الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

“اليسار الإسلاموي” و”البوتقة الإسلاموية” في فرنسا 1-2

تحالف جديد معادٍ للغرب وفي خدمة الإخوان المسلمين

كيوبوست- ترجمات

 ألكسندر دل فاللي♦

ترجمة: نور الدين تليلي

في الأسابيع الأخيرة، أثارت عبارة “اليسار الإسلاموي” (l’islamo-gauchisme) جدلاً كبيراً في فرنسا؛ لكن لا يجب إنكار أن لهذه العبارة صلة بواقعٍ يصعب تجاهله، والمتمثل في تحالف بين القوى الإسلاموية المُهدِّدة لكيان وقيم الجمهورية الفرنسية من جهة، وبعض المثقفين والصحفيين والمسؤولين السياسيين المعروفين بانتمائهم إلى تنظيمات فكرية وسياسية يسارية، من جهةٍ أخرى؛ فأتباع هذه التنظيمات اليسارية يرفضون التنديد بالإسلام المتشدد بتعلّة أن ذلك يُعتبَر نوعاً من “الإسلاموفوبيا”؛ أي معاداة الإسلام والمسلمين. في الواقع، فإن هذا التحالف بين الطرفين أُقيم لخدمة هدفٍ مشترك يتقاسمانه، وهو معاداة أكثر من طرف لا يتفقان معه سياسياً وثقافياً؛ مثل الغرب ذي الثقافة اليهودية- المسيحية، والأحزاب السياسية ذات النزعة القومية والدول الديمقراطية.

اقرأ أيضاً: جمعية “مسلمي فرنسا”.. ذراع الإخوان المسلمين التي تتحرك بحرية!

بعد تصريحها الصادر في فبراير 2021 بأن “اليسار الإسلاموي” ينخر المجتمع والمؤسسات الأكاديمية في فرنسا، قام نحو 600 باحث ومدرس جامعي في فرنسا ممن ينتمون إلى اليسار بإمضاء عريضة تم نشرها على أعمدة يومية “لوموند” تطالب باستقالة “فريديريك فيدال” Frédérique Vidal، وزيرة الجامعات والتعليم العالي في فرنسا؛ لكن نشير هنا إلى أن عبارة “اليسار الإسلاموي” ليست من صنيع اليمين المتطرف المعروف بعدائه إزاء الإسلام والمهاجرين من أصولٍ مسلمة بصفة عامة، ولا يمكن بالتالي تبويبها في خانة أدبيات الحركات السياسية الفرنسية المعادية للأجانب؛ بل هي عبارة أصبحت جد منتشرة في الأوساط الجامعية والأكاديمية الفرنسية، مثل ما يؤكده الفيلسوف الفرنسي والباحث في العلوم السياسية والمدير السابق للبحوث في المعهد الوطني (الفرنسي) للبحث العلمي، “بيار-أندري تاجيّاف” Pierre-André Taguieff، المختص في معاداة السامية والتنظيمات اليسارية. في كتابه «المعاداة الحديثة لليهود» La nouvelle judéophobie، الذي نشره سنة 2000 في أوج الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وتحدث فيه عن عمليات الاعتداء على مواطنين فرنسيين يهود في ضواحي كبريات المدن الفرنسية من قِبل عناصر من أصول عربية أو إسلامية لاقت مساندة من أتباع تنظيمات يسارية، ندَّد تاجيّاف بما سمّاه “خليطاً يسارياً عالماً-ثالثياً” يضم في صفوفه بعض الحركات الإسلاموية والذي كان آنذاك (ولا يزال) يغذَّي المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين. ولكن الحكومات الفرنسية المتعاقبة؛ سواء أكانت من اليمين أم من اليسار، تجاهلت ما كان يشير إليه هذا الأكاديمي الفرنسي من خطر يمثله هذا التحالف “الأحمر- الأخضر” على المجتمع.

بدلاً من محاربة العنصرية الممنهجة.. فرنسا تريد “إصلاح” الإسلام- “ذا واشنطن بوست”

في كتابٍ آخر عنوانه «نحن والإسلاموية» L’islamisme et nous، نشره سنة 2016، توقف نفس الكاتب على مظاهر أخرى أصبحت شبه مألوفة في الفضاء العام في فرنسا، كالاجتماعات التي ينظمها حزب “أهالي الجمهورية”  Les Indigènes de la République(يضم خليطاً من الفرنسيين من أصول غير أوروبية)، والتي يتم فيها فصل الذكور عن الإناث، وإقامة منتجعات صيفية “خالية من الاستعمار”؛ أي أنه لا يسمح للمواطنين الفرنسيين من أصول أوروبية بالولوج إليها على اعتبار أنهم يمثلون “فرنسا الاستعمارية”. فوفقاً لهذا الأكاديمي تم تطويع قضية النضال ضد أشكال العنصرية والاستعمار لخدمة الفكر اليساري المتأثر بالإسلاموية، والدفاع عن قضايا ذات نزعة عرقية بحتة.

لقد انتشر استعمال عبارة “اليسار الإسلاموي” في الأوساط الفكرية والأكاديمية الفرنسية، والدليل على ذلك تبنِّي هذه العبارة من قِبل أبرز وجوه الإعلام والأدب والفلسفة في فرنسا؛ مثل الفيلسوف “آلان فينكلكروت” Alain Finkielkraut و”كارولين فورست” Caroline Fourest و”جاك جوليار” Julliard Jacques و”إيليزابات بادنتر”  Élisabeth Badinter و”باسكال بروكنر” Pascal Bruckner و”برنارد هنري ليفي” Bernard-Henry Lévy، وحتى “اتحاد الأُسَر اللائكية” UFAL المعروف بدفاعه عن قيم ومبادئ الجمهورية.

اقرأ أيضًا: الإسلام السياسي في فرنسا والتوجه نحو الاستثمار في التعليم

من جانبه، ندد الكاتب والصحفي “فرانتس أوليفيي جيزبار” Franz-Olivier Giersert المعروف بمناهضته لكل أشكال الفكر الكلياني بما سمَّاه “تعاون جزء من اليسار الفرنسي مع الحركات الإسلاموية”؛ مما أدى، حسب قوله، إلى “ولادة يسار إسلاموي أصبح كيانه ظاهراً للعيان؛ مما يدل على التآكل الفكري والمعرفي لليسار التقليدي”[1]. أما المؤرخ “جاك جوليار” فيعتبر أن انتعاش “اليسار الإسلاموي” في فرنسا يرجع الفضل فيه إلى حفنةٍ من المثقفين من أقصى اليسار الذين يتمتعون بنفوذ كبير في الأوساط الإعلامية؛ وهو ما سمح لهم بتحصين الإسلام على الساحة السياسية الفرنسية[2].

ويؤكد هذا المؤرخ أن الذي دفع بهؤلاء المثقفين اليساريين إلى تبنّي هذا النوع من الفكر الكَنَسي الجديد (أي هيمنة الفكر الإسلاموي على المجتمع الفرنسي الحالي مثلما كان الفكر الكَنَسي يهيمن على المجتمعات الأوروبية في القرون الوسطى)، والذي ما انفك يستهوي عدداً متزايداً من المثقفين في فرنسا؛ ليس دفاع هذا الفكر الجديد عن المحرومين والفقراء مثل ما يَدَّعي أصحابه، بل لأن الطبقة المثقفة التي تعتنق مثل هذه الأفكار أصبحت هي ذاتها عنواناً للعنف منذ بداية القرن العشرين. ويضيف “جاك جوليار” أن هذا التحالف بين جزءٍ من اليسار الفرنسي والحركات الإسلاموية، نشأ في وقتٍ تبنت فيه هذه الأخيرة العنف الدموي والإرهاب الأعمى وثقافة قطع الرؤوس.

اقرأ أيضًا: كيف تشكل الإسلاموية تحديًا خطيرًا للمجتمعات الديمقراطية؟

الإخوان المسلمون أكبر المستفيدين من تغلغل اليسار الإسلاموي في الأوساط الأكاديمية والإعلامية في فرنسا

دون مفاجأة، نجد الإخوان المسلمين في قلب هذا التحالف بين قوى اليسار والتنظيمات الإسلاموية؛ فكلاهما يتقاسمان مناهضتهما لأكثر من طرف، وكان طارق رمضان، حفيد مؤسس تنظيم الإخوان المسلمين، من أبرز الوجوه التي تروِّج لهذا التحالف قبل أن ينكشف أمره مؤخراً بعدما وجَّهت إليه النيابة العامة في كل من باريس وجنيف تهمة اغتصاب عدد من النساء.

الإخوان المسلمون يؤدلجون مسلمي فرنسا- VOA

في 22 مايو 2016 أثارت تصريحات “إيمانويل فالس” Emmanuel Valls الوزير الأول السابق في عهد الرئيس هولاند، جدلاً كبيراً في فرنسا؛ حيث استعمل عبارة “اليسار الإسلاموي”، مندداً باستسلام حزب “فرنسا الأبيَّة” (من أقصى اليسار) وتقاربه مع حزب “أهالي الجمهورية”، معتبراً أن هذا التقارب يمثل حاضنة للعنف والتشدد الإسلاميَّين. وجاء تصريح هذا المسؤول الفرنسي عقب دعوة نشرتها حينها “كليمونتين أوتان” Clémentine Autain، إحدى وجوه حزب “فرنسا الأبية”، دعت فيها أنصارها إلى حضور أحد اجتماعات طارق رمضان. وصادف أن تزامن هذا الجدل مع جدل آخر عرفته الساحة السياسية في فرنسا، آنذاك، حول الفصل الثاني من قانون الإرهاب الذي تمت مناقشته في البرلمان الفرنسي، والذي ينص على إمكانية غلق دور العبادة التي تبث خطاباتٍ تحريضية مناهضة لقوانين ومبادئ الجمهورية الفرنسية. وكان عدد من نواب أقصى اليسار، هؤلاء أنفسهم الذين صوتوا سنة 2010 ضد قانون منع البرقع في الفضاء العمومي، قد أودعوا مذكرة لدى مكتب البرلمان الفرنسي تطالب بإعادة صياغة هذا الفصل، مُدَّعين أن إغلاق دور العبادة التي تشجع على التطرف الإسلامي ليس مجدياً؛ بل هو خطير وغير ضروري.

في حقيقة الأمر، يلائم احتراز نواب حزب “فرنسا الأبية” إزاء هذا الفصل من قانون الإرهاب، الإخوان المسلمين الذين يعارضون أي تشريع يحدّ من حرية تحركاتهم؛ هؤلاء الإخوان الذين يتمتعون بخبرة كبيرة في الضغط والتأثير على بعض الشخصيات السياسية الفرنسية، وبعض المسؤولين المحليين؛ خصوصاً أعضاء المجالس البلدية التي تسيطر عليها أحزاب ذات توجه يساري والواقعة في ضواحي بعض كبريات المدن الفرنسية التي تحتضن عدداً كبيراً من السكان ذوي الأصول المسلمة.

يسعى ماكرون لوضع ضوابط للأئمة في فرنسا – وكالات

فهذا التحالف “الأحمر الأخضر” بين الطرفين، وصلت ذروته سنة 2015 عندما شاركت “دانيال أوبونو” Danièle Obono؛ نائبة في البرلمان الفرنسي عن حزب “فرنسا الأبية”، في الذكرى العاشرة لميلاد حزب “أهالي الجمهورية” المعروف بعدائه للسكان الفرنسيين من أصل أوروبي، ودفاعه المستميت عن الإسلاموية. وبرَّرت، آنذاك، هذه النائبة حضورها في احتفالات هذا الحزب بأن هذا الأخير ينتمي إلى العائلة المناهضة للعنصرية، وأنها لا ترى حرجاً من العمل مع أشخاص “لا يشاطرونها الرأي” حول عددٍ من القضايا، معتبرةً أن مصطلح “التطرف” هو مصطلح علمي غير خالٍ تماماً من الجدل. كما أنها عبَّرت عن “شكوكها” بشأن وجاهة عبارة “التطرف الإرهابي” المستعملة على نطاق واسع.

اقرأ أيضاً: لماذا يرفض إخوان فرنسا التوقيع على ميثاق القيم الجمهورية؟

موقع “ميديا بارت” ومؤسسه “إدوي بلينال”.. بابا اليسار الإسلاموي وزعيم ترذيل الخصوم

 لا يمكن الحديث هنا عن اليسار الإسلاموي دون ذكر “إدوي بلينال” Edwy Plenel مؤسس موقع “ميديا بارت” Mediapart الشهير، والرئيس السابق لهيئة تحرير يومية “لوموند”. هذا المناضل اليساري المتشبِّع بالفكر التروتسكي يُعَد من أكبر مناصري الإخوان المسلمين والإسلاموية في فرنسا. فهو مؤلف كتاب عنوانه «إلى المسلمين» Pour les musulmans وهو بمثابة لائحة اتهام يغلُب عليه لغة الضحية، وهو من أهم المنشورات التي يقبل عليها الإخوان المسلمون في فرنسا. في هذا الكتاب يدافع “إدوي بلينال” على طرح مفاده أن السكان المسلمين في فرنسا والذين ينحدرون من أصول غير أوروبية هم بمثابة “يهود فرنسا الجُدُد”، وهو ما يعني، حسب قوله، أن هؤلاء السكان أصبحوا ضحية لأبشع وجه للعنصرية وهو معاداة الإسلام والمسلمين (ما يعادل معاداة السامية، حسب زعمه).

تظاهرة للمسلمين في فرنسا- “جيتي إيماج”

كما يزعم مؤسس موقع “ميديا بارت” أن الإسلام أصبح اليوم كبش الفداء الأكثر تداولاً في الأوساط السياسية والإعلامية والفكرية في فرنسا. كما ندَّد بالقوانين العلمانية التي تطبقها الجمهورية الفرنسية منذ ما يزيد على قرن ونيف. فهو يعتبرها بمثابة سلاح وُضِع من أجل محاربة الأقليات الدينية والعرقية في فرنسا؛ خصوصاً المهاجرين من أصول مسلمة. ويدَّعي “إدوي بلينال” أن كتابه هذا هو بمثابة رد عقلاني على حفنة من الأشخاص في فرنسا أضحى تصرفهم المعادي للإسلام والمسلمين في فرنسا مرادفاً لعداء مجتمعي شامل ضحيته المهاجرون المسلمون الذين يقدمهم على أنهم مجموعة مثالية متكاملة لا يُشقُّ لها غبار. فهو لا يجرؤ على مجرد انتقاد الفكر الإسلاموي. كما أن مقاربته لمسلمي فرنسا هي مقاربة شاملة تفتقر إلى الدقة، ومبنية على أسسٍ عرقية وفئوية؛ فهو مثلاً يدعو إلى السماح للنساء المسلمات بلبس البرقع والبوركيني (لباس خاص بالسباحة) في الفضاءات والمرافق العمومية في فرنسا، معتبراً هذه الرموز الإسلامية التي تقبل عليها بعض النسوة المسلمات مجرد قطع من القماش لا تختلف عن مثيلاتها من الملابس الأخرى[3].

اقرأ أيضاً: إشكالات الإرهاب المتجددة في فرنسا

بقطع النظر على أن مثل هذا الطرح لا يرتقي إلى مقاربةٍ فكرية ذات شأن، نشير إلى أن دفاع “ميديا بارت” المستميت عن الإخوان المسلمين أحدث شقاقاً في هيئة تحرير هذه الصحيفة الرقمية نفسها؛ فمثلاً قرر محمد لويزي، وهو عضو سابق في تنظيم الإخوان المسلمين، التوقف عن نشر مقالاته على موقع “ميديا بارت”، مندداً بالتحالف “الأحمر- الأخضر”، في إشارةٍ إلى تحالف مدير الموقع مع الإخوان المسلمين؛ فوفقاً لهذا العضو المنشق عن تنظيم الإخوان المسلمين أصبح موقع “ميديا بارت” آلة دعاية يستعملها “إدوي بلينال” لخدمة الحركات السلفية والإخوانية المعادية لقوانين الجمهورية، وذلك في تجاهلٍ متعمد للضوابط الأخلاقية للعمل الصحفي. ويضيف محمد لويزي أنه إذا تمعنَّا في المصطلحات والمعاني التي يستعملها هذا الموقع في دفاعه عن الإخوان المسلمين، نلاحظ أنها تشبه كثيراً مثيلاتها التي يمكن أن نقرأها في خطابات الحركات الإسلاموية؛ وهو ما يعني أن مثل هذه الأدبيات لا تترك حيزاً ولو ضئيلاً للنقاش الحر. فهذه الأدبيات والمصطلحات خُلقت خصيصاً لخدمة فكر الإخوان المسلمين وقضاياهم، وذلك على حساب المصالح العليا للدولة والمجتمع الفرنسيين، والجالية المسلمة نفسها[4].

92 في المئة من مسلمي فرنسا صوتوا لماكرون- وكالات

يصنِّف المفكر “باسكال بوركنار” “إدوي بلينال” مؤسسَ موقع “ميديا بارت”، في خانة البوتقة الإسلاموية التي بدأت تنشط بصفةٍ منتظمة مباشرة، بعد أحداث مايو 1968. وكان من بين أهدافها زعزعة أركان المجتمع الفرنسي، وتغيير قيمه الثقافية المستمدة من الإرث الحضاري الغربي، ومحاولة فرض قيم جديدة عليه تغذيها موجات الهجرة غير المنظَّمة.

يقوم “إدوي بلينال” بدورٍ نشيط في هذه المهمة يعاضده فيها عالم الاجتماع والباحث في المركز الوطني للبحث العلمي “فنسان جيسار” Vincent Geisser، صاحب كتاب «الإسلاموفوبيا الجديدة» La nouvelle islamophobie؛ وهو عن لائحة اتهام ضد الجمهورية ومبادئها، وضد كل مَن ينتقد هيمنة الحركات الإسلاموية على المجتمع الفرنسي.

كما نضيف إليهما باحثاً آخر في نفس المؤسسة الأكاديمية وهو “فرنسوا بورجا” François Burgat المعروف بتأييده لطروحات الإخوان المسلمين، والحركات الإسلاموية عموماً. وحسب “باسكال بروكنار”، مصطلح “البوتقة الإسلاموية” يعني مجموعة الأشخاص الذين يعملون كقوة ضغط وتأثير لصالح الحركات والجمعيات ذات النزعة الإسلاموية؛ مثل بعض الجمعيات الناشطة في مجال حقوق المهاجرين، وكذلك السياسيين والمثقفين الذين يتبنون أو يساندون الفكر الإسلاموي، أولئك الذين يعتبرهم المؤرخ “جاك جوليار” بمثابة حُرّاس فِكْرٍ كَنَسِي جديد يسعون دائماً إلى نزع سلاح خصومهم، وفي نفس الوقت يتناسون أن غياب التسامح واعتماد العنف كوسيلة للهيمنة هي السمات الأساسية التي تميز الجماعات الإسلاموية عن غيرها من التنظيمات.

اقرأ أيضًا: بين صموئيل وصوفي.. فرنسا تقف حائرة أمام التعامل مع الانفصالية الإسلامية

ويُشَبِّه “جاك جوليار” هؤلاء المثقفين المتحالفين مع هذه الجماعات بالمتعاونين مع السلطات النازية أيام الاحتلال النازي لفرنسا، مع فارق وحيد وهو أن المتعاونين الجدد يُقْحِمون الله في دفاعهم عن العنف الذي تقوم به جماعات الإسلام السياسي، ويدَّعون أن هذه الأخيرة لا علاقة لها بما يُعاب عليها من مآخذ، ويتماهون في نشر شعاراتٍ فضفاضة على شبكة “تويتر” تُنزِّه هذه الجماعات؛ مثل “ليس الإسلام”، “لا للخلط” أو “الإسلام دين سلام ومحبة”. فبالنسبة إلى بعض التنظيمات اليسارية الفرنسية، الحركات الإسلاموية التي تستعمل أو تساند العنف لا يمكن تحميلها مسؤولية انفراد بعض المسلمين بتأدية شعائر دينية مختلفة عن الغالبية العظمى لبني جلدتهم أو تبنيهم أفكاراً تخالف تعاليم الدين الإسلامي.

قاعات الصلاة تحتل مكاناً بارزاً في الحياة الثقافية لمسلمي فرنسا- “أ ف ب”

وكأنهم يريدون القول إن الإرهابي الذي يقتل الأبرياء ويقطع الرؤوس دون وجه حق غير مسؤول عن أفعاله، وكأن هذه الحركات الإسلاموية غير مسؤولة عما قام بفعله أي إرهابي تَغَذَّى بفكرهم. في المقابل، يسعى أنصار هذه التنظيمات اليسارية وحلفاؤهم من الإسلامويين إلى تحميل مسؤولية ما يحدث من إرهاب ومحاولة زعزعة لأركان المجتمعات الغربية إلى الدول الغربية ذاتها.

في نهاية المطاف، يمكننا أن نقول إن البوتقة الإسلاموية تعتمد في تحركاتها ليس فقط على بعض “الأغبياء الصالحين”، بل على عناصر فعّالة تعمل تحت إمرة الجماعات المتطرفة ذات النزعة الوهابية والإخوانية.

♦كاتب فرنسي- إيطالي مختص في العلاقات الدولية، يتعاون مع “مركز الشؤون السياسية والخارجية” بباريس

المراجع:

Franz-Olivier Giesbert, Le théâtre des incapables, 8 mars 2017.  [1]

[2] Jacques Julliard, « Qu’est-ce que l’islamo-gauchisme ? », Le Figaro,‎ 26 août 2016.

[3] Edwy Plenel, «Un vêtement comme les autres»…, Mediapart, 14 août 2016.

[4] Louizi, Mohamed (2016), “Je me désabonne”, Savoir ou se faire avoir, 5 mars 2016.

المصدر: دورية أتلانتيكو

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة