الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

اليمن.. أسباب وعواقب توغل حزب الإصلاح في جامعات حضرموت

يدرك الإخوان المسلمون أن حضرموت سيكون لها دور حاسم في رسم خريطة اليمن المستقبلية بفضل امتلاكها أكبر ثروات اليمن النفطية

كيوبوست

لطالما كان الكثير من الجامعات في اليمن مكاناً للنشاط الحزبي السياسي، سواء من خلال إدارة الجامعة أو أعضاء هيئة التدريس أو الاتحادات الطلابية؛ حيث يتم الترويج لأجندة الأحزاب المختلفة لاستقطاب الطلاب وللنفوذ من خلالهم إلى المجتمع.

قبل دخول اليمن في مرحلة الصراع عام 2015 كانت جامعة صنعاء، كبرى الجامعات اليمنية، واحدة من الأمثلة البارزة على التأثير الحزبي لأكبر أحزاب البلاد؛ المؤتمر والإصلاح. كما عُرفت جامعات أخرى؛ مثل جامعة الإيمان وجامعة العلوم والتكنولوجيا بتوجهات واضحة نحو حزب التجمع اليمني للإصلاح.

أدى اندلاع الصراع في اليمن بعد سيطرة المتمردين الحوثيين على العاصمة صنعاء، ومعظم أجزاء شمال اليمن، إلى قمع النشاط الحزبي في مناطق سيطرتهم. أحكم الحوثيون قبضتهم على جامعة صنعاء؛ قاموا بالسطو على جامعة الإيمان وإغلاقها، كما قاموا بمهاجمة المقر الرئيس لجامعة العلوم والتكنولوجيا في صنعاء والسيطرة عليه.

اقرأ أيضاً: اليمن.. لقاء وفد من طالبان بزعيم حزب الإصلاح يثير الجدل

دفعت مثل تلك الأحداث حزب الإصلاح إلى تعزيز نشاطه السياسي داخل بعض الجامعات في المناطق المحررة، بالذات في المحافظات التي تشهد قدراً من الاستقرار النسبي وأقل مستوى من العنف؛ مثل محافظة حضرموت، جنوب شرق اليمن. وفي أحدث الشواهد على التوغل الحزبي للإصلاح، أعلن الحزب مؤخراً  فوز كتلته في انتخابات المكتب التنفيذي ولجنة الرقابة والتفتيش باتحاد الطلاب في جامعة حضرموت.

أثارت الانتخابات ونتائجها نقاشاً اجتماعياً؛ ففي حين يرى البعض أن الانتخابات امتداد للحرية الأكاديمية وتعزيز للحوار، فإن البعض الآخر يراها مُضرَّة ببيئة التعليم وسمعة المؤسسة التعليمية.

اتحاد مستقل.. اتحاد سياسي

يصف الاتحاد العام لطلبة جامعة حضرموت نفسه بأنه نقابة طلابية ديمقراطية مستقلة؛ لذلك كان هناك الكثير من الجدل بين الطلاب، وفي وسائل التواصل الاجتماعي، حول بعض الشخصيات المرشحة في الانتخابات الأخيرة؛ حيث كان بعضهم معروفاً بتوجهه الحزبي وأيديولوجية حزب الإصلاح بشكل خاص.

انتخابات الاتحاد العام لطلبة جامعة حضرموت- صفحة الاتحاد على “فيسبوك”

دافع العديد من الأشخاص عن استقلالية المرشحين، مؤكدين أنه حتى على الرغم من انتمائهم الحزبي؛ فإنهم يمثلون أنفسهم، ويتعهدون بعدم تسييس الاتحاد. ومع ذلك، كان إعلان حزب الإصلاح فوز “كتلته” من خلال الموقع الرسمي للحزب تأكيداً صريحاً على التحزب السياسي المقصود داخل الجامعة.

غالباً ما يُنظر إلى الجامعات في العالم النامي والبلدان الأقل نمواً على أنها بؤر للتحيز السياسي. ويرجع ذلك إلى حقيقة أن الجامعات غالباً ما تكون هي المؤسسات الوحيدة التي تجمع فئات متنوعة ضخمة من الشباب؛ حيث يمكن الحصول على التعليم الموجه وتكوين الآراء السياسية؛ وهذا ما يجعلها هدفاً مغرياً للأحزاب السياسية لتجنيد أعضاء جدد ونشر أفكارهم.

أصول التحزب السياسي داخل الجامعات

تعود أصول التحزب السياسي داخل الجامعات في العالم النامي والدول الأقل نمواً -كاليمن- إلى النضال من أجل الاستقلال عن الحكم الاستعماري. في أوائل القرن العشرين، لعب طلاب الجامعات دوراً رئيساً في تعبئة الرأي العام ضد الحكم الاستعماري؛ حيث مارست المجموعات الطلابية الأنشطة السياسية ودافعت عن قضايا متنوعة من مناهضة الاستعمار إلى الاشتراكية.

اقرأ أيضاً: جامعة صنعاء.. ساحة الحوثيين للاستقطاب السياسي في اليمن

استمرت الجامعات في أداء أدوار سياسية حتى بعد استقلال العديد من الدول. في كثير من الحالات، حاولت الحكومات الجديدة استخدام الجامعات كأدوات للترويج لأجنداتها الخاصة وتوطيد سلطتها، وأصبحت الكثير من الجامعات ساحات للتنافس على الرؤى الأيديولوجية للمجتمع.

في اليمن، شارك عبدالمجيد الزنداني -أحد مؤسسي حزب الإصلاح- في تأسيس جامعة الإيمان في بداية التسعينيات. كانت الجامعة ذات توجهات دينية متطرفة واضحة، وانضم العديد من طلابها إلى الجماعات الإرهابية؛ مثل تنظيم القاعدة لتأسيس “الخلافة الإسلامية”، كما استقطبت طلاباً من مختلف أنحاء العالم. كانت جامعة الإيمان مثالاً صارخاً على الدور الأيديولوجي الذي يمكن أن تؤديه الجامعة داخل المجتمع وخارج الحدود.

وخلال ما يُعرف بثورة الشباب اليمنية، أدى حزب التجمع اليمني للإصلاح دوراً بارزاً في استقطاب الطلاب. وباتت ساحات جامعة صنعاء، على سبيل المثال، المكان الأشهر للتحشيد.

ساحة التغيير أمام جامعة صنعاء- “السفير العربي”

اليوم، يبدو أن فكرة المقاومة وتعبئة الرأي العام والترويج الأيديولوجي لا تزال محركاً أساسياً لانخراط حزب الإصلاح في لعب دور سياسي طلابي في جامعة حضرموت؛ مستغلاً مساحة معقولة من الحرية التي لا تزال السلطات تمنحها لجميع المكونات الاجتماعية والسياسية.

لماذا محافظة حضرموت؟

تعرف محافظة حضرموت، جنوب شرق اليمن، كونها إحدى أكثر المحافظات استقراراً نسبياً، كما يُعرف أهلها بالسِّلم والابتعاد عن العنف وتجنب العداوات. هذه الصفات جعلت من المحافظة وجهة للكثير من السياسيين والناشطين الفارين من القمع أو المضايقة في المحافظات الأخرى.

بالإضافة إلى البيئة المسالمة عموماً في حضرموت؛ يهدف حزب الإصلاح كذلك إلى التأثير على مستقبل المحافظة التي تواجه سيناريوهات مختلفة، تتنوع بين الاستقلال ضمن دولة جنوبية ودولة مستقلة بذاتها. يقف “الإصلاح” بإصرار ضد تلك السيناريوهات، ويروج لمشروع يمن اتحادي كبير.

اقرأ أيضاً: أثر البيئة الإسلامية والتصوف في شعراء حضرموت

يدرك حزب الإصلاح أن حضرموت ربما يكون لها دور حاسم في رسم خريطة اليمن المستقبلية بفضل امتلاكها أكبر ثروات اليمن النفطية، وبحكم مساحتها وموقعها، وعلاقة أبنائها القوية بدول مجلس التعاون الخليجي. بناءً على ذلك، يبدي الحزب تمسكاً بالمحافظة؛ لضمان حصته من خيراتها.

من جانب آخر، تنفر شريحة واسعة من أهالي حضرموت من العمل السياسي بشكل عام؛ خصوصاً في مناطق وادي حضرموت، بسبب انتشار التصوُّف الذي لا يحبِّذ المشاركة السياسية. أدى ذلك إلى خلق فراغ في العمل السياسي استغله حزب الإصلاح -ومكونات أخرى- للحد من مكانة التصوُّف ونفوذ قادته وإفساح المجال للصعود السياسي.

مخاطر التحزب السياسي داخل الجامعة

شكَّلت محافظات مثل شبوة ومأرب وحضرموت ملاذاً آمناً لحزب الإصلاح منذ انطلاق الصراع في اليمن. وامتد تأثيره على مختلف القطاعات؛ بما في ذلك التعليم. لكن “الإصلاح” تعرض إلى سخط شعبي في شبوة، بما في ذلك احتجاجات شعبية وحتى مواجهات مسلحة؛ مما أدى في النهاية إلى تراجع نفوذه.

نقطة تفتيش موالية للحكومة في شبوة.. 2019- “رويترز”

وفي حضرموت، تزايدت الدعوات مؤخراً إلى الحد من نفوذ الحزب، متزامنةً مع العديد من القرارات الحكومية التي أحدثت تغييرات في القيادات المدنية والأمنية والعسكرية، وهي تغييرات يشعر حزب الإصلاح بأنها تستهدفه بالمقام الأول، ويخشى من تكرار أحداث شبوة في حضرموت.

لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ومحاولة ترسيخ نفسه، يقوم الحزب باستهداف قطاع التعليم في حضرموت؛ حيث الشريحة الشبابية والمتحمسة، وهو توجه تقوده جماعة الإخوان المسلمين الأم، وتركز عليه في المرحلة الحالية في كل مكان، وتعتبره إحدى استراتيجيات الفترة الراهنة. تعتقد الجماعة أن الاستثمار في الشباب دون إظهار قوي لأيديولوجيا الحزب هو الطريقة الفُضلى لمواجهة انحسارها العالمي، وأن نتائج هذا الاستثمار ستكون بعيدة المدى.

غالباً ما يُنظر إلى التحزب السياسي داخل الجامعات على أنه استجابة للانقسامات السياسية داخل المجتمع ككل. لذلك، ينشأ عن زيادة النشاط الحزبي داخل الجامعات زيادة في الاستقطاب والانقسام بين الموظفين والطلاب، ويخلق جواً من التوتر وانعدام الثقة، كما يُحتمل أن يؤدي إلى انخفاض في جودة البحث والتدريس؛ بسبب التركيز على الترويج للأجندة السياسية.

اقرأ أيضاً: هل من توجه نحو حل حزب الإصلاح في اليمن؟

الأخطر من كل تلك العواقب هو احتمال تعرض الجامعة إلى التدخلات المضرة بالعملية التعليمية؛ سواء لدعم حزب ما أو الضغط من أجل الحد من نفوذه. وفي كل الأحوال، يصبح الشباب المتحمس، المنخدع بالشعارات الحزبية، هو الضحية، ولربما جرّ خيبة أمله وضرره إلى المجتمع ككل.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة