الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

اليمن.. عشر سنوات على حلم التغيير الذي استحال كابوساً!

أثبت مرور عقد من الزمن أن ما كان يُحاك خلف كواليس "الثورة" التي دفع إليها الشباب اليمني هو إقامة ديكتاتورية جديدة يتزعمها حزب الإصلاح وجماعة الحوثي

كيوبوست

في السابع والعشرين من يناير 2011م، انطلقت ما باتت تُعرف بثورة الشباب اليمنية، مناديةً بإسقاط حكم الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، الذي حكم البلاد لأكثر من 30 عاماً. كانت الحشود متأثرة بما سمي حينها “ثورات الربيع العربي”؛ لكن جذورها وأسبابها الحقيقية تعود إلى ما قبل هذا التاريخ بأكثر من عقد من الزمن، وهو خلاف جوهري بين أقطاب الاستبداد في اليمن: الرئيس اليمني ومواليه من جانب، وحزب الإصلاح، ذراع الإخوان المسلمين في اليمن، ومواليهم من جانب آخر.

خرج آلاف الطلاب والشباب اليمني؛ خصوصاً في المحافظات الشمالية، منذ اليوم الأول للثورة، منددين بالبطالة والفساد والمحسوبية. كانت آمال الشباب المُتصورة هي تحقيق الديمقراطية الحقيقية؛ لكن، أثبت مرور عقد من الزمن أن ما كان يُحاك من خلف كواليس الثورة هو إقامة ديكتاتورية جديدة تخلف نظام علي صالح، ويتزعمها حزب الإصلاح، والإخوان المسلمون، وجماعة الحوثي.

اقرأ أيضاً: اليمن.. تداعيات تصنيف الحوثيين جماعة إرهابية من قبل واشنطن

تسببت تلك الثورة في أضرار كارثية على الاقتصاد والمجتمع، والبنية التحتية، وحتى العلاقات الخارجية لليمن. تراجعت قيمة الصادرات اليمنية من 7.89 مليار دولار في عام 2010 إلى 2.09 مليار في عام 2015، واستمر التراجع تباعاً إلى اليوم؛ وهو ما يؤدي إلى التدهور المستمر في قيمة العملة اليمنية، وتأثير ذلك على قدرة الناس على الشراء لحد الفقر المدقع والمجاعة.

ازدادت البنية التحتية، الضعيفة أصلاً، عجزاً بسبب غياب الصيانة وضعف التمويل وغياب التخطيط السليم والفساد والنزاعات المسلحة التي لحقت الثورة. تراجعت نسبة الحاصلين على الكهرباء -مثلاً- من 74 في المئة من إجمالي السكان في عام 2010 إلى 62 في المئة في عام 2018، ولا تزال النسبة في تراجع إلى اليوم. يتسبب غياب مصدر ثابت واقتصادي للطاقة الكهربائية في صعوبة تنفيذ المشروعات الاقتصادية بمختلف مستوياتها، وبالتالي غياب دعامة أساسية من دعامات الاقتصاد.

شملت تأثيرات الثورة، وما تلتها من مشكلات، قائمة طويلة من النكسات المُحبطة: بداية بالقيود الشديدة على السفر، ومروراً بتفشي الفساد والمحسوبية، وأزمات الوقود، وعرقلة التعليم، وضعف نظام الرعاية الصحية، وغياب الأمن والقانون، وصولاً إلى تفشي الأوبئة؛ كالكوليرا، وخلق أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأخيراً، وليس آخراً، تدخل النظام الإيراني المعادي لأنظمة الدول الإقليمية في الأزمة.

منعطفات الاستغلال الخطرة

ارتكز حكم علي عبدالله صالح، في معظمه، على دعامتَين أساسيتَين، القوة العسكرية والتأييد القبلي. كان علي محسن الأحمر، هو رمز القوة العسكرية، بينما كان عبدالله بن حسين الأحمر، ومن بعده ابنه صادق، رمز الزعامة القبلية لشمال اليمن. انضم الرجلان، علي وصادق، إلى ساحات الثورة منذ الأيام الأولى؛ مما شكل منعطفاً تصاعدياً خطيراً في مسارها.

اقرأ أيضاً: إخوان اليمن.. تاريخ من العلاقات التخريبية كشفتها تسجيلات القذافي

كان انضمام القيادات الأساسية التي صنعت نظام علي صالح، كعلي محسن، إلى ساحات التغيير مبشراً؛ لكن الحقيقة لم تكن كما تبدو، إذ إن تلك القيادات لم تنضم إلى الشباب في الواقع؛ بل الشباب هم مَن انضموا إليهم، فعلي محسن الأحمر وزعيم قبائل حاشد، صادق الأحمر وإخوته، هم قادة ومؤسسو الإخوان المسلمين في اليمن وممثلهم حزب الإصلاح، والذين كانت قد ظهرت بينهم وبين علي عبدالله صالح بوادر خلاف أساسية، بعد وفاق طويل، في ما يتعلق بالحكم والجيش والعلاقات الخارجية، ولم تكن اضطرابات العالم العربي حينها سوى فرصة وجب استغلالها.

تطلبت الثورة التي مسك إخوان اليمن بزمامها الكثير من الموارد المالية والبشرية والتغطية الإعلامية التحريضية، وقد كشفت عدة تقارير استخباراتية وإعلامية عن تلقِّي زعماء الحزب ملايين الدولارات من دول مؤيدة للإخوان المسلمين؛ من أجل إنجاح الثورة وحشد الجماهير، بما في ذلك العسكر والضباط وقادة الجيش.

كما تطلبت الثورة أيضاً لمسة عصرية لجلب اهتمام الدول الغربية وتأييدها؛ وقد نجح الإخوان في ذلك من خلال منح توكل كرمان فرصة الظهور والقيادة. كانت كرمان من النساء اليمنيات المعدودات اللاتي يكشفن وجوههن، ولا يمانعن الوجود وسط حشود من الرجال، ويتجرأن على الحديث بقوة في الساحات ووسائل الإعلام.

توكل كرمان وسط الحشود- NPR

تصرفات توكل كرمان لفتت أنظار الحكومات الغربية ووسائل إعلامها، وجميعهم يتوقون إلى رؤية انفتاح مماثل في مجتمع شديد التحفظ مثل اليمن؛ لذلك لم تتوانَ وسائل الإعلام الغربية عن دعم توكل كرمان باسم دعم نساء اليمن، كما لم تتأخر الحكومات الغربية؛ وفي مقدمتها الولايات المتحدة تحت إدارة أوباما، عن تقديم كل ما يلزم.

التقت كرمان هيلاري كلنتون، وزيرة الخارجية الأمريكية المعروفة بقربها من الإخوان المسلمين، وزعماء آخرين حول العالم، وكأنها صانعة الثورة ومخلّص اليمنيين، وهي التي كانت أول مَن يغادر الساحات هرباً من جحيم الثورة ودماء الثوار. ثم انتهجت سياسة التحريض من تركيا، استكمالاً لمهمتها كوجه إعلامي لحزب الإصلاح.   

اقرأ أيضاً: أيجب أن تفخر كلينتون بتوكل كرمان؟

لكن من بين جميع المنعطفات الخطرة التي مرت بها الثورة اليمنية هو النجاح في إجبار الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، على التنحي، واستبدال نائبه عبدربه منصور هادي به. ثم تحالف صالح مع الحوثيين وطرد الرئيس الجديد من العاصمة صنعاء إلى عدن، ومن عدن إلى الرياض؛ حيث بقي هناك إلى اليوم. لقد أنهى الحوثيون، في منتصف الطريق، ثورة قادها مستبدون ضد نظام مستبد، وليس ثورة شعب ضد نظام، ثم ما لبثوا أن ارتدوا نفس ثوب الاستبداد البغيض.

غرور القوة والإبحار نحو المجهول

نتج عن تنازل علي عبدالله صالح عن الحكم مؤتمر الحوار الوطني. نالت تلك الخطوات إشادة عالمية؛ لكنها لم ترضِ جماعة الحوثيين، ومن بين أبرز أسباب الرفض هو مشروع اليمن الاتحادي الناتج عن الحوار الوطني.

يقترح مشروع اليمن الاتحادي تقسيم اليمن إلى ستة أقاليم؛ بالنسبة إلى الحوثيين كان المشروع يقسم البلاد إلى أغنياء وفقراء، كما أنه يضم بعض محافظات نفوذهم التاريخي إلى أقاليم لا تقع ضمن نفوذهم. أما بالنسبة إلى الجنوبيين، فلم يكن المشروع يرقى إلى مستوى التطلعات؛ حيث يطمح الجنوبيون إلى استعادة دولة الجنوب كاملة السيادة.

متظاهرون جنوبيون يرفعون علم دولة الجنوب العربي- “رويترز”

حكم أسلاف الحوثيين أجزاء واسعة من شمال اليمن لنحو ألف عام؛ لهذا ربما يعتبر الحوثيون شمال اليمن حقهم التاريخي الأزلي، ولا يمكن التنازل عن مناطق نفوذهم فيه؛ مثل محافظات المحويت وحجة والجوف، وهي المحافظات التي لم يجعلها مشروع اليمن الاتحادي ضمن نفوذهم.

كان علي عبدالله صالح يدرك مطامح الحوثيين؛ فقاد تحالفاً قوياً معهم تمكن بواسطته من إسقاط العاصمة صنعاء. ثم قادهم غرور القوة ونشوة النصر إلى اجتياح المزيد من مناطق الشمال، وحتى الزحف جنوباً نحو عدن. وهكذا، كما يقول الأيرلندي أدموند بارك: “كلما زادت القوة، زادت خطورة الإساءة”.

اقرأ أيضاً: اليمن.. ستون عاماً من البحث عن الدولة

 كانت محاولة السيطرة على الجنوب تمادياً في الإساءة إلى “ثورة” شباب اليمن المخدوعة عموماً وإلى الجنوبيين خصوصاً؛ لأن معظم الجنوبيين لم يكونوا مشاركين فاعلين في الثورة، نظراً لتطلّعهم إلى استعادة دولة الجنوب، وليس مجرد استبدال حاكم يحكم يمناً موحَّداً قسراً.

وعلى عكس مناطق الشمال، نجحت المقاومة الجنوبية في عدن في عام 2015 في طرد الحوثين بمساعدة قوية من التحالف العربي، بقيادة السعودية والإمارات، بينما بقي معظم أجزاء اليمن الشمالي تحت وطأة الحوثيين إلى اليوم.

وبعد مرور عشرة أعوام منذ بدء الثورة، لا يزال اليمن في رحلة مضطربة نحو المجهول لأسباب كثيرة؛ منها بقاء معظم أجزاء شمال اليمن تحت سلطات الأمر الواقع الحوثية المتطرفة، وعدم الاتفاق على رؤية سياسية واضحة وعادلة لمستقبل اليمن، والدعم القوي الذي يتلقاه الحوثيون والإخوان المسلمون من دول معادية، وبقاء مقاليد السلطة في المناطق المحررة بيد ذات دعائم الفساد في يمن ما قبل الثورة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة