الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

اليمن.. آفاق السلام وواقع الأزمة بعد إنشاء مجلس رئاسي

سبق إعلان القرار الرئاسي قرارٌ بإقالة نائب الرئيس علي محسن الأحمر.. وهو شخصية عسكرية مثيرة للجدل ومتهمة بعلاقات مشبوهة مع الجماعات الإرهابية

كيوبوست- منير بن وبر

بعد أيام من مشاورات الرياض التي تأتي لإيجاد حل للأزمة اليمنية، وقُبيل إعلان ختامها، شهدت الأحداث اليمنية تحولاً جديداً من خلال إقالة نائب الرئيس اليمني المثير للجدل والانقسام، علي محسن الأحمر، وإعلان تشكيل مجلس قيادة رئاسي تُنقل إليه صلاحيات الرئيس كافة.

القرارات الجديدة تأتي عقب اجتماع يمني كبير في الرياض، ضم كل الأطياف السياسية والفاعلة ما عدا الحوثيين، وفي حين أن غياب الحوثيين أثار لدى بعض المراقبين الكثيرَ من الشكوك والتساؤلات حول جدوى المشاورات، إلا أنه من جانب آخر يُنظر إليه كخطوة مهمة لتوحيد الصف ضد الحوثيين.

اقرأ أيضاً: اليمن.. رمضان أقسى ومستقبل مظلم

شمل القرار الرئاسي عدداً من المواد المهمة، والتي يمكن أن تخفف من وطأة الحرب إن نُفذت بأقل درجة ممكنة من التعقيدات المعتادة التي تشهدها غالباً كل القرارات والاتفاقات السابقة. ومن تلك المواد تشكيل هيئة التشاور والمصالحة لدعم ومساندة المجلس والعمل على توحيد وجمع القوى الوطنية. وإنشاء فريق قانوني لصياغة مسودة القواعد المنظمة لأعمال المجلس وهيئة التشاور والمصالحة والفريق القانوني والفريق الاقتصادي المُنشأ لدعم الإصلاحات الحكومية.

كما نصت إحدى المواد على أن يتولَّى مجلس القيادة الرئاسي التفاوض مع (أنصار الله) الحوثيين لوقف إطلاق نار دائم في أنحاء الجمهورية كافة، والتفاوض مع الجماعة للتوصل إلى حل سياسي نهائي وشامل. وتكتسب هذه المادة قيمتها من كونها تعالج -جزئياً- عقدة عدم معقولية التفاوض مع “دول العدوان” كما يردد الحوثيون، وتتيح فرصة لحوار يمني- يمني، ربما يكون داخل الأراضي اليمنية.

علي محسن الأحمر- GETTY IMAGES

أبواق للحرب أم فُرص للسلام؟

سبق إعلان القرار الرئاسي قرارٌ بإقالة نائب الرئيس علي محسن الأحمر، وهو شخصية عسكرية مثيرة للجدل، ومتهمة بعلاقات مشبوهة مع الجماعات الإرهابية، وبكونه إحدى الزعامات المهمة لحزب الإصلاح -ذراع الإخوان المسلمين في اليمن- وفشله في حسم نزاع صعدة أو ما يُعرف بحروب الحوثيين الست من عام 2004 إلى 2010. وهو إحدى أكثر الشخصيات المثيرة للانقسام بين اللاعبين الأساسيين في الأزمة اليمنية داخلياً وخارجياً.

ويتألف مجلس القيادة الرئاسي من ثمانية أعضاء برئاسة رشاد العليمي وزير الداخلية السابق، ومستشار هادي، والذي يمتلك علاقات جيدة مع المملكة العربية السعودية وعدة أطراف يمنية أخرى؛ بما في ذلك حزب الإصلاح. كما ضمت القائمة شخصيات وقيادات قوية تتزعم -أو يُدان لها بالولاء- مجموعات عسكرية حققت نجاحات سابقة ساحقة ضد الحوثيين أو الجماعات الإرهابية؛ مثل عيدروس الزبيدي وفرج البحسني والشيخ سلطان العرادة وطارق صالح.

اقرأ أيضاً: اختطاف الدكتور العودي في اليمن دليل آخر على رفض المتمردين للسلام

لدى الشخصيات التي تشكل المجلس أهداف متعارضة في الواقع؛ وهو ما يُنظر إليه كنقطة ضعف في الصراع الدائر. لذلك، تُرسل التوليفة الجديدة لرئاسة البلاد رسالة واضحة للحوثيين مفادها أن ما يشكِّل نقطة ضعف بات الآن نقطة قوة، وأن عليهم الاختيار بين مواجهة قوة محلية متمرسة ومجهزة وصاحبة نجاحات ومتوحدة، وبين الجلوس إلى طاولة مفاوضات.

وعلى اعتبار أن الحوثيين سوف يسلكون المسار العقلاني المتمثل في الجنوح للسلم، فإن الحلول التي تبدو في الأفق، ونتائجها المُحتملة، ليست أقل من معقدة؛ بداية بتعديل مخرجات الحوار الوطني وإعادة تحديد الأقاليم، ومروراً بمسألة إقليمَين فيدراليَّين، هما الجنوب والشمال أو الإبقاء على النظام الجمهوري الحالي، مع منح صلاحيات أوسع أو حكم ذاتي لمناطق الزيدية، ووصولاً إلى القضية الجنوبية واستقلال دولة الجنوب التي يتزعم قضيتها حالياً عيدروس الزبيدي، أحد أعضاء المجلس.

هل يمكن إنقاذ الاقتصاد؟

اشتمل القرار الرئاسي على تشكيل فريق اقتصادي من الكفاءات الوطنية المختصة لدعم الإصلاحات الحكومية وتقديم النصح والمشورة للحكومة والبنك المركزي، وتعزيز الفعالية والشفافية والنزاهة، ودراسة التحديات الاقتصادية وطرح حلول للنمو الاقتصادي.. وغيرها من المعالجات لتحسين الاقتصاد.

ميناء عدن- “رويترز”

يعيش الاقتصاد اليمني أسوأ مراحله على الإطلاق؛ بسبب آثار الصراع، وتوقف -أو في أحسن الأحوال عرقلة- إنتاج النفط والغاز الذي تعتمد عليه البلاد بشكل أساسي، وتضرر مختلف الأنشطة الاقتصادي الأخرى؛ كالسياحة والزراعة والنقل والخدمات اللوجستية. يتطلب الأمر ضمان الأمن وانتهاء تبادل إطلاق النار تماماً والقضاء على تهديدات الجماعات الإرهابية لعودة كل تلك الأنشطة؛ وبالتالي عودة النشاط الاقتصادي على الأقل إلى مرحلة ما قبل 2014، قبل استيلاء الحوثيين على السلطة، أو عودته إلى ما قبل ثورة الشباب اليمنية 2011.

وعلى الرغم من أن الوضع الاقتصادي كان بالفعل يمر بمرحلة من التدهور منذ ما قبل الأزمة؛ فإن التحديات التي كانت تتسبب في تلك الحالة يمكن إدارتها من خلال نظام الحكم الرشيد والقضاء على الفساد المستشري وتنويع الاقتصاد وانتهاج سياسة خارجية حكيمة ومتوازنة وسياسة حكومة جاذبة للاستثمارات.

اقرأ أيضاً: مبادرة سلام خليجية جديدة تشرك الحوثيين في اليمن.. فهل تنجح؟

أشارت المادة 4 من إعلان مجلس قيادة الرئاسة بالفعل إلى أغلب تلك المتطلبات؛ لكنها لم تقل شيئاً حول إعادة النشاط الاقتصادي المتوقف أساساً، والذي كان يحافظ على استقرار صرف العملة؛ وبالتالي قدرة شرائية أقل ضعفاً واضطراباً. وربما يكون السبب في ذلك هو وجوب ضمان نتائج إيجابية أولاً مع طرف الحوثيين من خلال التفاوض المُرتقب.

لكن، ولإجراء تحسينات سريعة على الاقتصاد، وليس قيادة الاقتصاد نحو التعافي، تعهد كل من الإمارات والسعودية بـ3 مليارات دولار لدعم الاقتصاد، وهناك أنباء عن برنامج مشتقات نفطية متجددة. وعلى الرغم من أن البلاد تحتاج إلى بضعة مليارات أخرى لتحسين وضع ميزانها التجاري بشكل ملحوظ، واستئناف إنتاج النفط والغاز بشكل طبيعي؛ فإن الدعم الأخير يمكن أن يساعد الاقتصاد على التقاط بعض الأنفاس وتقليل الخناق نسبياً.

انهيار الريال اليمني أحد أبرز آثار الأزمة في اليمن- AFP

يرتبط مستقبل اليمن بشكل وثيق بمعالجة المسائل العالقة من جذورها، وبناء علاقات مثمرة ووثيقة وتكاملية مع دول الجوار، وضمان آلية عقلانية لتحقيق مصالح كل طرف مهما بدت متعارضة؛ وهي مصالح يُفترض بها أن تؤدي في النهاية إلى قيام الدولة بواجبها الأساسي المتمثل في حماية الشعب وتحقيق الرفاهية.

يواجه البلادَ حالياً تحديان أساسيان ينبغي التعامل معهما بحذر؛ الأول هو مشكلة الحوثيين والثاني هو القضية الجنوبية. وفي حين أن الجنوبيين لا يزالون يتماشون سياسياً مع الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً ويلتزمون بتقديم النهج السلمي والانخراط الجماعي في أي حلول ممكنة، إلا أن الحوثيين ينتهجون مساراً عدائياً أقل مرونة بكثير، وفي الوقت الذي يدخلون فيه إلى مسار الدبلوماسية الجادة ستكون البلاد قد خطت بالفعل خطوة نحو الاستقرار سوف يعززها التفكير الواقعي المجرَّد من أي أطماع لتقرير المصير بشكل يضمن مصالح الداخل ويتفهم مخاوف الخارج.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة