعة إذا ما توفرت لها البنية التحتية المناسبة، والدعم الكافي في الأصول، وتبني التكنولوجيا الحديثة؛ مثل مصادر الطاقة البديلة وتقنيات الزراعة والري المتطورة. لن يعني الاستثمار الكثيف في هذا المجال توفير المزيد من فرص العمل فحسب، إضافة إلى المساهمة في حل أزمة الغذاء؛ بل يعني كذلك تقليل تكاليف الحرب التي يدفعها المدنيون الأبرياء والمتحاربون والمانحون على السواء.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة