الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

اليمن.. تقرير أمريكي يسلِّط الضوء على انتهاكات الحوثيين لقطاع التعليم

رصد التقرير انفراد جماعة الحوثي بنسف عشرات المدارس في محاولة لنشر ثقافتهم ومشروعهم الفكري.. فضلاً عن دمار مدارس أخرى بسبب أعمال القصف

كيوبوست- منير بن وبر

بينما كان طلاب مدرسة الميثاق في محافظة مأرب يستعدون لإحياء ذكرى ثورة 26 سبتمبر في عام 2020، كانت قوات الحوثيين تستعد لإطلاق صاروخ على المدرسة التي تقع وسط أحد الأحياء السكنية بالمدينة؛ لكن الطلاب، لحسن الحظ، غادروا المدرسة قبل دقائق فقط من سقوط الصاروخ على مدرستهم، والتسبب في أضرار بليغة بالمبنى والمباني المجاورة. كاد ذلك الاستهداف يتحول إلى كارثة فظيعة، وينضم إلى سلسلة أبشع المآسي التي أصابت قطاع التعليم في اليمن منذ بدء الصراع.

استهداف المدارس بالصواريخ والمدفعية، بقصد أو غير قصد، ليس السبب الوحيد لتدمير أعداد كبيرة منها في مختلف أنحاء البلاد؛ إذ تعرضت بعض المدارس أيضاً إلى تفجير متعمد من قِبل الحوثيين، كما حدث في عام 2014 -مثلاً- عندما زرعوا المتفجرات بمدرسة طارق بن زياد، في قرية “ثلا” الواقعة على بعد 30 كيلومتراً من صنعاء، وقاموا بتسوية أدوارها الثلاثة بالأرض.

اقرأ أيضاً: تطور جماعة أنصار الله: كيف غزت الثورة الإسلامية اليمن؟

وإن كانت بعض المدارس قد نجَت من الصواريخ أو المتفجرات، فإن الطلاب والمعلمين لم ينجوا في كثير من الأحيان من الألغام الغادرة التي زرعها الحوثيون في مختلف المناطق، بالذات في مناطق الساحل الغربي لليمن. في الرابع من فبراير، 2019، على سبيل المثال، فقد ثلاثة أطفال، يبلغ أكبرهم 15 سنة، أرواحهم بسبب انفجار لغم في محافظة الحديدة، وذلك أثناء عودتهم من المدرسة على دراجة نارية كانوا يستقلونها.

تتحمل أطراف الصراع المختلفة والمتعددة في اليمن مسؤولية الأضرار البليغة التي أصابت قطاع التعليم كنتيجة مباشرة أو غير مباشرة للصراع، إلا أن الحوثيين، والذين يسيطرون على النسبة الكبرى من عدد السكان، يتحملون الجزء الأكبر من ذلك الدمار والانتهاكات التي لا تزال مستمرة إلى اليوم، والتي يمكن أن تستمر آثارها الكارثية لأجيالٍ قادمة.

إحصاءات وأرقام

في تقريرٍ حديث، صدر عن المركز الأمريكي للعدالة، تم توثيق استهداف 49 مدرسة بسبب أعمال القصف في محافظات مختلفة؛ مثل مأرب والحديدة وأمانة العاصمة صنعاء. كما رصد التقرير انفراد جماعة الحوثي بنسف 21 مدرسة عامة ودينية، وذلك منذ استيلائهم على صعدة في عام 2012؛ في محاولة منهم لنشر ثقافتهم ومشروعهم الفكري، ولإخضاع خصومهم، حسب التقرير.

مدرسة بنات.. محافظة الحديدة غرب اليمن- “رويترز”

تقرير المركز الأمريكي للعدالة، والذي يديره محامٍ يمني يُقيم في الولايات المتحدة، وثَّق أيضاً تحويل 22 مدرسة إلى ثكنات عسكرية، وسجون في محافظات مختلفة؛ من أهمها الجوف وصنعاء والبيضاء. كما أشار إلى أن 468 مؤسسة تعليمية في محافظة تعز وحدها أصبحت خارج الخدمة؛ بسبب الدمار الكلي أو الجزئي، أو الاستخدام من قِبل المجموعات المسلحة. وأكد التقرير أن جماعة الحوثي تتحمل النصيب الأكبر من هذه الانتهاكات الجسيمة.

اقرأ أيضاً: استمرار الصراع في اليمن يهدد بتزايد تجنيد الأطفال

المدارس التي نجت من الدمار والاستغلال العسكري، أو التحويل إلى سجون، ليست بأحسن حال أيضاً؛ إذ يفرض الحوثيون على الطلاب في مناطق سيطرتهم رسوماً شهرية تُقدر بما يعادل نحو 5 دولارات على كل طالب، وهو مبلغ لا يُستهان به بالنظر إلى الحالة الاقتصادية المزرية التي تمر بها البلاد؛ خصوصاً إذا كان هناك أكثر من طالب في العائلة الواحدة. وتعتبر هذه الرسوم مخالفة لقانون مجانية التعليم الذي يقره القانون اليمني.

كما تعاني المدارس في مناطق سيطرة الحوثيين، ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية على السواء، نقصاً حاداً في الكتب المدرسية؛ مما يضطر الطلاب إلى شراء الكتب من السوق السوداء في المكاتب أو ساحات بيع الكتب في الميادين وعلى الأرصفة، وهو أمر يؤدي إلى تعميق أزمة التعليم، وإرهاق ميزانية الآباء.

اقرأ أيضاً: لماذا باع رجل ابنته في اليمن؟

يسلط التقرير الضوء أيضاً على ظاهرة أكثر تهديداً لمستقبل التعليم في اليمن؛ وهي ظاهرة تغيير المناهج الدراسية وتلقين الطلاب المبادئ المذهبية والثورية الخاصة بجماعة الحوثي، ليس في المدارس فحسب، بل أيضاً في ما بات يُعرف بـ”المراكز الصيفية”، والتي يتلقى فيها أبناء المدارس الصغار دروساً ودورات تعليمية طائفية مليئة بخطاب الكراهية والتحريض على العنف تحت مسمى الجهاد. وقد مكنت تلك الجهود الحوثيين من تجنيد آلاف الطلاب والزج بهم في المعارك.

عواقب وخيمة

يؤثر الصراع في اليمن على مختلف قطاعات الحياة، بعض تلك القطاعات يتداخل بشكل مباشر مع قطاع التعليم؛ فوفقاً لتقرير مشترك صادر عن برنامج الغذاء العالمي والبنك الدولي، فإن ضعف الموارد المالية ومحدودية الوصول إلى الغذاء والرعاية الصحية في مختلف أنحاء اليمن هي من بين الأسباب التي تحُول دون التحاق الأطفال بالمدارس، وتعرقل العملية التعليمية بشكل عام.

بيع الكتب الدراسية في شوارع اليمن- وسائل التواصل الاجتماعي

كما أدتِ المعارك العسكرية إلى نزوحِ أعداد هائلة من السكان إلى المناطق الأكثر أمناً؛ مما تسبب في الضغط على البنية التحتية التعليمية للمناطق التي نزحوا منها أو إليها على السواء، وفاقم من أزمة اكتظاظ الفصول الدراسية والنقص الحاد في الكتب والكادر التدريسي. ووفقاً لتقرير المركز الأمريكي للعدالة، فقد أُجبر أكثر من عشرين ألف مُدرس على النزوح مع عائلاتهم. وللتعويض عن النقص الحاد في أعداد المعلمين، لجأت المدارس في مناطق سيطرة الحوثيين إلى توظيف معلمين غير أكفاء؛ ربما لا يحمل بعضهم حتى شهادة ثانوية، والمعيار الوحيد لاختيارهم هو ولاؤهم للحوثيين.

شاهد: فيديوغراف.. تفاقم عمالة الأطفال في اليمن بسبب النزاع المسلح

من جانب آخر، أدى تناقص قدرة المدارس الحكومية على استقبال الطلاب إلى انتعاش قطاع التعليم الخاص؛ حيث تضاعف عدد المدارس الخاصة ثلاثة أضعاف مقارنة بما قبل الأزمة. استقطبت هذه المدارس المعلمين من القطاع العام الذين يسعون لتحسين دخلهم في ظل تعثر، أو حتى انقطاع، رواتبهم. لكن، ومع كل هذا الاستقطاب، بقيت المدارس الخاصة في جميع أجزاء البلاد المحررة وغير المحررة عاجزة عن توفير العدد المناسب من المعلمين؛ مما استدعى التعاقد من معلمين غير متخصصين أو عديمي الخبرة.

تسببت كل تلك المشكلات التي تواجه قطاع التعليم في مشكلات جانبية أخرى عديدة، تهدد مستقبل أجيال اليمن القادمة؛ منها على سبيل المثال لا الحصر توقف نسبة كبيرة من الأطفال عن التعليم وتوجه بعضهم إلى سوق العمل؛ سوق العمل التي يشترك معهم فيها أيضاً معلموهم الذين يعانون انقطاع رواتبهم أو عدم كفايتها؛ فاضطروا إلى العمل في حرف ومهن بسيطة، وبعضها مرهق لا يتناسب مع خبراتهم السابقة، كعربات البيع وسيارات الأجرة ومجال البناء.. وغيرها.

اقرأ أيضاً: اليمن.. عشر سنوات على حلم التغيير الذي استحال كابوساً!

إن معالجة قطاع التعليم المدمر يتطلب نهجاً متداخلاً ومتعدداً، يجمع ما بين ضمان استمرار وانتظام رواتب المعلمين، وتحسين البنية التحتية والمهارات الوظيفية لقطاع التعليم، وإصلاح القطاع الاقتصادي والصحي المتردي في البلاد. من الواضح أن نهجاً كهذا يتطلب وجود دولة آمنة مستقرة لتطبيقه والحفاظ عليه، ومن البديهي أيضاً القول إن أبناء اليمن يستحقون هذه الدولة لمواكبة قرنائهم في دول الجوار والعالم العربي، والذين لا يقلون عنهم قدرة، وإنما كان من سوء حظهم فقط الوقوع بين ظلم الحرب وشح العطاء.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة