الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

اليمن.. رمضان أقسى ومستقبل مظلم

كيوبوست- منير بن وبر

يشتكي المواطنون في اليمن كل عام من زيادة تكاليف المعيشة، ويأتي شهر رمضان كتذكير صارخ بالغلاء؛ إذ إنه المناسبة التي تتيح للمواطنين المقارنة بين الأعوام، كما أنه من أكثر المواسم تكلفة. رمضان هذا العام استثنائي بامتياز؛ حيث ترتفع أسعار الوقود والمواد الغذائية بشكل غير مسبوق، وأسعار صرف العملات أعلى من العام الماضي، أما تأثيرات الحرب الروسية- الأوكرانية فهي المستجد الأكثر سخونة. وفي حين أن كل ذلك مخيف بالفعل، إلا أن ما يثير الخوف أكثر هو ما علمتنا إياه دروس السنوات الماضية التي تتلخص في أن كل عام أسوأ من سابقه.

اقرأ أيضاً: مبادرة سلام خليجية جديدة تشرك الحوثيين في اليمن.. فهل تنجح؟

البداية دائماً من أسعار الوقود والعملات التي تؤثر بشكل هائل على كل شيء آخر؛ بداية من القدرة الشرائية، مروراً بتكاليف النقل وما يترتب عليه من تكاليف السلع، ووصولاً إلى التأثير السلبي على توليد الطاقة الكهربائية. ينتج عن كل ذلك آثار كارثية على الأمن الغذائي والقطاع الصحي، ويزيد من عجز الاقتصاد من خلال تدمير المشروعات بمختلف مستوياتها. والنتيجة النهائية هي مزيد من السخط والغضب الشعبي الذي يُترجم إلى مستويات مختلفة من الاضطرابات؛ من الاحتجاجات السلمية إلى العمليات الإرهابية والعمالة والارتزاق والجريمة. وإن كان هناك شيء ما يجب أن يزدهر في هذه الظروف، فهو السوق السوداء واقتصاد الحروب.

مزيد من الضعف في القدرة الشرائية

ضعف القدرة الشرائية هو أكثر ما يؤرق المواطن؛ خصوصاً في رمضان وما يليه من أيام عيد وفرح وكرم، في بلدٍ اعتاد على السخاء والضيافة والتعفف والتكافل. خلال رمضان العام الماضي، 2021، كانت أسعار الصرف دون الألف ريـال يمني للدولار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، ودون الـ250 للريال السعودي. اليوم، يتعدى سعر الدولار الـ1200، والريال السعودي الـ320. ورغم ثبات أسعار الصرف نِسبياً خلال الأشهر الأخيرة، فإنها مرتفعة عموماً.

القمح الروسي والأوكراني أحد أهم واردات اليمن- EPA-EFE

أسعار الصرف تدفع الكثير من التجار إلى اتخاذ أقصى درجات التحوُّط وأقساها على المواطن؛ فهم يقللون، وأحياناً يمنعون، البيع بالآجل، ويضعون هوامش ربح مرتفعة لتجنُّب خسائر تقلبات الصرف، ويفضلون، أو يقصرون، البيع بالعملات الأجنبية (سعودي ودولار)، ناهيك بارتفاع تكلفة السلع عموماً حتى إذا قرر البائع بيعها بأقل الأرباح. أولئك الذين لا يتخذون ما يكفي من الإجراءات التحوطية مهددون بالخروج من السوق.

قطاع الخدمات أيضاً يتأثر بأسعار الصرف؛ حيث يرفع المؤجرون الإيجارات في القطاع السكني والتجاري لتعويض انخفاض قدرتهم الشرائية. وترتفع أسعار وتكاليف النقل والمواصلات والبناء والخدمات الصحية والتعليمية. اليوم، يمكن لأي زائر لمدينة مثل المكلا أو عدن رؤية حجم الشلل الكبير الذي حلّ بحركة التنقل والتسوق، على الرغم من أن الأيام التي تسبق رمضان عادة تكون مزدحمة وحيوية.

اقرأ أيضاً: بعد مرور أكثر من عقد.. ماذا تبقى من ثورة الشباب في اليمن؟

أزمة وقود

بلغت أسعار الوقود أرقاماً قياسية لم يسبق أن وصلت إليها من قبل. في رمضان العام الماضي كان سعر لتر البنزين نحو 700 ريـال في عدن، أما هذا العام فهو يفوق الـ1200 ريـال، ويبدو أنه في تصاعد. تحدُّ أزمةُ الوقود من قدرة تنقل الناس، وترفع الأسعار، وتعرقل تجارة النقل، وتضرب قطاع الزراعة، وتدفع بالسكان في طوابير الانتظار من أجل الحصول على بضعة لترات من الوقود أو أسطوانة غاز للطبخ.

لا تقوم الحكومة بما يكفي للحد من الآثار المدمرة لارتفاع الوقود. والنتيجة هي ازدهار السوق السوداء وتجارة الوقود، وخلق أزمة شح الوقود في كل مكان؛ حيث بات التجار وأمراء الحرب يفضلون بيع المشتقات النفطية أو تهريبها إلى مناطق الحوثيين للحصول على عوائد أكبر مقارنة ببيعه في مناطق الشرعية، وذلك بسبب حجم الطلب الكبير في مناطق الحوثيين وأفضلية أسعار صرف العملات.

أزمة وقود في صنعاء- وسائل إعلام محلية

يزداد الطلب على الوقود وغاز الطبخ في رمضان مقارنة بأية فترة أخرى خلال السنة؛ فرمضان معروف بتنوع موائده وكرم الناس في هذا الشهر الفضيل. كما أن رمضان والتحضير للعيد يُفترض أن يزيدا من حركة الناس لأغراض التسوق والزيارات، ويزيدا من حركة التجارة للاستفادة من الموسم. صحيح أن قدرات الناس وسوء الأوضاع يؤديان إلى تقييد الحركة وانخفاض الطلب، إلا أن تلك القدرة المنخفضة عموماً  لا تزال أكبر من بقية أيام السنة.  

الحرب الروسية- الأوكرانية

يحمل هذا العام لليمنيين المزيد من التحديات؛ إذ يخشى مراقبون من التأثيرات السلبية للحرب الروسية- الأوكرانية على اليمن من عدة نواحٍ، أبرزها واردات القمح وارتفاع أسعار الوقود. يتصدر القمح والأرز قائمة واردات اليمن. أكبر مصدري القمح إلى اليمن هم الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا على التوالي، وتليها أستراليا.

اقرأ أيضاً: ماذا لو ربح بوتين؟ كيف ستغير سيطرة روسيا على أوكرانيا وجه أوروبا؟

التداعيات الاقتصادية للحرب الروسية- الأوكرانية يمكن أن تكون لها عواقب وخيمة. يقول الباحث آدم بارون، في حلقة نقاش افتراضية بعنوان “الصراع الروسي- الأوكراني: تداعياته على اليمن”؛ نظمها مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، إن العواقب الاقتصادية ستكون ذات تأثير سلبي على الأوضاع الداخلية والحوكمة والسياسة والجانب الإنساني وجودة الحياة في اليمن.

أحد جوانب التأثيرات الروسية- الأوكرانية أيضاً هو ارتفاع أسعار النفط العالمية؛ حيث وصلت الأسعار إلى أعلى مستويات لها منذ 7 سنوات. ومن جديد، هذا سبب آخر لزيادة أسعار الغذاء للسكان الذين يكافحون بالفعل منذ سبع سنوات لتوفير ما يكفي من الطعام لأسرهم. ووفقاً للمعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية فقد ارتفعت الأسعار في الأسواق الزراعية؛ لا سيما القمح، الذي شهد ارتفاع الأسعار بنسبة 30٪ منذ الغزو الروسي في 24 فبراير. من جانب آخر، تصرف الأزمة الأوكرانية النظر عن مناطق الصراع كاليمن، وتتركها عرضةً لمخاطر انكماش الدعم المتناقص أساساً.

اقرأ أيضاً: بين المساجد والمجتمع في حضرموت.. حكاية تروى

يأتي شهر رمضان هذا العام بقسوة أكثر من سابقه، والذي كان هو الآخر أكثر قسوة أيضاً من الذي قبله؛ ربما يحتاج السكان إلى المزيد من التضامن والمساعدات لتخفيف آثار الأزمة التي يمر بها اليمن، لكنه يحتاج أكثر إلى أن تتاح له الفرصة الحقيقية لاستغلال موارده البشرية والطبيعية لكي ينهض، وذلك من خلال استغلال السلام في الأماكن المحررة وتعزيز الحوكمة بها ومحاربة الفساد، وفي الوقت نفسه مواصلة النهج متعدد الجوانب؛ لإنهاء الحرب في مناطق سيطرة الحوثيين.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة