الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

الولايات المتحدة والمسلمون وعالم ما بعد 11 سبتمبر

كيوبوست – ترجمات

فرح بانديث♦

بمناسبةِ الذكرى العشرين لأحداث الحادي عشر من سبتمبر نشر مجلس العلاقات الخارجية مقالةً للخبيرة الاستراتيجية في السياسة الخارجية، ومكافحة التطرف العنيف؛ فرح بانديث، قالت فيه إنه رغم وقوع الكثير من المسلمين ضحايا للهجمات العنيفة، فإن أوضاعهم تغيرت كثيراً في الاتجاه السلبي، سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها.

اقرأ أيضاً: “الذئاب المنفردة”..ظاهرة غربية متطرفة تستدعي حلاً على نطاق عالمي

فمنذ أزمةِ الرهائن في إيران عام 1979، لم يشهد المسلمون الأمريكيون ذلك النوع من التدقيق الشديد، وانعدام الثقة الذي أُطلق له العنان بعد الهجمات. حيث تعرضوا للاعتداء البدني، والإيذاء العاطفي، والتمييز، إلى جانب المحادثات التي غالباً ما تكون مسيَّسة حول “الإسلام الحقيقي”، والتي شكلت بدورها بيئة سامة للمسلمين الأمريكيين.

وأكدت بانديث أنه على الرغم من أن أغلب الأمريكيين لم يساهموا في فكرة وجود شيء سيئ بشكلٍ متأصل في الإسلام، فإنه كان هناك ما يكفي من أصوات الكراهية، والمعلومات المضللة المتعمدة، وسوء الفهم الحقيقي، لخلق رسالة قوية مفادها: أن المسلمين لا يمكن الوثوق بهم. حيث تعمقت الانقسامات في المجتمع الأمريكي، فيما بعد الهجمات، وساهم في ذلك التغيرات التي أحدثتها ثورة التكنولوجيا والإعلام، والتسلح بالمعلومات المضللة، فضلاً على الخيارات غير الموفقة للسياسات الخارجية.

مسلمات أمريكيات خلال حفل تأبين لضحايا هجمات 11 سبتمبر في باسادينا بولاية كاليفورنيا، 2001- فرانس برس

وعلى الجانب الآخر، قالت بانديث إن المسلمين انخرطوا، شأنهم في ذلك شأن غيرهم من الأقليات، في حوارٍ وطني مرير حول التاريخ، والعرق، والدين، والإثنية، والتراث. وكان هناك بعض مجالات التقدم الإيجابية. حيث انطلقت روابط وتحالفات جديدة في السنوات العشرين الماضية. ووسط تصاعد جرائم الكراهية ضد الأقليات، وجدتِ المنظمات غير الحكومية الأمريكية، والجماعات المجتمعية، وغيرها من المنظمات المدنية حلفاء وأقامت علاقات جديدة.

اقرأ أيضاً: من 11 سبتمبر إلى 1 يونيو الحرب على الإرهاب تستنفر اليمين المتطرف

وقد ازدادت أهمية الاستماع إلى أصوات المجتمع المدني المتنوعة، والتواصل مع القادة المحليين والوطنيين، وإنشاء جسورٍ جديدة بين الأمريكيين المسلمين وغير المسلمين. وهناك تحسن في الطريقة التي يتحدث بها غير المسلمين عن الإسلام اليوم، وكذلك في الحوار حول ضمان مجتمعات شاملة للجميع. لكن في المقابل، ازدادت الخطابات والسياسات المعادية للمسلمين، وارتفع صوت الأيديولوجية اليمينية المتطرفة في الولايات المتحدة، من خلال التمويل والتنظيم والتواصل بين الذين لا يريدون بلداً شاملاً، بحسب بانديث.

ما الذي تعلمته الولايات المتحدة من جهود التوعية العالمية للمجتمعات المسلمة؟

وأشارت الخبيرة الاستراتيجية إلى أن الولايات المتحدة سعَت إلى دحض سردية تنظيم القاعدة؛ بأن الغربَ في حالةِ حربٍ على الإسلام جزئياً من خلال التواصل العالمي مع المسلمين، سواء من خلالِ الحكومات أو على المستوى المجتمعي. وفي الوقت نفسه، استخدم زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، ومجندوه، في جميع أنحاء العالم، خياراتِ السياسة الخارجية الأمريكية “كدليلٍ” على العداء الأمريكي للمسلمين.

أطفال يحملون العلم الأمريكي خلال موكب يوم المسلمين السنوي في نيويورك، 2017- رويترز

غير أن الحروب التي قادتها الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق ساعدت على تغذية سردية تنظيم القاعدة، وكذلك الأنشطة الأخرى المتعلقة بالحرب العالمية التي أعلنتها الولايات المتحدة على الإرهاب. كما أدَّت الصور المنتشرة على نطاقٍ واسع للسجناء العراقيين الذين تعرضوا لسوءِ المعاملة في سجن أبو غريب، فضلاً على غارات الطائرات بدون طيار، والجدل الدائم المحيط بسجن غوانتانامو، إلى إشعال الاستياء والغضب، وربما تعزيز أنشطة تجنيد مزيدٍ من المتطرفين.

اقرأ أيضاً: كيف يرى الخبراء الانسحاب الأمريكي من أفغانستان؟

وعلى الرغمِ من ذلك، وفق بانديث، كان على الولايات المتحدة أن تجد طريقة لبناء روابط جديدة مع المجتمعات المحلية، وإيجاد هدفٍ مشترك، وبناء شبكات من المفكرين المتشابهين في التفكير الذين اتحدوا من أجل حماية الشباب من الاستدراج إلى جماعة إرهابية تدعي أنها تمثل “المسلمين الحقيقيين”. ولعل الأهم من ذلك هو حرص المسلمين في جميع أنحاء العالم على التصدي للمنظمات الإرهابية التي تحاول تجنيد شبابهم ودفعهم للتطرف. 

خطاب أوباما في القاهرة  

وأكدت فرح بانديث أن الخطاب الذي ألقاه الرئيس باراك أوباما في القاهرة كان إشارة بالغة الأهمية إلى أن إدارة أوباما ملتزمة حقاً ببناء شراكات مع المسلمين، على أساس المصلحة والاحترام المتبادلين. كما عزَّز الخطاب أهمية التاريخ الإسلامي، وممارساته الواسعة والمتنوعة، والتأثير العميق الذي أحدثه المسلمون على العلم والفلسفة والثقافة، ورفض فكرة أن الإسلام مرادف للإرهاب.

أوباما يحيي الحضور بعد إنهاء خطابه التاريخي في جامعة القاهرة، مصر، 2009- ناشيونال ريفيو

وعلى مدار فترتي ولاية أوباما، تم تكثيف الجهود المتعلقة باستراتيجية المشاركة، من خلال برامج ومبادراتٍ جديدة. وكانت إحدى المبادرات التي لها تأثير دائم هي القمة الرئاسية لأوباما حول ريادة الأعمال، وهي حدث استمر لمدة يومين، وحضره أكثر من 250 من رواد الأعمال من أكثر من 50 دولة ذات أغلبيةٍ مسلمة.

وكان التركيز على بناء علاقاتٍ تجارية واجتماعية وتعزيز علاقات أعمق مع المجتمعات الإسلامية على أساس جوانب أخرى غير الأمن. وأسفرت القمة عن العشرات من مشاريع المتابعة والتعاون، وعقدت خلال كل عام من إدارة أوباما.

اقرأ أيضاً: 3 مجالات ميَّزت سياسة إسبانيا لمكافحة التطرف

لكن على الجانب الآخر، تقول بانديث، إنه يمكن للمرء أن يزعم أيضاً بأن الثقة قد تآكلت بسبب تصرفات أوباما التي لم تحظ بالشعبية، بما في ذلك تصعيد هجمات الطائرات بدون طيار ضد المسلحين المشتبه بهم في الدول ذات الأغلبية المسلمة؛ مثل باكستان والصومال واليمن، وقراراته بشأن سوريا، وتنامي تنظيم الدولة الإسلامية، وخيبة الأمل العامة من نتائج “السلام في الشرق الأوسط”.

كتابات معادية للمسلمين على جدار المركز الإسلامي لأمريكا في ميشيغان، 2016- واشنطن بوست

وقد أعاد أوباما تجديد نموذج المشاركة الشعبية؛ لأن إدارته كانت أكبر وأكثر جرأة في الشراكة مع المسلمين من أيّة إدارة أخرى في تاريخ الولايات المتحدة. ولعل أحد أكبر الدروس المستفادة هو أن الولايات المتحدة بحاجة إلى جلب المزيد من الموارد والاهتمام لمواجهة التحدي، وصولاً إلى مستوى المجتمع في الداخل والخارج.

وكان من بين الجهود البارزة في هذا السياق التوجه المعروف بمكافحة التطرف العنيف، والذي تم تدشينه خلال إدارة بوش وينصب على الجهود المبذولة لمنع المتطرفين العنيفين من اكتساب الدعم لأيديولوجيتهم، وهو في جوهره قوة ناعمة.

اقرأ أيضاً: تطور الإسلاموية في أمريكا

وأضافت بانديث أن مكافحة التطرف العنيف؛ هو نهج يستخدم أشكالاً وتكتيكاتٍ متنوعة، داخل الإنترنت وخارجه، ويعتمد بشكلٍ أساسي على جماعات المجتمع المدني لتنفيذ البرامج. بحيث تعمل الحكومات والمؤسسات مع منظمات المجتمع المدني غير الحكومية للحصول على مساعدة الأكاديميين، والمؤسسات الإعلامية، وشركات التكنولوجيا، وعلماء الاجتماع، لتطوير برامج تهدف إلى تحصين المجتمعات من الانجذاب للأيديولوجيات المتطرفة.

مجموعة من المتطرفين البيض خلال تظاهرة مناهضة للإسلام أمام مركز الجالية الإسلامية بولاية أريزونا، 2015- روتيرز

وذكرتِ الخبيرة الإستراتيجية فرح بانديث مثالاً على نوعٍ من أنجح برامج مكافحة التطرف العنيف، وهو استخدام المتطرفين السابقين لتثقيف المجتمعات حول ما تقوم به العناصر السيئة لإغوائهم، وما هو حقيقي وما هو زائف، وكيفية حماية الذات. حيث تحتاج المجتمعات إلى نهج متعدد المستويات للتواصل مع الأطفال والآباء والمعلمين، ورجال الدين، وقادة المجتمع المدني، والقادة المحليين، وغيرهم.

اقرأ أيضاً: حُب بلدك يعني تعلُّم تاريخها بأمانة!

كما أكدت بانديث على أن تقليص الجاذبية الأيديولوجية للتطرف العنيف هو مصلحة حيوية للولايات المتحدة، وبالتالي يجب توسيع نطاق برامج العمل، وتنفيذها على جميع المستويات، للتأثير على العوامل المتعددة التي تؤثر على هوية الفرد وإحساسه بالانتماء.

وأشارت إلى ضرورة أن تختلف مثل هذه البرامج بين المجتمعات، حتى داخل الدولة، حيث يتطلب ذلك مشاركة المجتمع بأسره وإحداث تغيير جذري في العقلية، والتركيز، والتمويل.

♦زميل مساعد في مجلس العلاقات الخارجية، وخبيرة استراتيجية للسياسة الخارجية، ودبلوماسية سابقة. تم الاستعانة بها خلال إدارتي بوش وباراك أوباما، كما ترأست اللجنة الفرعية لمكافحة التطرف العنيف بوزارة الأمن الداخلي.

المصدر: مجلس العلاقات الخارجية

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة