الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

اليسار والإسلاميون في تونس.. مصالح وقتية أم تحالف دائم؟

بعض اليساريين في تونس اختاروا الارتماء في أحضان الحركات الإسلامية طمعاً في السلطة.. والتيار يمر بأسوأ مراحله التاريخية

كيوبوست

تتحالف اليوم في تونس بعض القوى اليسارية مع القوى الإسلامية اليمينية؛ لمواجهة التدابير الاستثنائية المتخذة من قِبل الرئيس قيس سعيد، والتي يعتبرونها “انقلاباً على الشرعية والدستور”. مشهد بدا مناقضاً لحالتَي الصدام والقطيعة الدائمتَين والعلنيتَين بين الجانبَين بعد ثورة الـ14 من يناير 2011؛ خصوصاً بعد الاغتيالات السياسية التي طالت قياديَّين يساريَّين سنة 2013، وتُتَّهم حركة النهضة الإسلامية بالوقوف وراءها.

لكنه أيضاً بدا شبيهاً لمرحلة سابقة تعود إلى سنة 2005؛ التقى فيها الطرفان في ما سُمي حينها بهيئة 18 أكتوبر؛ لمعارضة الرئيس الأسبق الراحل زين العابدين بن علي. ورغم هذا اللقاء الذي جمع بعض القوى اليسارية مع الإسلاميين؛ فإن قسماً مهماً من الأحزاب اليسارية ما زال يتمسك بعدم التقارب مع الإسلاميين حتى إن التقيا في المواقف من مشروع قيس سعيد.

وأعادت أحداث 25 يوليو 2021 الجدلَ حول علاقة اليسار التونسي بالإسلاميين الذين لم يخفوا عداءهم الظاهر لليسار، مقابل إصرار الأخير على لعب دور المنقذ لهذا التيار الرجعي، في خطوة عمقت الشعور بالخذلان لدى جماهير اليسار والتقدميين الذين انتفضوا تدريجياً عن هذه الأحزاب.

اقرأ أيضاً: “اليسار الإسلاموي” و”البوتقة الإسلاموية” في فرنسا 1-2

وبعد الإجراءات الاستثنائية التي قام بها الرئيس قيس سعيد، تبنى “حزب العمال” وعدد من الشخصيات اليسارية ذات المواقف التي صدحت بها حركة النهضة، وخاض بعض الشخصيات المحسوبة على اليسار إضراب جوع جنباً إلى جنب مع شخصيات إسلامية، وكان المشهد الأكثر ترجمة لهذا التقارب هو لقاء شيخ اليسار الماركسي عز الدين الحزقي، مع زعيم حركة النهضة الإسلامية راشد الغنوشي، قبل أشهر.

حالة انسجام

عندما التقى الحزقي والغنوشي تفاجأ الرأي العام بحالة الانسجام التي بدت بين الرجلَين في البداية، ثم تلتها حالة صدمة من دفاع الحزقي عن الغنوشي وتلويحه بإمكانية التلاقي مع حركة النهضة وانتقاده اليساريين الذين ظلوا رافضين للتقارب مع الحركة حتى إن كان خصمهم واحداً. وذهب قسم كبير من التونسيين إلى الجزم بأن الحزقي بهذا الموقف قد أساء إلى تاريخه النضالي من أجل جملة من المبادئ يعي جيداً أن الحركة لا تؤمن بها ولم تدافع عنها يوماً؛ كالحريات والحقوق، وأنه إنما اختار التخندق وراء الحركة في هذا الظرف السياسي الدقيق؛ طمعاً في أن ينال ابنه جوهر بن مبارك، منصباً سياسياً لاحقاً في حال عودة “النهضة” إلى السلطة كما أمل وتوقَّع.

لقاء الغنوشي والحزقي كان صدمة- (صورة من مواقع التواصل الاجتماعي)

وهذا الاعتقاد الذي ساد مرده أساساً ما اقترفته حركة النهضة عندما كانت تمسك بزمام الحكم في تونس تجاه اليساريين؛ حيث جندت جيوشها الإلكترونية لشن حملات يومية لتكفير اليسار التونسي ووصمه بالعمالة للقوى الاستعمارية وتصويره على أنه عدو للإسلام والعروبة، والسخرية منه عبر إطلاق كنية “صفر فاصل” على مختلف تياراته وزعمائه؛ والتي اعتمدوها بناء على نتائج اليسار في الانتخابات. هذا فضلاً عن ضلوع حركة النهضة في اغتيال المناضلَين اليساريَّين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، حسب تقارير هيئة الدفاع عن الرجلَين؛ أي أن ما بين التيارَين الآن دم وشهداء عمَّقَ الشرخَ والقطيعة بينهما وترك انطباعاً عاماً لدى عموم التونسيين؛ خصوصاً أبناء اليسار من الشباب، مفاده أنه لا تقارب ولا التقاء مع الإسلاميين.

اقرأ أيضاً: “اليسار الإسلاموي” و”البوتقة الإسلاموية” في فرنسا 2- 2

لكن يبدو أن التوجس المبالغ فيه أحياناً من “عودة الاستبداد” دفع قسماً من اليساريين إلى التخندق مع “النهضة”، علماً بأن هذا التقارب لن يؤدي إلا إلى مزيد من تآكل خزان اليسار الانتخابي الذي تراجع بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، إلى درجة أنه لم ينجح في حصد أي مقعد في البرلمان في الانتخابات التي جرت في 2019.

فاليسار التونسي ظل دائماً قريناً بالنضال من أجل الحريات والحقوق الاجتماعية والاقتصادية في البلاد، وبهذا التخندق إلى جانب الحركة الإسلامية يكون قد أعلن القطع مع التيار التحديثي والقطع مع الجماهير التي تبنت أفكاره منذ عقود طويلة من أجل هذه الميزة تحديداً؛ إذ لن يكون من السهل على القسم الذي اختار السير وراء الإسلاميين أن يقنع الجماهير، لا سيما الشباب، التي آمنت بأفكارهم بأن اليمين الديني سيدافع عنها، والحال أنهم يعون جيداً أن ما يحمله اليسار من تصورات وأفكار وبرامج تتعارض جوهرياً مع فكر الإسلاميين.

هناك شهداء بين اليسار والإسلاميين- (صورة وكالات)

تقارب قديم

والتقارب بين اليساريين أو جزء منهم مع الإسلاميين ليس وليد هذه الأيام في تونس؛ حيث التقى هؤلاء سابقاً في خوض صراع مع الرئيس الأسبق الراحل زين العابدين بن علي، في سياق ما أُطلق عليه هيئة 18 أكتوبر؛ التي أُنشئت في 2005، وتكونت من نشطاء سياسيين من توجهات سياسية مختلفة على غرار حمة الهمامي، الناطق الرسمي لحزب العمال الشيوعي التونسي، وأحمد نجيب الشابي، أمين عام الحزب الديمقراطي التقدمي، حينها، وعبدالرؤوف العيادي، نائب رئيس المؤتمر من أجل الجمهورية، في تلك الفترة، وسمير ديلو القيادي في حركة النهضة. وتم حينها، تنفيذ إضراب جوع تحت شعار “الجوع ولا الخضوع” قبل انطلاق قمة المعلومات للمطالبة بحرية العمل الحزبي والجمعياتي وحرية الإعلام والصحافة وإنهاء معاناة المساجين السياسيين.

المؤرخ التونسي عبدالجليل بوقرة، والمختص في تاريخ اليسار التونسي، يرى أن هذا التيار، بجناحَيه الماركسي والقومي العربي، يمر اليوم بأسوأ مرحلة منذ أن ظهر في تونس، معتبراً أن اليسار قد ذبح نفسه بـ”سكين مشحوذ” عندما أضاع فرصة تاريخية بعد 2011 في قيادة التيار التحديثي والتنويري في البلاد، مشدداً على أن الاقتراب من الإسلاميين أصبح معروفاً لدى اليساريين.

وقال لـ”كيوبوست”: “لقد تعمد اليسار التونسي الاقتراب من الإسلاميين في تونس أكثر من مرة، وتحالف مع حركة النهضة، منذ عهد حكم الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، في ما سُمي بهيئة 18 أكتوبر. وأستطيع القول إن الاقتراب من الإسلام السياسي يجمع كل التيارات اليسارية بوعي أو من دونه. لقد واجه اليسار التونسي منذ أواسط سبعينيات القرن الماضي، أزمة هيكلية حادة أدت إلى تشرذمه وتضرره، ورغم توزع المسارات داخله واختلافها؛ فإن ما بقي يجمع بين أغلب تياراته، مع استثناءات قليلة، هو الاقتراب من اليمين الديني؛ خصوصاً الإسلاميين”.

اقرأ أيضاً: ارتباك المعارضة التونسية بعد نجاح الاستفتاء.. الأسباب والتداعيات!

عبدالجليل بوقرة

وأضاف: “اليسار قطع بذلك صلته بالتيار التحديثي، وأصبح تابعاً للتيار المحافظ التقليدي، باستثناء جانب من التيار الوطني الديمقراطي الذي ظل على معارضته الجوهرية للتيار الإسلامي ومتمسكاً بالتقاليد الفكرية العلمانية والتحديثية لليسار التونسي. ما يمكن قوله هو أن المشروع اليساري انتهى في تونس، وعلينا انتظار ظهور جيل جديد يُقَيِّم التجربة ويُعيد قراءتها وإنتاجها”.

ورغم ظهور مؤشرات عن تقارب اليسار التونسي مع الإسلاميين ولو على مستوى المواقف؛ فإن بعض القيادات تحاول نفي أي تقارب بين الجانبَين على غرار الأمين العام لـ”حزب العمال” التونسي حمة الهمامي، الذي شدد في حوارات مع إذاعات محلية على أن حزب العمال مستقل عن “النهضة” وعن قيس سعيد، بقوله “نحن خط مستقل عن هذا وذاك، والشعار الذي رفعناه في الأيام الأخيرة كان واضحاً، وهو النضال من أجل إسقاط المشروع الشعبوي الاستبدادي، مع سد الباب أمام اليمين الإخواني والدستوري”.

حزب العمال يتمسك بعدم التحالف مع الإسلاميين- (صورة وكالات)

تجارب عربية

وتجدر الإشارة إلى أن تجارب التقارب بين اليسار والإسلاميين في العالم العربي حدثت في عدة دول، وكانت نتيجتها في الغالب وخيمة على التيارات اليسارية؛ لأنها تحالفات قائمة على المصالح، في حين تختلف الأفكار والمشروعات حد التضاد التام.

ففي المغرب، أدى تحالف حزب “الاتحاد الاشتراكي” العريق، مع حزب “العدالة والتنمية” الإسلامي، إلى تقهقر الاتحاد وخسارة شعبيته الكبيرة التي كان يتمتع بها على مدار عقود. وفي العراق حين تحالفت قيادة الحزب الشيوعي مع الإسلاميين لإسقاط النظام السابق، أوقعت نفسها في براثن الوصولية والنعرات الطائفية.

القيادي اليساري جنيدي عبدالجواد، أكد بدوره أنه رغم مشكلات اليسار العديدة؛ فإن ذلك لن يحمل هذا التيار للتحالف مع الإسلاميين قطعاً، نظراً للاختلافات الجوهرية في العديد من المسائل.

جنيدي عبدالجواد

وقال لـ”كيوبوست”: “لقد فشل اليسار في انتزاع القيادة في تونس رغم تاريخه النضالي الطويل؛ بسبب انقساماته المتتالية، وأجهضت كل محاولات توحيده، وكان فشلها بسبب غياب الرغبة الحقيقية في التوحد، فضلاً عن مرض الزعامة الذي أصاب عدداً من القيادات اليسارية، والذي أدى إلى هزيمة اليسار في مناسبات مختلفة؛ بعضها كانت هزائم مدوية. ولكن رغم ذلك لا يمكن الحديث عن توجه اليسار للتحالف مع الإسلاميين، فهذا التيار يحمل مشروعاً وفكراً مختلفاً عن مشروع وفكر الإسلام السياسي، ولا يمكن بأية حال من الأحوال أن يلتقيا معاً.

وتحالف قسم من اليسار أو بعض الأسماء اليسارية مع الإسلاميين هو خيار لا يعكس رؤية وتوجه كل التيارات اليسارية، وإن كانت ارتدادات هذا الموقف وخيمة؛ خصوصاً على صورة اليسار الذي ظل دائماً على النقيض مع الإسلاميين ومع فكرهم، “كما أن خطأ هذا القسم الذي اختار الالتقاء مع الإسلاميين هو أنهم لم يتمثلوا جيداً خطورة مشروع الإسلاميين على أكثر من صعيد”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة